اسْتَأْذَنَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أبو بَكْرٍ في الخُرُوجِ حِينَ اشْتَدَّ عليه الأذَى، فَقالَ له: أقِمْ فَقالَ يا رَسولَ اللَّهِ أتَطْمَعُ أنْ يُؤْذَنَ لَكَ؟ فَكانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إنِّي لَأَرْجُو ذلكَ قالَتْ: فَانْتَظَرَهُ أبو بَكْرٍ، فأتَاهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذَاتَ يَومٍ ظُهْرًا، فَنَادَاهُ فَقالَ: أخْرِجْ مَن عِنْدَكَ فَقالَ أبو بَكْرٍ: إنَّما هُما ابْنَتَايَ، فَقالَ أشَعَرْتَ أنَّه قدْ أُذِنَ لي في الخُرُوجِ فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ الصُّحْبَةَ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الصُّحْبَةَ قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، عِندِي نَاقَتَانِ، قدْ كُنْتُ أعْدَدْتُهُما لِلْخُرُوجِ، فأعْطَى النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إحْدَاهُما - وهي الجَدْعَاءُ - فَرَكِبَا، فَانْطَلَقَا حتَّى أتَيَا الغَارَ - وهو بثَوْرٍ - فَتَوَارَيَا فِيهِ، فَكانَ عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ غُلَامًا لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ الطُّفَيْلِ بنِ سَخْبَرَةَ، أخُو عَائِشَةَ لِأُمِّهَا، وكَانَتْ لأبِي بَكْرٍ مِنْحَةٌ، فَكانَ يَرُوحُ بهَا ويَغْدُو عليهم ويُصْبِحُ، فَيَدَّلِجُ إلَيْهِما ثُمَّ يَسْرَحُ، فلا يَفْطُنُ به أحَدٌ مِنَ الرِّعَاءِ، فَلَمَّا خَرَجَ خَرَجَ معهُما يُعْقِبَانِهِ حتَّى قَدِما المَدِينَةَ، فَقُتِلَ عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ يَومَ بئْرِ مَعُونَةَ
أخرجه ابن حبان (6279)، واللفظ له، وأحمد (25626) مطولا.
لَقَلَّ يَوْمٌ كانَ يَأْتي علَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إلَّا يَأْتي فيه بَيْتَ أبِي بَكْرٍ أحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ له في الخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، لَمْ يَرُعْنَا إلَّا وقدْ أتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ به أبو بَكْرٍ، فَقالَ: ما جَاءَنَا النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في هذِه السَّاعَةِ إلَّا لأمْرٍ حَدَثَ، فَلَمَّا دَخَلَ عليه قالَ لأبِي بَكْرٍ: أخْرِجْ مَن عِنْدَكَ، قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّما هُما ابْنَتَايَ -يَعْنِي عَائِشَةَ وأَسْمَاءَ- قالَ: أشَعَرْتَ أنَّه قدْ أُذِنَ لي في الخُرُوجِ؟ قالَ: الصُّحْبَةَ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: الصُّحْبَةَ، قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ عِندِي نَاقَتَيْنِ أعْدَدْتُهُما لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إحْدَاهُمَا، قالَ: قدْ أخَذْتُهَا بالثَّمَنِ.
الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2138 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه أحمد (25626)، وابن حبان (6279)، وابن راهويه (849) جميعا بمعناه.
كان أبو بَكْرٍ رَضيَ اللهُ عنه أَقْرَبَ النَّاسِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فهو رَفِيقُه في هِجرتِه، وهو أعظَمُ هذه الأُمَّةِ إيمانًا وتَصديقًا، بحيثُ لو وُزِن إيمانُه بإيمانِ النَّاسِ كلِّهم لَرَجَح إيمانُه.
وفي هذا الحَديثِ بَيانٌ لِجانبٍ مِن قُوَّةِ العَلاقةِ بيْن الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأبي بَكْرٍ رَضيَ اللهُ عنه، وصِدقِها، فتَحْكي أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يَأتي بَيْتَ أبي بَكْرٍ الصديق رَضيَ اللهُ عنه في أكثرِ الأيامِ، وكان ذلك في أوَّلِ مَبعَثِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو بمكَّةَ، وكان مَوعِدُ زِيارتِه إمَّا في أوَّلِ النَّهارِ عندَ طُلوعِ الشَّمسِ، أو في آخِرِ النَّهارِ عندَ غُروبِها، فَلمَّا أَذِنَ اللهُ تعالَى لنَبيِّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالهِجرةِ إلى المدينةِ، فاجأَهُم بِزِيارةٍ في وقْتِ الظُّهرِ؛ ممَّا جَعَلَهم يَرتاعونَ ويَفزَعونَ، وعَلِمَ أبو بَكْرٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يَأتِ في هذا الوقتِ غيرِ المعتادِ إلَّا لِأَمْرٍ عَظيمٍ قدْ جدَّ ووقَعَ.
ولِخُطورةِ أَمْرِ الهجرةِ على حَياةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وصاحبِه، أرادَ أنْ يَنفرِدَ بأبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه لِيُخبِرَهُ، وألَّا يَحْضُرَهم أحدٌ فيما سيُخبِرُه به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأخْبَرهُ الصِّدِّيقُ رَضيَ اللهُ عنه بأنَّه لا يُوجَدُ سِوى ابنتَيهِ عائِشةَ وأَسْماءَ رَضيَ اللهُ عنهما، فأخْبَرَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه قد أُذِنَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الهِجرةِ إلى المدينةِ.
ولَمَّا كان أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه يَترقَّبُ هذه المَكرُمةَ والمَنْزِلةَ العَظيمةَ، طَلَبَ صُحْبةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومُرافَقتَه في الهِجرةِ، مع عِلمِهِ بخُطورةِ هذهِ الرِّحلةِ، فوافَقَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على مُصاحبتِه في الهِجرةِ، وقدْ كان نَبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَستَبقيهِ في مكَّةَ، ولم يَجعَلْه يَخرُجُ مع مَن خَرَجوا إلى المدينةِ؛ رَغبةً في صُحبتِهِ.
وكان أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه قدِ اشتَرى وأعَدَّ ناقتَينِ له وللنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا حانَتِ الهِجْرةُ عرَضَ إِحداهُما على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقَبِلها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولكنْ بِقيمَتِها.
وفي الحَديثِ: مَنقَبةُ وفضْلُ الصِّدِّيقَ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه: ما يَدُلُّ على إيثارِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لمَنْفَعةِ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، حيثُ أَبَى أنْ يَأخُذَ الرَّاحلةَ إلَّا بالثَّمنِ.
[صحيح البخاري] (5/ 106) :
4093 - حدثنا عبيد بن إسماعيل: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر في الخروج حين اشتد عليه الأذى، فقال له: أقم.
فقال: يا رسول الله، أتطمع أن يؤذن لك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني لأرجو ذلك.
قالت: فانتظره أبو بكر ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ظهرا، فناداه فقال: أخرج من عندك.
فقال أبو بكر: إنما هما ابنتاي، فقال: أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج.
فقال: يا رسول الله، الصحبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الصحبة.
قال: يا رسول الله، عندي ناقتان، قد كنت أعددتهما للخروج، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم إحداهما وهي الجدعاء فركبا، فانطلقا حتى أتيا الغار وهو بثور فتواريا فيه، فكان عامر بن فهيرة غلاما لعبد الله بن الطفيل بن سخبرة أخو عائشة لأمها، وكانت لأبي بكر منحة، فكان يروح بها ويغدو عليهم ويصبح، فيدلج إليهما ثم يسرح، فلا يفطن به أحد من الرعاء، فلما خرج خرج معهما يعقبانه حتى قدما المدينة، فقتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة.
وعن أبي أسامة قال: قال هشام بن عروة: فأخبرني أبي قال: لما قتل الذين ببئر معونة، وأسر عمرو بن أمية الضمري، قال: له عامر بن الطفيل: من هذا؟ فأشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم فنعاهم، فقال: إن أصحابكم قد أصيبوا، وإنهم قد سألوا ربهم، فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا، فأخبرهم عنهم.
وأصيب يومئذ فيهم عروة بن أسماء بن الصلت فسمي عروة به، ومنذر بن عمرو سمي به منذرا.
صحيح ابن حبان - مخرجا (14/ 182) 6279 - أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا أبو أسامة، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ، قالت: استأذن أبو بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج من مكة حين اشتد عليه الأمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اصبر، فقال: يا رسول الله تطمع أن يؤذن لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأرجو، فانتظره أبو بكر، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ظهرا، فناداه، فقال له: اخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هما ابنتاي يا رسول الله.
فقال: أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج، فقال: يا رسول الله الصحبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الصحبة، قال: يا رسول الله عندي ناقتان، قد كنت أعددتهما للخروج.
قالت: فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم إحداهما وهي الجدعاء، فركبا حتى أتيا الغار، وهو بثور، فتواريا فيه، وكان عامر بن فهيرة غلاما لعبد الله بن الطفيل بن سخبرة أخو عائشة لأمها، وكان لأبي بكر رضي الله عنه منحة، فكان يروح بها ويغدو عليهم، ويصبح فيدلج إليهما، ثم يسرح، فلا يفطن به أحد من الرعاء، فلما خرجا، خرج معهما يعقبانه حتى قدموا المدينة
[مسند أحمد] (42/ 419 ط الرسالة) :
25626 - حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال الزهري، وأخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة قالت: لم أعقل أبوي قط، إلا وهما يدينان الدين، ولم يمرر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا قبل أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد، لقيه ابن الدغنة، وهو سيد القارة، فقال ابن الدغنة: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فذكر الحديث، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: " قد رأيت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين - وهما حرتان - فخرج من كان مهاجرا قبل المدينة حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجرا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي ، فقال أبو بكر أو ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: نعم ، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمر أربعة أشهر، قال الزهري: قال عروة: قالت عائشة: فبينا نحن يوما جلوسا في بيتنا في نحر الظهيرة، قال: قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي، إن جاء به في هذه الساعة لأمر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذن فأذن له فدخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل لأبي بكر: أخرج من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإنه قد أذن لي في الخروج ، فقال أبو بكر فالصحابة بأبي أنت يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم ، فقال أبو بكر فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن ، قالت: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت الجراب، فلذلك كانت تسمى ذات النطاقين، ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل، يقال له ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال "