- أَهْلَلْتُ مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حَجَّةِ الوَداعِ ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ ولَمْ يَسُقِ الهَدْيَ ، فَزَعَمَتْ أنَّها حاضَتْ ولَمْ تَطْهُرْ حتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، فقالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، هذِه لَيْلَةُ عَرَفَةَ وإنَّما كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بعُمْرَةٍ، فقالَ لها رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: انْقُضِي رَأْسَكِ وامْتَشِطِي ، وأَمْسِكِي عن عُمْرَتِكِ، فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ ، فأعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكانَ عُمْرَتي الَّتي نَسَكْتُ.
أخرجه مسلم (1211)، وأبو داود (1778) بنحوه.
خَرَجْنَا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولَا نَرَى إلَّا الحَجَّ، فَقَدِمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَطَافَ بالبَيْتِ، وبيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ ولَمْ يَحِلَّ، وكانَ معهُ الهَدْيُ، فَطَافَ مَن كانَ معهُ مِن نِسَائِهِ وأَصْحَابِهِ، وحَلَّ منهمْ مَن لَمْ يَكُنْ معهُ الهَدْيُ، فَحَاضَتْ هي، فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِن حَجِّنَا، فَلَمَّا كانَ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ -لَيْلَةُ النَّفْرِ- قالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، كُلُّ أصْحَابِكَ يَرْجِعُ بحَجٍّ وعُمْرَةٍ غيرِي، قالَ: ما كُنْتِ تَطُوفينَ بالبَيْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا؟ قُلتُ: لَا، قالَ: فَاخْرُجِي مع أخِيكِ إلى التَّنْعِيمِ، فأهِلِّي بعُمْرَةٍ، ومَوْعِدُكِ مَكانَ كَذَا وكَذَا.
فَخَرَجْتُ مع عبدِ الرَّحْمَنِ إلى التَّنْعِيمِ، فأهْلَلْتُ بعُمْرَةٍ.
وحَاضَتْ صَفِيَّةُ بنْتُ حُيَيٍّ، فَقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عَقْرَى حَلْقَى، إنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، أمَا كُنْتِ طُفْتِ يَومَ النَّحْرِ؟ قالَتْ: بَلَى، قالَ: فلا بَأْسَ، انْفِرِي.
فَلَقِيتُهُ مُصْعِدًا علَى أهْلِ مَكَّةَ وأَنَا مُنْهَبِطَةٌ، أوْ أنَا مُصْعِدَةٌ وهو مُنْهَبِطٌ.
الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 1762 خلاصة حكم المحدث : [أورده في صحيحه] وقال : قال مسدد: (قلت: لا).
تابعه جرير عن منصور في قوله (لا).
التخريج : أخرجه البخاري (1762)، ومسلم (1211) الحجُّ هو الرُّكنُ الخامسُ مِن أركانِ الإسلامِ، وقد بيَّنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَناسِكَ الحجِّ بأقوالِه وأفعالِه، ونَقَلَها لنا الصَّحابةُ الكرامُ رَضيَ اللهُ عنهم أجمعينَ.
وفي هذا الحديثِ تَحكي أمُّ المؤمنينَ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ الصَّحابةَ رَضيَ اللهُ عنهم خَرَجوا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حَجَّة الوَداعِ في العامِ العاشرِ مِن الهجرةِ وهمْ لا يَقصِدون سِوى الحجِّ، ولم تَذكُرِ الاعتمارَ على ما كانوا يَعهَدونه مِن تَرْكِ الاعتمارِ في أشهُرِ الحجِّ، فلمَّا وَصَلوا مَكَّةَ طاف النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ونِساؤه وأصحابُه طَوافَ العُمرةِ، وسَعَوا بيْن الصَّفا والمَروةِ، ولم تَطُفْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها لِأجْلِ حَيضِها، فأمَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَن لَم يكُن أحضَرَ الهدْيَ معه مِن خارجِ مكَّةَ أنْ يَتحلَّلَ مِن إحرامِه، ويَتمتَّعَ إلى أنْ تَبدَأَ أعمالُ الحجِّ، وكانت نِساؤُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَم يَسُقْنَ الهَدْيَ فأَحْلَلنَ، وعائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها مِنهُنَّ لكِن مَنَعَها مِن التَّحلُّلِ كَونُها حاضَت لَيلةَ دُخولِها مَكَّةَ وكانَت مُحرِمةً بِعُمرةٍ، وأدْخَلَت عليها الحَجَّ، فصارَت قارِنةً.
وحَدَثَ حَيضُها بِسَرِفَ قبْلَ دُخولِها مكَّةَ، وهو اسْمُ بُقْعةٍ على عَشَرةِ أميالٍ مِن مَكَّةَ، فلَم تَطُفْ بالبَيتِ طَوافَ العُمرةِ لِمانِع الحَيضِ.
وأمَّا طَوافُ الإفاضةِ فقدْ طافَتْه في يومِ النَّحرِ، وأدَّوا جَميعًا أعمالَ الحجِّ كاملةً.
قالت: فلمَّا كانَت لَيلةُ الحَصْبةِ -وهي اللَّيلةُ الَّتي نَزَلوا فيها في المُحَصَّبِ، وهو المَكانُ الَّذي نَزَلوه بَعدَ الرَّحيلِ مِن مِنًى إلى خارِجِ مَكَّةَ، وهو مكانٌ متَّسِعٌ بيْنَ مكَّةَ ومِنًى بيْنَ الجبلَيْنِ إلى المقابرِ؛ سُمِّيَ به لاجتماعِ الحَصْباءِ فيه بِحَمْلِ السَّيلِ إليه، ويُعرَفُ أيضًا بالأبْطَحِ، ويُسمَّى الآنَ الجَعفريَّةَ، وهي تابعةٌ لمَنطقةِ الجُمّيزة- قالَت للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يَرجِعُ النَّاسُ بِعُمرةٍ مُنفَرِدة عن حَجَّةٍ، وأَرجِعُ أنا بِحَجَّة دونَ عُمرةٍ لَيسَ لي عُمرةٌ مُنفرِدةٌ عن حَجٍّ، حَرَصتْ على ذلِك رَضيَ اللهُ عنها؛ لِتكثيرِ الأفعالِ كما حَصَلَ لِسائِرِ أُمَّهاتِ المُؤمنينَ وغيرِهنَّ مِن الصَّحابةِ الَّذينَ فَسَخوا الحَجَّ إلى العُمرةِ وأتمُّوا العُمرةَ، وتَحلَّلوا مِنها قَبلَ يَومِ التَّرويةِ، وأَحرَموا بالحَجِّ يَومَ التَّرويةِ مِن مَكَّةَ، فحَصَلَ لَهُم حَجَّةٌ مُنفرِدةٌ وعُمرةٌ مُنفَرِدةٌ، وأمَّا عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها فإنَّما حَصَلَ لها عُمرةٌ مُندَرِجةٌ في حَجَّةٍ بالقِرانِ، فأرادَت عُمرةً مُفرَدة كما حَصَلَ لبَقيَّةِ النَّاسِ.
فأمَرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها بالذَّهابِ مَع أخيها عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بكْرٍ رَضيَ اللهُ عنهما إلى التَّنْعيمِ -وهو مَوْضِعٌ على ثَلاثةِ أو أربعةِ أميالٍ مِن مَكَّةَ، أَقْرَبُ أطرافِ الحِلِّ إلى البَيْتِ، وسُمِّي به لأنَّ على يَمِينِه جَبلَ نُعَيْمٍ، وعلى يَسارِهِ جَبَلَ نَاعِمٍ، والوادِيَ اسمُه نَعْمانُ- لتُحرِمَ بِعُمرةٍ؛ تَطييبًا لقَلبِها، ثُمَّ جَعَلَ مَوعِدَهما الرَّجوعَ إلى المُحَصَّبِ بعْدَ أنْ تَنتهِيَ مِن عُمرتِها.
وتَحكي أمُّ المؤمنين عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ أمَّ المؤمنين صَفِيَّةَ بِنتَ حُيَيٍّ رَضيَ اللهُ عنها حاضتْ، وذلك بعدَ أداءِ طَوافِ الإفاضةِ، فظنَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّها حاضَتْ قَبْلَ طَوافَ الإفاضةِ، فقالَ: «عَقْرَى حَلْقَى»، مَعناه: عَقَرَها اللهُ، وأصَابَها في حَلْقِها الوَجَعُ، وهذا ممَّا جَرى على ألْسِنتِهم مِن غَيرِ قَصدٍ له، فليس المرادُ حَقيقةَ الدُّعاءِ، بل هي كَلمةٌ اتَّسَعَت فيها العرَبُ، فتُطلِقُها ولا تُريدُ حَقيقةَ معْناها، فهي مِثلُ قَولِهم: «تَرِبَت يَداهُ»، ونحْوِ ذلك.
واستَفْهَم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن ذلك قائلًا: «أحَابِسَتُنا هي؟» يعني: هل نَضطرُّ إلى المُكثِ حتَّى تَطهُرَ وتَطوفَ طَوافَ الإفاضةِ؟ فقيل له: إنَّ صَفيَّةَ طافتْ طَوافَ الإفاضَةِ، أو أَعْلَمَتْه عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّها طافتْ معهنَّ، فلمَّا عَلِمَ ذلك زالَ عنه ما خَشِيَه مِن المُكْثِ حتى تَطهُرَ صَفيَّةُ لتَأتِيَ بطَوافِ الإفاضَةِ، وأَذِنَ لهم في الرَّحيلِ، ورَخَّصَ لأمِّ المؤمنينَ صَفيَّةَ رَضيَ اللهُ عنها في تَرْكِ طَوافِ الوَداعِ.
ثُمَّ تَحكي أمُّ المؤمنين عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّها بعْدَ أنْ أدَّتْ مَناسِكَ العُمرةِ قابَلَها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالمُحَصَّبِ وهو مُبتَدِئٌ السَّيرَ مِن مَكَّةَ وهي مُنْهَبِطةٌ عليها، أو وهي مُصْعِدةٌ وهو مُنْهَبِطٌ منها.
وفي الحديثِ: سُقوطُ طَوافِ الوَداعِ عن الحائضِ.
وفيه: مَشروعيَّةُ التَّمتُّعِ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ.
وفيه: اشتراطُ الطَّهارةِ للطَّوافِ، فلا تَطوفُ الحائضُ بالبيتِ حتَّى تَطهُرَ.
[صحيح البخاري] (1/ 70) :
316 - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب، عن عروة: أن عائشة قالت: أهللت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فكنت ممن تمتع ولم يسق الهدي.
فزعمت أنها حاضت، ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة فقالت: يا رسول الله، هذه ليلة عرفة، وإنما كنت تمتعت بعمرة؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: انقضي رأسك وامتشطي، وأمسكي عن عمرتك.
ففعلت، فلما قضيت الحج، أمر عبد الرحمن ليلة الحصبة، فأعمرني من التنعيم، مكان عمرتي التي نسكت.
[صحيح مسلم] (4/ 27) :
111 - (1211) حدثنا يحيى بن يحيى التميمي قال: قرأت على مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا.
قالت: فقدمت مكة وأنا حائض، لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج، أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك، فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا .
سنن أبي داود (2/ 152) :
1778 - حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، ح وحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، ح وحدثنا موسى، حدثنا وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين هلال ذي الحجة فلما كان بذي الحليفة قال: من شاء أن يهل بحج فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة.
قال موسى: في حديث وهيب، فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة، وقال: في حديث حماد بن سلمة، وأما أنا فأهل بالحج فإن معي الهدي، ثم اتفقوا فكنت فيمن، أهل بعمرة فلما كان في بعض الطريق، حضت فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟، قلت: وددت أني لم أكن خرجت العام، قال: ارفضي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي.
قال موسى: وأهلي بالحج وقال سليمان واصنعي ما يصنع المسلمون في حجهم فلما كان ليلة الصدر أمر يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن فذهب بها إلى التنعيم زاد موسى فأهلت بعمرة مكان عمرتها وطافت بالبيت فقضى الله عمرتها وحجها، قال هشام ولم يكن في شيء من ذلك هدي.
قال أبو داود: زاد موسى في حديث حماد بن سلمة فلما كانت ليلة البطحاء طهرت عائشة رضي الله عنها