- كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا أَمَرَنَا بالصَّدَقَةِ، انْطَلَقَ أَحَدُنَا إلى السُّوقِ، فيُحَامِلُ ، فيُصِيبُ المُدَّ وإنَّ لِبَعْضِهِمُ اليومَ لَمِئَةَ أَلْفٍ.
أخرجه مسلم (1018) بنحوه
كان الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم سُرْعانَ ما يَستَجيبون لأوامرِ الله ورسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويَتكلَّفُ كلُّ فردٍ منهم ما يستطيعُ بَذْلَه وإنفاقَه.
وفي هذا الحديثِ يَروي أبو مسعودٍ الأنصاريُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لَمَّا أمَر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالصَّدقةِ والتطَوُّعِ مِن المالِ الخاصِّ، كان أحَدُهم يَنطلِقُ إلى السُّوقِ فيَحمِلُ للغَيرِ على ظَهرِه -بقَصدِ التكسُّبِ حتَّى يُخرِجَ الصدَقةَ- فيُصيبُ المُدَّ، وهو رطلٌ وثلثٌ مِن الطَّعامِ، مُقابِلَ أُجرتِه؛ ليَتصدَّقَ بها، وهذا إشارةٌ إلى ما كان عليه حالُهم مِن الشِّدَّةِ والفَقرِ، ورغْمَ ذلك كانوا يَحرِصون على العَملِ والتصَدُّقِ بالقَليلِ الَّذي يخرجُ لهم مِن أُجرةِ العَملِ.
ثمَّ قال: (وإنَّ لِبعضِهم اليومَ لَمِئةَ ألْفٍ)، أشار بذلك إلى ما كان عليه الصَّحابةُ في عَهدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن قِلَّةِ الشَّيءِ، وإلى ما صاروا إليه بعْدَه مِن التوسُّعِ؛ لكَثرةِ الفُتوحِ، ومع ذلك فكانوا في العهدِ الأوَّلِ يَتصَدَّقون بما يَجِدون ولو أصابَتْهمُ المشَقَّةُ في ذلك.
وفي رِوايةِ النَّسائيِّ: (إنِّي لَأعرِفُ اليَومَ رجُلًا له مِئةُ ألْفٍ، ما كان له يَومَئذٍ دِرهَمٌ)، أي: في اليَومِ الذي كان يَحمِلُ فيه بالأُجرةِ؛ لأنَّهم كانوا فُقراءَ في ذلك الوَقتِ، واليَومَ هم أغنياءُ، وهذا يُحمَلُ إمَّا على أنَّه مِن التحدُّثِ بنِعمةِ اللهِ وفضْلِه عليهم بعْدَ أنْ أغْناهم، وإمَّا على بعضِ ما أصاب النَّاسَ مِن التغيُّرِ والحِرصِ على الدُّنيا، فبَعْدَ أنْ كانوا فُقراءَ يَحرِصون على الصَّدقةِ، أصبَحوا أغنياءَ، ولكنَّهم لا يَتصَدَّقون بمِثلِ ما كانوا يَتصَدَّقون به قبْلَ ذلك.
وقال أبو وائلٍ شَقِيقُ بنُ سَلَمةَ راوي الحديثِ عن أبي مَسعودٍ في روايةِ البُخاريِّ: (قال: ما نُراهُ إلَّا نفْسَه)، والمعنى: ما أظُنُّ أبا مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه أراد بذلك البعضِ إلَّا نفْسَه؛ فإنَّه كان مِن الأغنياءِ.
وفي الحديثِ: الحثُّ على الصَّدقةِ بما قَلَّ وما جَلَّ.
وفيه: ألَّا يحتقِرَ الإنسانُ ما يَتصدَّقُ به.
وفيه: ما كان عليه السَّلفُ مِن التَّواضعِ، والحِرصِ على الخَيرِ، واستِعمالِهم أنفُسَهم في المِهَنِ والخِدمةِ.
[صحيح مسلم] (2/ 706 ) :
72 - (1018) حدثني يحيى بن معين.
حدثنا غندر.
حدثنا شعبة.
ح وحدثنيه بشر بن خالد (واللفظ له) أخبرنا محمد (يعني ابن جعفر) عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود .
قال: أمرنا بالصدقة.
قال: كنا نحامل.
قال: فتصدق أبو عقيل بنصف صاع.
قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه.
فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا.
وما فعل هذا الآخر إلا رياء.
فنزلت: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم} [9 / التوبة / 79].
ولم يلفظ بشر بالمطوعين.
صحيح البخاري (2/ 109) :
1416 - حدثنا سعيد بن يحيى: حدثنا أبي: حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرنا بالصدقة، انطلق أحدنا إلى السوق، فتحامل، فيصيب المد، وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف.