- - أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ رضيَ اللَّهُ عنهُ شاورَ الهُرمُزانَ في أصبَهانَ وفارسَ وأذربيجانَ فقال يا أميرَ المؤمنينَ أصبَهانُ الرَّأسُ وفارسُ وأذربيجانَ الجناحانِ فإذا قطعتَ إحدى الجناحينِ فالرَّأسُ بالجناحِ وإن قطعتَ الرَّأسَ وقعَ الجناحانِ فابدأ ب أصبَهانَ فدخلَ عمرُ بنُ الخطَّابِ المسجدَ فإذا هوَ بالنُّعمانِ بنِ مقرِّنٍ يصلِّي فانتظرَهُ حتَّى قضى صلاتَه فقال لَهُ إنِّي مستعملُكَ فقال أمَّا جابيًا فلا وأمَّا غازيًا فنعم قال فإنَّكَ غازٍ فسرَّحَهُ وبعثَ إلى أَهلِ الكوفةِ أن يمدُّوهُ ويلحقوا بِهِ وفيهم حذيفةُ بنُ اليمانِ والمغيرةُ بنُ شعبةَ والزُّبيرُ بنُ العوَّامِ والأشعثُ بنُ قيسٍ وعمرو بنُ معدي كرِبَ وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو فأتاهمُ النُّعمانُ وبينَه وبينَهم نَهرٌ فبعثَ إليهمُ المغيرةَ بنَ شعبةَ رسولًا وملِكُهم ذو الحاجبينِ فاستشارَ أصحابَهُ فقال ما ترونَ أقعدُ لَهم في هيئةِ الحربِ أو في هيئةِ الملِكِ وبَهجتِه فجلسَ في هيئةِ الملِكِ وبَهجتِه على سريرِه ووضعَ التَّاجَ على رأسِه وحولَه سماطينِ عليهم ثيابُ الدِّيباجِ والقرطِ والأسورةِ فجاءَ المغيرةُ بنُ شعبةَ فأخذَ بضبعيهِ وبيدِه الرُّمحُ والتُّرسُ والنَّاسُ حولَه سماطينِ على بساطٍ لهُ فجعلَ يطعنُه برمحِه فخرَّقَه لِكي يتطيَّروا فقال لهُ ذو الحاجبينِ إنَّكم يا معشرَ العربِ أصابَكم جوعٌ شديدٌ وجَهدٌ فخرجتُمْ فإن شئتُم مِرْناكم ورجعتُم إلى بلادِكم فتَكلَّمَ المغيرةُ فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ وقالَ إنَّا كنَّا معشرَ العربِ نأكلُ الجيفةَ والميتةَ وَكانَ النَّاسُ يطؤونا ولا نطأُهم فابتعثَ اللَّهُ منَّا رسولًا في شرفٍ منَّا أوسطَنا وأصدَقنا حديثًا وإنَّهُ قد وعدنا أنَّ ها هنا ستفتحُ علينا وقد وجدنا جميعَ ما وعدنا حقًّا وإنِّي لأرى ها هنا بزَّةً وَهيئةً ما أرى من معي بذاهبينَ حتَّى يأخذوهُ فقال المغيرةُ فقالت لي نفسي لو جمعتَ جراميزَك فوثبتَ وثبةً فجلستُ معَه على السَّريرِ إذ وجدتُ غفلةً فزجرني وجعلوا يحثُّونَه فقلتُ أرأيتُم إن كنتُ أنا استحمقتُ فإنَّ هذا لا يفعلُ بالرُّسلِ وإنَّا لا نفعلُ هذا برسلِكم إذا أتونا فقال إن شئتُم قطعتُم إلينا وإن شئتُم قطعنا إليكم فقلتُ بل نقطعُ إليكم فقطعنا إليهم وصاففناهم فتسلسلوا كلُّ سبعةٍ في سلسلةٍ وخمسةٌ في سلسلةٍ حتَّى لا يفِرُّوا قال فرامونا حتَّى أسرعوا فينا فقال المغيرةُ للنُّعمانِ إنَّ القومَ قد أسرعوا فينا فاحمِل فقال إنَّكَ ذو مناقبٍ وقد شَهدتُ معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ ولَكنِّي أنا شَهدتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ إذا لم يقاتل أوَّلَ النَّهارِ أخَّرَ القتالَ حتَّى تزولَ الشَّمسُ وتَهبَّ الرِّيحُ وينزلُ النَّصرُ فقال النُّعمانُ يا أيُّها النَّاسُ اهتزَّ ثلاثُ هزَّاتٍ فأمَّا الهزَّةُ الأولى فليقضِ الرَّجلُ حاجتَه وأمَّا الثَّانيةُ فلينظرِ الرَّجلُ في سلاحِه وسيفِه وأمَّا الثَّالثةُ فإنِّي حاملٌ فاحملوا فإن قُتِلَ أحدٌ فلا يلوي أحدٌ على أحدٍ وإن قتلتُ فلا تلووا عليَّ وإنِّي داعٍ اللَّهَ بدعوةٍ فعزمتُ على كلِّ امرئٍ منكم لمَا أمَّنَ عليها فقال اللَّهمَّ ارزقِ اليومَ النُّعمانَ شَهادةً تَنصُرُ المسلمينَ وافتح عليهم فأمَّنَ القومُ وَهزَّ لواءَه ثلاثَ مرَّاتٍ ثمَّ حملَ فَكانَ أوَّلَ صريعٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ فذَكرتُ وصيَّتَهُ فلم ألوِ عليهِ وأعلمتُ مَكانَه فَكنَّا إذا قتلنا رجلًا منهم شغلَ عنَّا أصحابُه يجرُّونَه ووقعَ ذو الحاجبينِ من بغلتِهِ الشَّهباءِ فانشقَّ بطنُهُ وفتحَ اللَّهُ على المسلمينَ فأتيتُ النُّعمانَ وبِه رمقٌ فأتيتُه بماءٍ فجعلتُ أصبُّهُ على وجهِه أغسلُ التُّرابَ عن وجهِه فقال من هذا فقلتُ معقلُ بنُ يسارٍ فقال ما فعلَ النَّاسُ فقلتُ فتحَ اللَّهُ عليهم فقال الحمدُ للَّهِ اكتبوا بذلِكَ إلى عمرَ وفاضت نفسُهُ فاجتمعَ النَّاسُ إلى الأشعثِ بنِ قيسٍ فقال فأتينا أمَّ ولدِهِ فقلنا هل عَهدَ إليكَ عَهدًا قالت لا إلَّا سفيطٌ لهُ في كتابٌ فقرأتُه فإذا فيهِ إن قُتِلَ فلانٌ ففلانٌ وإن قُتِلَ فلانٌ ففلانٌ

الدلالات الموضوعية:# مناقب وفضائل - النعمان بن مقرن# مغازي - موقعة نهاوند# جهاد - الترغيب في الجهاد# رقائق وزهد - ما جاء في بذل النصح والمشورة
المصدر: صحيح دلائل النبوة
الراوي: النعمان بن مقرن
المحدث: الوادعي
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الحاكم (5279)، وابن أبي شيبة (36056) واللفظ لهما، وأبو داود (2655)، والترمذي (1613) بنحوه مختصرا.

الشرح والتوضيح

بَعَثَ عُمَرُ النَّاسَ في أفْنَاءِ الأمْصَارِ يُقَاتِلُونَ المُشْرِكِينَ، فأسْلَمَ الهُرْمُزَانُ، فَقَالَ: إنِّي مُسْتَشِيرُكَ في مَغَازِيَّ هذِه، قَالَ: نَعَمْ، مَثَلُهَا ومَثَلُ مَن فِيهَا مِنَ النَّاسِ مِن عَدُوِّ المُسْلِمِينَ مَثَلُ طَائِرٍ له رَأْسٌ، وله جَنَاحَانِ، وله رِجْلَانِ، فإنْ كُسِرَ أحَدُ الجَنَاحَيْنِ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ بجَنَاحٍ والرَّأْسُ، فإنْ كُسِرَ الجَنَاحُ الآخَرُ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ والرَّأْسُ، وإنْ شُدِخَ الرَّأْسُ ذَهَبَتِ الرِّجْلَانِ والجَنَاحَانِ والرَّأْسُ؛ فَالرَّأْسُ كِسْرَى، والجَنَاحُ قَيْصَرُ، والجَنَاحُ الآخَرُ فَارِسُ، فَمُرِ المُسْلِمِينَ، فَلْيَنْفِرُوا إلى كِسْرَى.

قَالَ: فَنَدَبَنَا عُمَرُ، واسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بنَ مُقَرِّنٍ، حتَّى إذَا كُنَّا بأَرْضِ العَدُوِّ، وخَرَجَ عَلَيْنَا عَامِلُ كِسْرَى في أرْبَعِينَ ألْفًا، فَقَامَ تَرْجُمَانٌ، فَقَالَ: لِيُكَلِّمْنِي رَجُلٌ مِنكُمْ.

فَقَالَ المُغِيرَةُ: سَلْ عَمَّا شِئْتَ، قَالَ: ما أنتُمْ؟ قَالَ: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ العَرَبِ كُنَّا في شَقَاءٍ شَدِيدٍ وبَلَاءٍ شَدِيدٍ، نَمَصُّ الجِلْدَ والنَّوَى مِنَ الجُوعِ، ونَلْبَسُ الوَبَرَ والشَّعَرَ، ونَعْبُدُ الشَّجَرَ والحَجَرَ، فَبيْنَا نَحْنُ كَذلكَ إذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ ورَبُّ الأرَضِينَ -تَعَالَى ذِكْرُهُ وجَلَّتْ عَظَمَتُهُ- إلَيْنَا نَبِيًّا مِن أنْفُسِنَا نَعْرِفُ أبَاهُ وأُمَّهُ، فأمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسولُ رَبِّنَا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ نُقَاتِلَكُمْ حتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، أوْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن رِسَالَةِ رَبِّنَا: أنَّه مَن قُتِلَ مِنَّا صَارَ إلى الجَنَّةِ في نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ، ومَن بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ.

فَقَالَ النُّعْمَانُ: رُبَّما أشْهَدَكَ اللَّهُ مِثْلَهَا مع النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمْ يُنَدِّمْكَ، ولَمْ يُخْزِكَ، ولَكِنِّي شَهِدْتُ القِتَالَ مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ كانَ إذَا لَمْ يُقَاتِلْ في أوَّلِ النَّهَارِ، انْتَظَرَ حتَّى تَهُبَّ الأرْوَاحُ، وتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ.

الراوي : المغيرة بن شعبة والنعمان بن مقرن المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3159 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] في هذا الحَديثِ يَروي التابِعيُّ جُبَيرُ بنُ حَيَّةَ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه -وهو في خِلافَتِه- بَعَثَ المُحارِبينَ في «أفْناءِ»، أي: نَواحي الأمصارِ، والمِصرُ: المَدينةُ العَظيمةُ، والمُرادُ أنَّه رَضيَ اللهُ عنه كان يُرسِلُهم في مُختَلِفِ البِلادِ والقُرى يُقاتِلونَ المُشرِكينَ، فأسْلَمَ الهُرْمُزانُ طائِعًا، وهو أحَدُ عُظَماءِ الفُرسِ، واسمُه رُسْتُمُ، بعْدَ مَوقِعةِ القادِسيَّةِ التي وَقَعتْ سَنةَ أربَعَ عَشْرةَ مِنَ الهِجرةِ، وصارَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه يُقَرِّبُه ويَستَشيرُه، وذلك بعْدَ هَزيمةِ الفُرسِ، ودُخولِ المُسلِمينَ المَدائِنَ، فقال له: إنِّي مُستَشيرُكَ في مَغازيَّ هَذِه، جمْعُ غَزوةٍ، ويَقصِدُ بها غَزوَ فارِسَ وأصْبَهانَ وأذْرَبيجانَ؛ لِأنَّ الهُرْمُزانَ كانَ أعلَمَ بشَأْنِها مِن غَيرِه.

فأجابَه الهُرْمُزانُ: نَعَمْ.

فوافَقَ أنْ يُسديَ لِعُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه النَّصيحةَ، فضَرَبَ لِهذه الأرضِ المرادِ غَزْوِها مَثَلًا؛ فقال: مَثَلُها ومَثَلُ مَن فيها مِنَ النَّاسِ مِن أعداءِ المُسلِمينَ، مَثَلُ طائِرٍ له رَأْسٌ، وله جَناحانِ، وله رِجْلانِ، فإنْ كُسِرَ أحَدُ الجَناحَيْن نَهَضتِ الرِّجْلانِ بجَناحٍ والرَّأْسُ، فإنْ كُسِرَ الجَناحُ الآخَرُ نَهَضتِ الرِّجْلانِ والرَّأْسُ، وإنْ «شُدِخَ»، أي: كُسِرَ الرَّأْسُ، ذَهَبتِ الرِّجْلانِ والجَناحانِ والرَّأْسُ، فذَهَبَ جَميعُ الجَسَدِ، فإذا فاتَ الرَّأْسُ فاتَ الكُلُّ، فالرَّأْسُ كِسْرَى، والجَناحُ قَيْصَرُ صاحِبُ الرُّومِ، والجَناحُ الآخَرُ فارِسُ.

ثمَّ أشارَ الهُرمُزانُ على عُمَرَ أنْ يأمُرَ المُسلِمينَ لِيَخرُجوا إلى الغَزوِ، وأنْ يَبدؤُوا بغَزوِ كِسْرى؛ فإنَّه الرَّأْسُ، وبقَطْعِها يَقَعُ الجَناحانِ.

فلَمَّا كانت سَنةُ عِشرينَ مِنَ الهِجرةِ أخرَجَ عُمَرُ المُجاهِدينَ إلى الغَزوِ، وجَعَلَ أميرَهمُ النُّعْمانَ بنَ مُقَرِّنٍ رَضيَ اللهُ عنه، فسار الجيشُ، حتَّى إذا كانوا بأرضِ العَدُوِّ -وهي نَهاوَنْدُ- وهي الآنَ مَدينةٌ إيرانيَّةٌ تَقَعُ في مِنطَقةٍ جَبَليَّةٍ إلى الجَنوبِ مِن جِبالِ «زاجروس»، خَرَجَ عليهم عامِلُ كِسْرى -واسْمُه بُنْدارُ- في أربَعينَ ألْفًا مِن أهْلِ جَبَلِ فارِسَ وكَرْمانَ، وهي الآنَ مَدينةٌ إيرانيَّةٌ تَقَعُ وَسَطَ البِلادِ، ومِن غَيرِهما -كنَهاوَنْدَ وأصْبَهانَ- خَرَجَ مِئةُ ألْفٍ وعَشَرةُ آلافٍ، وأصْبَهانُ الآنَ هي إحدى مُدُنِ إيرانَ ومَرکَزُ مُحافَظةِ أصفهانَ على بُعدِ (340 كم) جَنوبَ طَهرانَ، فقامَ «تَرْجُمانٌ» -وهو ناقِلُ الكَلامِ مِن لُغةٍ إلى لُغةٍ أُخرى- فقال: لِيُكَلِّمْني رَجُلٌ منكم، فقالَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ رَضيَ اللهُ عنه: سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فسَألَه: «ما أنتم؟» بصِيغةِ مَن لا يَعقِلُ؛ احتِقارًا، فأجابَه المُغيرةُ رَضيَ اللهُ عنه: نَحنُ أُناسٌ مِنَ العَرَبِ، كُنَّا في شَقاءٍ شَديدٍ وَبَلاءٍ شَديدٍ، نَمَصُّ الجِلدَ، والمُرادُ جُلودُ الماشيةِ، وهو كِنايةٌ عن قِلَّةِ الطَّعامِ، والنَّوَى مِنَ الجُوعِ، ونَلبَسُ الوَبَرَ -وهو الصُّوفُ- والشَّعَرَ، وهذا كِنايةٌ عن قِلَّةِ الثِّيابِ، ونَعبُدُ الشَّجَرَ والحَجَرَ، وهذا كِنايةٌ عن شِدَّةِ الجَهلِ، وظَلُّوا على تلك الحالِ حتَّى بَعَثَ رَبُّ السَّمواتِ والأرَضينَ -تَعالى ذِكْرُه، وجَلَّتْ عَظَمَتُه- إلينا نَبيًّا مِن أنفُسِنا، نَعرِفُ أباه وأُمَّه، أي: أنَّهم يَعرِفونَ نَسَبَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أرادَ بذلك تَعظيمَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتَنزيهَه عن أنْ يَكونَ جاءَ مِن سِفاحٍ، فأمَرَنا نَبيُّنا رَسولُ رَبِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ نُقاتِلَكم حتَّى تَعبُدوا اللهَ وَحدَه، أو تُؤَدُّوا الجِزيةَ، وكانوا مَجوسًا يَعبُدونَ النَّارَ.

وأخبَرَنا نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَن رِسالةِ رَبِّنا: أنَّه مَن قُتِلَ مِنَّا في الجِهادِ، صارَ إلى الجَنَّةِ في نَعيمٍ، لَم يُرَ جَنَّةٌ مِثلُها قَطُّ، وَمَن بَقيَ مِنَّا فلم يُستَشهَدْ، حازَ النَّصرَ، ومَلَكَ رِقابَكم بالأسْرِ.

وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ المُسلِمَ يُقاتِلُ حتَّى النَّصرِ أوِ الشَّهادةِ.

وعِندَما أخَّرَ النُّعْمانُ رَضيَ اللهُ عنه القِتالَ، وكانَ المُغيرةُ رَضيَ اللهُ عنه يُريدُ القِتالَ بعْدَ كَلامِه مع التَّرجُمانِ مُباشَرةً، قال النُّعْمانُ لِلمُغيرةِ: رُبَّما أشهَدَكَ اللهُ -أي: أحضَرَكَ اللهُ مِثلَها- أي: مِثلَ هذه الشِّدَّةِ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلم يُنَدِّمْكَ على التَّأنِّي والصَّبرِ فيما لَقيتَ معه مِنَ الشِّدَّةِ.

ولم يُذِلَّكَ وَيُهِنْكَ، ولَكِنِّي شَهِدتُ القِتالَ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزَواتِه التي خَرَجَ لها، فكانَ إذا لم يُقاتِلْ في أوَّلِ النَّهارِ عِندَ شُروقِ الشَّمسِ، انتَظَرَ حتَّى تَهُبَّ الأرْواحُ، جَمعُ رِيحٍ، وتَحضُرَ الصَّلَواتُ بعْدَ زَوالِ الشَّمسِ، يُريدُ ذَهابَ شِدَّةِ الحَرِّ، وذلك مِن بابِ الرِّفْقِ بالجَيشِ والجُنودِ؛ حتى يَكونوا أكثَرَ قُدرَةً على الحَربِ في الجَوِّ المُعتَدِلِ.

وعِندَ أبي داودَ: «ويَنزِلَ النَّصرُ» فيَكونَ ذلك مِن أسبابِ النَّصرِ التي وَعَدَ اللهُ به عِبادَه.

وفي الحَديثِ: أخْذُ الجِزيةِ مِنَ المَجوسِ.

وفيه: مَنقَبةُ النُّعْمانِ بنِ مُقَرِّنٍ رَضيَ اللهُ عنه.

وفيه: مَعرِفةُ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ بالحَربِ، وقُوَّةُ نَفْسِه، وشَهامَتُه وفَصاحَتُه وبَلاغَتُه.

وفيه: فَضلُ المَشورةِ، وأنَّ الكَبيرَ لا نَقْصَ عليه في مُشاوَرةِ مَن هو دُونَه.

وفيه: ضَربُ المَثلِ؛ لِتَوضيحِ مَقصودِ الكَلامِ.

وفيه: الأخْذُ بأسبابِ النَّصرِ عِندَ القِتالِ ومُواجَهةِ العَدُوِّ.

الأصول والأحكام

المستدرك على الصحيحين للحاكم - ط العلمية (3/ 332) :

5279 - حدثنا علي بن حمشاذ العدل، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة، ثنا أبو عمران الجوني، عن علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاور الهرمزان في أصبهان وفارس وأذربيجان، فقال: يا أمير المؤمنين، ‌أصبهان ‌الرأس، ‌وفارس ‌وأذربيجان الجناحان، فإذا قطعت إحدى الجناحين، فالرأس بالجناح، وإن قطعت الرأس، وقع الجناحان، فابدأ بأصبهان، فدخل عمر بن الخطاب المسجد، فإذا هو بالنعمان بن مقرن يصلي، فانتظره حتى قضى صلاته، فقال له: إني مستعملك، فقال: أما جابيا فلا، وأما غازيا فنعم؟ قال: فإنك غاز، فسرحه، وبعث إلى أهل الكوفة، أن يمدوه ويلحقوا به وفيهم حذيفة بن اليمان، والمغيرة بن شعبة، والزبير بن العوام، والأشعث بن قيس، وعمرو بن معدي كرب، وعبد الله بن عمرو، فأتاهم ‌النعمان وبينه وبينهم نهر، فبعث إليهم المغيرة بن شعبة رسولا، وملكهم ذو الحاجبين فاستشار أصحابه، فقال: ما ترون أقعد لهم في هيئة الحرب أو في هيئة الملك وبهجته؟ فجلس في هيئة الملك وبهجته على سريره، ووضع التاج على رأسه وحوله سماطين عليهم ثياب الديباج، والقرط، والأسورة، فجاء المغيرة بن شعبة، فأخذ بضبعيه وبيده الرمح والترس، والناس حوله سماطين على بساط له، فجعل يطعنه برمحه، فخرقه لكي يتطيروا، فقال له ذو الحاجبين: إنكم يا معشر العرب أصابكم جوع شديد وجهد فخرجتم، فإن شئتم مرناكم ورجعتم إلى بلادكم، فتكلم المغيرة فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إنا كنا معشر العرب نأكل الجيفة والميتة، وكان الناس يطئوننا، ولا نطأهم، فابتعث الله منا رسولا في شرف منا أوسطنا وأصدقنا حديثا، وإنه قد وعدنا أن ها هنا ستفتح علينا وقد وجدنا جميع ما وعدنا حقا، وإني لأرى ها هنا بزة وهيئة ما أرى من معي بذاهبين حتى يأخذوه، فقال المغيرة: فقالت لي نفسي: لو جمعت جراميزك فوثبت وثبة، فجلست معه على السرير إذ وجدت غفلة فزجروني وجعلوا يحثونه فقلت: أرأيتم إن كنت أنا استحمقت، فإن هذا لا يفعل بالرسل، وإنا لا نفعل هذا برسلكم إذا أتونا، فقال: إن شئتم قطعتم إلينا، وإن شئتم قطعنا إليكم، فقلت: بل نقطع إليكم فقطعنا إليهم، وصاففناهم فتسلسلوا كل سبعة في سلسلة، وخمسة في سلسلة حتى لا يفروا، قال: فرامونا حتى أسرعوا فينا، فقال المغيرة للنعمان: إن القوم قد أسرعوا فينا فاحمل، فقال: إنك ذو مناقب، وقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني أنا شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح وينزل النصر، فقال ‌النعمان: يا أيها الناس، اهتز ثلاث هزات، فأما الهزة الأولى: فليقض الرجل حاجته، وأما الثانية: فلينظر الرجل في سلاحه وسيفه، وأما الثالثة: فإني حامل فاحملوا، فإن قتل أحد، فلا يلوي أحد على أحد، وإن قتلت فلا تلووا علي، وإني داع الله بدعوة فعزمت على كل امرئ منكم لما أمن عليها، فقال: اللهم ارزق اليوم ‌النعمان شهادة تنصر المسلمين، وافتح عليهم، فأمن القوم وهز لواءه ثلاث مرات، ثم حمل فكان أول صريع رضي الله عنه، فذكرت وصيته فلم ألو عليه، وأعلمت مكانه فكنا إذا قتلنا رجلا منهم شغل عنا أصحابه يجرونه ووقع ذو الحاجبين من بغلته الشهباء، فانشق بطنه، وفتح الله على المسلمين، فأتيت ‌النعمان وبه رمق فأتيته بماء فجعلت أصبه على وجهه أغسل التراب عن وجهه، فقال: من هذا؟ فقلت: معقل بن يسار، فقال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح الله عليهم، فقال: الحمد لله اكتبوا بذلك إلى عمر وفاضت نفسه، فاجتمع الناس إلى الأشعث بن قيس، فقال: فأتينا أم ولده فقلنا: هل عهد إليك عهدا؟ قالت: لا، إلا سفيط له فيه كتاب، فقرأته: فإذا فيه إن قتل فلان ففلان، وإن قتل فلان ففلان، قال حماد: فحدثني علي بن زيد، ثنا أبو عثمان النهدي، أنه أتى عمر رضي الله عنه، فقال: ما فعل ‌النعمان بن مقرن؟ فقال: قتل، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: ما فعل فلان؟ قلت: قتل يا أمير المؤمنين، وآخرين لا نعلمهم، قال: قلت: لا نعلمهم لكن الله يعلمهم.

مصنف ابن أبي شيبة (19/ 42 ت الشثري) :

36056 - حدثنا عفان قال: ثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا أبو عمران الجوني عن علقمة بن عبد الله المزني عن معقل بن يسار أن عمر بن الخطاب شاور الهرمزان في فارس وأصبهان وأذربيجان فقال: ‌أصبهان ‌الرأس، ‌وفارس ‌وأذربيجان الجناحان، [فإن قطعت أحد الجناحين مال الرأس بالجناح الآخر، وإن قطعت الرأس وقع الجناحان]، فابدأ بالرأس، فدخل المسجد فإذا هو بالنعمان بن مقرن يصلي، فقعد إلى جنبه، فلما قضى صلاته قال: ما أراني إلا مستعملك، قال: أما جابيا فلا، ولكن غازيا، قال: فإنك غاز، فوجهه وكتب إلى أهل الكوفة أن يمدوه، قال: ومعه الزبير بن العوام وعمرو بن معدي كرب وحذيفة وابن عمر والأشعث بن

قيس، قال: فأرسل ‌النعمان المغيرة بن شعبة إلى ملكهم وهو يقال: له (ذو الجناحين)، فقطع إليهم (نهرهم) فقيل لذي الجناحين: إن رسول العرب هاهنا، فشاور أصحابه فقال: ما ترون؟ (أقعد له في) بهجة الملك وهيئة الملك أو في هيئة الحرب؟ قالوا: لا، (بل) أقعد له في بهجة الملك، فقعد على سريره ووضع التاج على رأسه، وقعد أبناء الملوك سماطين، عليهم القرطة و (أساور) الذهب والديباج، قال: فأذن للمغيرة فأخذ بضبعة رجلان، ومعه رمحه وسيفه، قال: فجعل يطعن برمحه في بسطهم يخرقها ليتطيروا حتى قام بين يديه، قال: فجعل يكلمه والترجمان يترجم بينهما: إنكم معشر العرب أصابكم جوع وجهد فجئتم، فإن شئتم (مرناكم) ورجعتم، قال: فتكلم المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنى عليه (ثم قال): إنا معشر العرب كنا أذلة يطؤنا (الناس) ولا نطأهم، ونأكل الكلاب والجيفة وإن الله ابتعث منا نبيا في شرف منا، أوسطنا حسبا وأصدقنا حديثا،

قال: فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بما بعثه به، فأخبرنا بأشياء وجدناها كما قال، وأنه وعدنا فيما وعدنا أنا سنملك ما هاهنا ونغلب (عليه)، وأني أرى هاهنا بزة وهيئة ما من خلفي بتاركها حتى يصيبها، قال: فقالت لي نفسي: لو جمعت (جراميزك) (فوثبت) فقعدت مع العلج على سريره حتى يتطير، قال: فوثبت وثبة، فإذا أنا معه على سريره، فجعلوا يطؤوني بأرجلهم و (يجروني) بأيديهم فقلت: إنا لا نفعل هذا برسلكم، فإن كنت عجزت (أو) استحمقت فلا تؤاخذوني، فإن الرسل لا يفعل بهم هذا، فقال الملك: إن شئتم قطعنا إليكم وإن شئتم قطعتم إلينا، فقلت: (لا بل) نحن نقطع إليكم، قال: فقطعنا إليهم (فتسلسلوا) كل خمسة وسبعة وستة وعشرة في سلسلة حتى لا يفروا، فعبرنا إليهم فصاففناهم فرشقونا حتى أسرعوا فينا، فقال المغيرة للنعمان: إنه قد أسرع في الناس قد خرجوا، قد أسرع فيهم، فلو حملت؟ قال ‌النعمان: إنك لذو مناقب وقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، (ولكن) شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا لم يقاتل أول النهار ينتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح و (ينزل) النصر؛ ثم قال: إني هاز لوائي ثلاث هزات، فأما أول هزة فليقض الرجل حاجته وليتوضأ، وأما الثانية

(فلينظر) الرجل إلى (شسعه) ورم من سلاحه، فإذا هززت الثالثة فاحملوا، ولا يلوين أحد على أحد، وإن قتل ‌النعمان فلا يلوين عليه أحد، وإني داع الله بدعوة فأقسمت على كل امرئ مسلم لما أمن عليها، فقال: اللهم ارزق ‌النعمان اليوم الشهادة في نصر وفتح عليهم، قال: فأمن القوم (فهز) ثلاث هزات ثم قال: سل درعه ثم حمل وحمل الناس، قال: وكان أول صريع، قال (معقل): فأتيت عليه فذكرت عزمته فلم ألو عليه وأعلمت علما حتى أعرف مكانه، قال: فجعلنا إذا قتلنا الرجل شغل عنا أصحابه (به) قال: ووقع ذو الجناحين عن بغلة له شهباء فانشق بطنه، ففتح الله على المسلمين، فأتيت مكان ‌النعمان وبه رمق، فأتيته بإداوة فغسلت عن وجهه فقال: من هذا؟ (فقلت): معقل بن يسار، (قال): ما فعل الناس؟ قلت: فتح الله عليهم، قال: لله الحمد، اكتبوا (بذلك) إلى عمر، وفاضت نفسه، واجتمع الناس إلى الأشعث بن قيس، قال: فأرسلوا إلى أم ولده: هل عهد إليك ‌النعمان عهدا، أم عندك كتاب؟ قالت: (سفط) فيه

كتاب، فأخرجوه فإذا فيه: إن قتل ‌النعمان ففلان، وإن قتل فلان ففلان

سنن أبي داود (3/ 49) :

2655 - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا أبو عمران الجوني، عن علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار، أن النعمان يعني ابن مقرن ، قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر

سنن الترمذي (4/ 160 ت شاكر) :

1613 - حدثنا الحسن بن علي الخلال قال: حدثنا عفان بن مسلم، والحجاج بن منهال، قالا: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو عمران الجوني، عن علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار ، أن عمر بن الخطاب بعث النعمان بن مقرن إلى الهرمزان - فذكر الحديث بطوله -، فقال النعمان بن مقرن: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر: هذا حديث حسن صحيح.

وعلقمة بن عبد الله هو أخو بكر بن عبد الله المزني

أحاديث ذات صلة