- لَمْ أتَخَلَّفْ عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ ، غيرَ أنِّي تَخَلَّفْتُ عن غَزْوَةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعَاتَبْ أحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا، إنَّما خَرَجَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حتَّى جَمع اللَّهُ بيْنَهُمْ وبيْنَ عَدُوِّهِمْ علَى غيرِ مِيعَادٍ.
أخرجه مسلم (2769)، وأحمد (15789)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (5/ 273) بلفظه مطولًا.
أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ -وكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِن بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عن قِصَّةِ تَبُوكَ، قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غيرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعَاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إنَّما خَرَجَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حتَّى جَمَعَ اللَّهُ بيْنَهُمْ وبيْنَ عَدُوِّهِمْ علَى غيرِ مِيعَادٍ، ولقَدْ شَهِدْتُ مع رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا علَى الإسْلَامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كَانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ في النَّاسِ منها، كانَ مِن خَبَرِي: أنِّي لَمْ أكُنْ قَطُّ أقْوَى ولَا أيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عنْه في تِلكَ الغَزَاةِ، واللَّهِ ما اجْتَمعتْ عِندِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ، حتَّى جَمَعْتُهُما في تِلكَ الغَزْوَةِ، ولَمْ يَكُنْ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُرِيدُ غَزْوَةً إلَّا وَرَّى بغَيْرِهَا، حتَّى كَانَتْ تِلكَ الغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حَرٍّ شَدِيدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا ومَفَازًا وعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهُمْ؛ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فأخْبَرَهُمْ بوَجْهِهِ الذي يُرِيدُ، والمُسْلِمُونَ مع رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَثِيرٌ، ولَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ الدِّيوَانَ- قَالَ كَعْبٌ: فَما رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلَّا ظَنَّ أنْ سَيَخْفَى له، ما لَمْ يَنْزِلْ فيه وَحْيُ اللَّهِ، وغَزَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تِلكَ الغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ والظِّلَالُ، وتَجَهَّزَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُسْلِمُونَ معهُ، فَطَفِقْتُ أغْدُو لِكَيْ أتَجَهَّزَ معهُمْ، فأرْجِعُ ولَمْ أقْضِ شيئًا، فأقُولُ في نَفْسِي: أنَا قَادِرٌ عليه، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بي حتَّى اشْتَدَّ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصْبَحَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُسْلِمُونَ معهُ، ولَمْ أقْضِ مِن جَهَازِي شيئًا، فَقُلتُ: أتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بيَومٍ أوْ يَومَيْنِ، ثُمَّ ألْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أنْ فَصَلُوا لِأتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ شيئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ شيئًا، فَلَمْ يَزَلْ بي حتَّى أسْرَعُوا وتَفَارَطَ الغَزْوُ، وهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، ولَيْتَنِي فَعَلْتُ! فَلَمْ يُقَدَّرْ لي ذلكَ، فَكُنْتُ إذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَطُفْتُ فيهم، أحْزَنَنِي أنِّي لا أرَى إلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عليه النِّفَاقُ، أوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، ولَمْ يَذْكُرْنِي رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وهو جَالِسٌ في القَوْمِ بتَبُوكَ: ما فَعَلَ كَعْبٌ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ ونَظَرُهُ في عِطْفِهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ: بئْسَ ما قُلْتَ، واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ ما عَلِمْنَا عليه إلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّه تَوَجَّهَ قَافِلًا، حَضَرَنِي هَمِّي، وطَفِقْتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وأَقُولُ: بمَاذَا أخْرُجُ مِن سَخَطِهِ غَدًا؟! واسْتَعَنْتُ علَى ذلكَ بكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِن أهْلِي، فَلَمَّا قيلَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ أظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ، وعَرَفْتُ أنِّي لَنْ أخْرُجَ منه أبَدًا بشَيءٍ فيه كَذِبٌ، فأجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وأَصْبَحَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَادِمًا، وكانَ إذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ، بَدَأَ بالمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فيه رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلكَ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَحْلِفُونَ له، وكَانُوا بِضْعَةً وثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ منهمْ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَلَانِيَتَهُمْ، وبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لهمْ، ووَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إلى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ، فَجِئْتُ أمْشِي حتَّى جَلَسْتُ بيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: ما خَلَّفَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ فَقُلتُ: بَلَى، إنِّي واللَّهِ لو جَلَسْتُ عِنْدَ غيرِكَ مِن أهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أنْ سَأَخْرُجُ مِن سَخَطِهِ بعُذْرٍ، ولقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي واللَّهِ، لقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليومَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى به عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إنِّي لَأَرْجُو فيه عَفْوَ اللَّهِ، لا واللَّهِ، ما كانَ لي مِن عُذْرٍ، واللَّهِ ما كُنْتُ قَطُّ أقْوَى، ولَا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَّا هذا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ.
فَقُمْتُ، وثَارَ رِجَالٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي، فَقالوا لِي: واللَّهِ ما عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هذا، ولقَدْ عَجَزْتَ أنْ لا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما اعْتَذَرَ إلَيْهِ المُتَخَلِّفُونَ، قدْ كانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَكَ، فَوَاللَّهِ ما زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حتَّى أرَدْتُ أنْ أرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلتُ لهمْ: هلْ لَقِيَ هذا مَعِي أحَدٌ؟ قالوا: نَعَمْ، رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ ما قُلْتَ، فقِيلَ لهما مِثْلُ ما قيلَ لَكَ، فَقُلتُ: مَن هُمَا؟ قالوا: مُرَارَةُ بنُ الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ، وهِلَالُ بنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ، فَذَكَرُوا لي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِما أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي، ونَهَى رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المُسْلِمِينَ عن كَلَامِنَا أيُّها الثَّلَاثَةُ مِن بَيْنِ مَن تَخَلَّفَ عنْه، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وتَغَيَّرُوا لَنَا حتَّى تَنَكَّرَتْ في نَفْسِي الأرْضُ، فَما هي الَّتي أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا علَى ذلكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فأمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وقَعَدَا في بُيُوتِهِما يَبْكِيَانِ، وأَمَّا أنَا، فَكُنْتُ أشَبَّ القَوْمِ وأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أخْرُجُ فأشْهَدُ الصَّلَاةَ مع المُسْلِمِينَ، وأَطُوفُ في الأسْوَاقِ ولَا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ، وآتي رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَأُسَلِّمُ عليه وهو في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فأقُولُ في نَفْسِي: هلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ برَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا منه، فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أقْبَلْتُ علَى صَلَاتي أقْبَلَ إلَيَّ، وإذَا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي، حتَّى إذَا طَالَ عَلَيَّ ذلكَ مِن جَفْوَةِ النَّاسِ، مَشَيتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أبِي قَتَادَةَ، وهو ابنُ عَمِّي وأَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عليه، فَوَاللَّهِ ما رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلتُ: يا أبَا قَتَادَةَ، أنْشُدُكَ باللَّهِ، هلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ له فَنَشَدْتُهُ، فَسَكَتَ، فَعُدْتُ له فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وتَوَلَّيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ، قَالَ: فَبيْنَا أنَا أمْشِي بسُوقِ المَدِينَةِ، إذَا نَبَطِيٌّ مِن أنْبَاطِ أهْلِ الشَّأْمِ، مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بالمَدِينَةِ، يقولُ: مَن يَدُلُّ علَى كَعْبِ بنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ له، حتَّى إذَا جَاءَنِي دَفَعَ إلَيَّ كِتَابًا مِن مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أمَّا بَعْدُ؛ فإنَّه قدْ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ قدْ جَفَاكَ، ولَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بدَارِ هَوَانٍ ولَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بنَا نُوَاسِكَ، فَقُلتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وهذا أيضًا مِنَ البَلَاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بهَا، حتَّى إذَا مَضَتْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ، إذَا رَسولُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَأْتِينِي، فَقَالَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَأْمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلتُ: أُطَلِّقُهَا أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا ولَا تَقْرَبْهَا، وأَرْسَلَ إلى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذلكَ، فَقُلتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بأَهْلِكِ، فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ في هذا الأمْرِ، قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ: إنَّ هِلَالَ بنَ أُمَيَّةَ شيخٌ ضَائِعٌ، ليسَ له خَادِمٌ، فَهلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قَالَ: لَا، ولَكِنْ لا يَقْرَبْكِ.
قَالَتْ: إنَّه واللَّهِ ما به حَرَكَةٌ إلى شَيءٍ، واللَّهِ ما زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ إلى يَومِهِ هذا، فَقَالَ لي بَعْضُ أهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في امْرَأَتِكَ كما أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ أنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلتُ: واللَّهِ لا أسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وما يُدْرِينِي ما يقولُ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذلكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن حِينَ نَهَى رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن كَلَامِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وأَنَا علَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِنَا، فَبيْنَا أنَا جَالِسٌ علَى الحَالِ الَّتي ذَكَرَ اللَّهُ؛ قدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بما رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أوْفَى علَى جَبَلِ سَلْعٍ بأَعْلَى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بنَ مَالِكٍ، أبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وعَرَفْتُ أنْ قدْ جَاءَ فَرَجٌ، وآذَنَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، ورَكَضَ إلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وسَعَى سَاعٍ مِن أسْلَمَ، فأوْفَى علَى الجَبَلِ، وكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الذي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إيَّاهُمَا ببُشْرَاهُ، واللَّهِ ما أمْلِكُ غَيْرَهُما يَومَئذٍ، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وانْطَلَقْتُ إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بالتَّوْبَةِ، يَقولونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبٌ: حتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حتَّى صَافَحَنِي وهَنَّانِي، واللَّهِ ما قَامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، ولَا أنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ علَى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: أبْشِرْ بخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: قُلتُ: أمِنْ عِندِكَ يا رَسولَ اللَّهِ أمْ مِن عِندِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِن عِندِ اللَّهِ.
وكانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حتَّى كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وكُنَّا نَعْرِفُ ذلكَ منه، فَلَمَّا جَلَسْتُ بيْنَ يَدَيْهِ قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ مِن تَوْبَتي أنْ أنْخَلِعَ مِن مَالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ وإلَى رَسولِ اللَّهِ، قَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ؛ فَهو خَيْرٌ لَكَ.
قُلتُ: فإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذي بخَيْبَرَ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ إنَّما نَجَّانِي بالصِّدْقِ، وإنَّ مِن تَوْبَتي أنْ لا أُحَدِّثَ إلَّا صِدْقًا ما بَقِيتُ.
فَوَاللَّهِ ما أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبْلَاهُ اللَّهُ في صِدْقِ الحَديثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلكَ لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أحْسَنَ ممَّا أبْلَانِي؛ ما تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلكَ لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى يَومِي هذا كَذِبًا، وإنِّي لَأَرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيما بَقِيتُ، وأَنْزَلَ اللَّهُ علَى رَسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} إلى قَوْلِهِ: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 117 - 119] ، فَوَاللَّهِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِن نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، أعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِي لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أنْ لا أكُونَ كَذَبْتُهُ، فأهْلِكَ كما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا؛ فإنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا -حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ- شَرَّ ما قَالَ لأحَدٍ، فَقَالَ تَبَارَكَ وتَعَالَى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ} إلى قَوْلِهِ: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96] .
قَالَ كَعْبٌ: وكُنَّا تَخَلَّفْنَا أيُّها الثَّلَاثَةُ عن أمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ منهمْ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ حَلَفُوا له، فَبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لهمْ، وأَرْجَأَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمْرَنَا حتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذلكَ قَالَ اللَّهُ: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 118] ، وليسَ الذي ذَكَرَ اللَّهُ ممَّا خُلِّفْنَا عَنِ الغَزْوِ؛ إنَّما هو تَخْلِيفُهُ إيَّانَا، وإرْجَاؤُهُ أمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ له واعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَبِلَ منه.
الراوي : كعب بن مالك المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4418 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2769)، وأحمد (15789) باختلاف يسير، والنسائي في ((الكبرى)) (11168) بنحوه.
أمَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ بالصِّدقِ، وجعَلَ النَّجاةَ في الدُّنْيا والآخِرةِ مَنوطةً به، حتَّى وإنْ بَدا في ظاهِرِ الأمْرِ أنَّ فيه الهَلاكَ لصاحِبِه، وحرَّمَ الكَذِبَ، وجعَلَه طَريقَ الخُسرانِ والبَوارِ في الدُّنْيا والآخِرةِ، حتَّى وإنْ بَدا في ظاهِرِ الأمْرِ أنَّ فيه النَّجاةَ.
وفي هذا الحَديثِ يَرْوي عَبدُ اللهِ بنُ كَعبِ، عن أبيه كَعبِ بنِ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه قصَّةَ تَخلُّفِه عن غَزْوةِ تَبوكَ، وكان كَعبُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه قدْ كُفَّ بَصَرُه في آخِرِ حَياتِه، وكان ولَدُه عَبدُ اللهِ قائدَه، وغَزْوةُ تَبوكَ آخِرُ غَزْوةٍ خرَجَ فيها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بنفْسِه، وكانت في رجَبٍ سَنةَ تِسعٍ مِن الهِجْرةِ، وكانت معَ الرُّومِ، وتَبوكُ في أقْصى شَمالِ الجَزيرةِ العَربيَّةِ، وتقَعُ في شَمالِ المَدينةِ على بُعدِ 700 كم.
ويَحْكي كَعبُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لم يكُنْ مِن عادَتِه التَّخلُّفُ عنِ الجِهادِ؛ فهو رَضيَ اللهُ عنه قدْ حضَرَ جَميعَ غَزَواتِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولم يتغَيَّبْ عن غَزْوةٍ منها عَدا غَزْوةِ بَدرٍ، وكانت في السَّنةِ الثَّانيةِ مِن الهِجْرةِ، بيْنَ المُسلِمينَ وكفَّارِ قُرَيشٍ، وقد نصَرَ اللهُ نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصْحابَه، ولمْ يُعاتبِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحدًا تَخلَّفَ عن هذه الغَزْوةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عندَما خرَجَ مِن المَدينةِ لم يَخرُجْ لقِتالٍ، وإنَّما خرَجَ ليتَصَدَّى لقافِلةِ قُرَيشٍ التِّجاريَّةِ، ويَستَوْلي عليها لمَصْلَحةِ المُسلِمينَ، فأراد رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ العيرَ، واخْتارَ اللهُ له النَّفيرَ، فكان القِتالُ.
ثمَّ ذكَرَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه إذا كان قدْ غاب عن غَزْوةِ بَدرٍ، فإنَّ اللهَ قد عَوَّضَه عنها بحُضورِ بَيْعةِ العَقَبةِ الثَّانيةِ؛ وذلك لأنَّ هذه البَيْعةَ كانت في أوَّلِ الإسْلامِ، ومنها فَشا الإسْلامُ، وتَأكَّدَت أسْبابُه وأساسُه، وكان يَعتَزُّ بها كَثيرًا ويقولُ: وإنْ كانت غَزْوةُ بَدرٍ أكثَرَ شُهْرةً وذِكرًا في النَّاسِ مِن بَيْعةِ العَقَبةِ، وكانت البيعةُ قبْلَ الهِجْرةِ بثَلاثةِ أشهُرٍ تَقْريبًا، وكان ذلك عندَ جَمْرةِ العَقَبةِ بمِنًى، وهي الَّتي بايَعَ الأنْصارُ فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على الإسْلامِ، وأنْ يُؤْووهُ ويَنصُروه.
ويُخبِرُ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه عندَما دَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لغَزْوةِ تَبوكَ، لم يكُنْ عندَه عُذرٌ ألبَتَّةَ في أنْ يَتخَلَّفَ عنِ الخُروجِ معَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فقدْ جمَعَ بيْن القوَّةِ في البَدنِ، والسَّعةِ في المالِ، ولم يَجتمِعْ عندَه دابَّتانِ مُهيَّأتانِ للسَّفرِ مِن قبْلُ إلَّا في هذه الغَزْوةِ، وقدْ أفصَحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن وِجهَتِه في هذه الغَزْوةِ، على خِلافِ عادَتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن قبْلُ في جَميعِ غَزَواتِه؛ فقدْ كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن عادَتِه: أنَّه لا يُريدُ غَزْوةً إلَّا وَرَّى بغَيرِها، أي: أوْهَمَ أنَّه يُريدُ غَيرَها، والتَّوْريةُ: أنْ تَذكُرَ لَفظًا يَحتَمِلُ مَعنَيَينِ، أحَدُهما أقرَبُ منَ الآخَرِ، فيُوهِمُ المُتحَدِّثُ إرادةَ القَريبِ، وهو في الحَقيقةِ يُريدُ البَعيدَ.
وقدْ أوضَحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأصْحابِه حَقيقةَ وِجهَتِه في هذه الغَزْوةِ؛ ليَتأهَّبوا للأمْرِ؛ إذ كانت غَزْوةُ تَبوكَ في حَرٍّ شَديدٍ، وسيَقطَعُ المُسلِمونَ خلالَها مَسافةً كبيرةً وصَحْراءَ شاسعةً لا ماءَ فيها، وكان هَدَفُها غَزْوَ الرُّومِ، وقد تَجمَّعَ الرُّومُ في أعْدادٍ كَثيرةٍ، وتَأهَّبوا للقِتالِ، فكان لا بدَّ مِن إعْلامِ النَّاسِ حتَّى يُعِدُّوا للأمْرِ عُدَّتَه، وتجَهَّزَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُسلِمونَ معَه للخُروجِ، وتَخلَّفَ كَعبُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه، ويَذكُرُ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ المُسلِمينَ كان عدَدُهم كَبيرًا -كانوا يَزيدونَ عن عَشَرةِ آلافٍ، وقيلَ: العَشَرةُ آلافٍ كانوا الفُرسانَ، أمَّا إجْماليُّ الجَيشِ فقدْ زادَ عن ثَلاثينَ ألفًا- ولا يوجَدُ كِتابٌ يَجمَعُ ويَحفَظُ أسْماءَ المُجاهِدينَ حينَئذٍ، فمَن أرادَ التَّخلُّفَ عنِ الخُروجِ ظنَّ أنَّه سيَخْفى، ولنْ يَنكشِفَ حالُه، ما لم يَنزِلْ وَحْيٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ يُخبِرُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بحالِ مَن غاب عنِ الخُروجِ؛ لكَثرةِ الجَيشِ.
ويُخبِرُ كَعبُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ هذه الغَزْوةَ كانت حينَ طابَتِ الثِّمارُ والظِّلالُ؛ فكان الباعِثُ على التَّثاقُلِ أشَدَّ وأقْوى في النُّفوسِ، فمِن ظلٍّ وثمَرٍ في المَدينةِ، إلى حرٍّ شَديدٍ، ومَكارِهِ السَّفرِ، والتَّنقُّلِ عبرَ الصَّحْراءِ.
وأعدَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عُدَّتَه للغَزْوِ، وتَجهَّزَ المُسلِمونَ معَه، وكان كَعبُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه يَخرُجُ صَباحًا ليَتجَهَّزَ معَهم، ولكنَّه كان مُتَثاقِلًا يَقْضي يومَه ويَعودُ دونَ أنْ يُنجِزَ شيئًا، ويُصبِّرُ نفْسَه بأنَّه قادرٌ على أنْ يُنجِزَ ما يُريدُ إعْدادَه مِن عَتادِ السَّفرِ وعُدَّةِ القِتالِ قبْلَ أنْ يَأذَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالخُروجِ، وما زالَ في الوَقتِ سَعةٌ، حتَّى أسْرَعَ النَّاسُ واجْتَهَدوا في السَّيرِ، وخرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُسلِمونَ معَه، ولم يَقضِ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه مِن جَهازِه شيئًا، فقال لنفْسِه: أتَجهَّزُ بعْدَ خُروجِهم في يومٍ أو يَومَينِ، وألحَقُهم في الطَّريقِ.
وخرَجَ في أوَّلِ اليومِ بعْدَ خُروجِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليَتجَهَّزَ، فعاد دونَ أنْ يَفعَلَ شيئًا، وفي اليومِ التَّالي فعَلَ مِثلَ ذلك، وظلَّ حالُه هكذا حتَّى تَفارَطَ الغَزوُ، أي: حتَّى تقدَّمَ الغُزاةُ، وتَباعَدَتِ المَسافةُ فيما بيْنَه وبيْنَهم، وفي أثْناءِ ذلك قصَدَ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه أنْ يَخرُجَ إليهم فيُدرِكَهم في الطَّريقِ، ولكنَّه لم يَفعَلْ، ولم يَشأِ اللهُ له هذا، وتَمنَّى كَعبٌ أنْ لو كان خرَجَ بالفِعلِ.
ويَحْكي كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه بعْدَ أنْ ذهَبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كان إذا خرَجَ في المَدينةِ ومَشى في النَّاسِ، يَحزَنُ؛ لأنَّه لا يَرَى مِن الرِّجالِ إلَّا مُنافقًا مَغْموصًا عليه النِّفاقُ، أي: مُتَّهمًا بالنِّفاقِ مَطْعونًا عليه في دِينِه، وقيلَ: مَعناه: مُستَحقَرًا، أو يَجِدُ رَجلًا مِن أصْحابِ الأعْذارِ الَّذين عذَرَهمُ اللهُ عزَّ وجلَّ، كالضُّعَفاءِ، والمَرْضى، والفُقَراءِ الَّذين لم يَجِدوا ما يَخرُجونَ به معَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
ولم يتَذَكَّرِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَعبًا رَضيَ اللهُ عنه، حتَّى وصَلَ تَبوكَ، وهناك سألَ عنه، فردَّ رَجلٌ مِن بَني سَلِمةَ -وهو عَبدُ اللهِ بنُ أُنَيسٍ السَّلَميُّ رَضيَ اللهُ عنه، وبَنو سَلِمةَ: قَومُ كَعبِ بنِ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه- فقال: «يا رَسولَ اللهِ، حبَسَه بُرْداه ونَظَرُه في عِطْفِه»، العِطفُ: الجانبُ، يَتَّهِمُ كَعبًا رَضيَ اللهُ عنه بأنَّ الَّذي حبَسَه إعْجابُه بنفْسِه وكِبرُه، فردَّ مُعاذُ بنُ جَبلٍ رَضيَ اللهُ عنه غِيبَتَه، ودافَعَ عنه، وأثْنى عليه، وذكَرَ أنَّهم ما عَلِموا عن كَعبٍ رَضيَ اللهُ عنه إلَّا خَيرًا، فلم يكُنْ يومًا مُتكبِّرًا، ولا مُعجَبًا بنفْسِه، ولا مُتخلِّفًا عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلا بدَّ أنَّ هناك عُذرًا منَعَه، فسكَتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولم يقُلْ شيئًا.
ويَذكُرُ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لمَّا علِمَ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في طَريقِه إلى المَدينةِ راجِعًا، تَجمَّعَ عليه الهَمُّ والحُزنُ؛ حَياءً مِن لِقاءِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعْدَ تَخلُّفِه، وأخَذَ يُعِدُّ العُذرَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا جاء، ويُهيِّئُ الكَلامَ، ويَحضُرُه الكَذِبُ فيما يُعِدُّه مِن أعْذارٍ، واسْتَعانَ في ذلك بأصْحابِ الرَّأيِ والمَشورةِ مِن أهْلِه.
فلمَّا تَأكَّدَ له أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ دَنا واقتَرَبَ قُدومُه، زالَ عنه الباطلُ، أيِ: الكَذِبُ الَّذي همَّ أنْ يَعتَذِرَ به لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأيقَنَ أنَّه لنْ يُخرِجَه مِن سَخَطِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أيُّ عُذرٍ فيه كَذِبٌ، فعَقَدَ وعَزَمَ على ألَّا يَقولَ إلَّا الصِّدقَ؛ فلن يُنْجيَه إلَّا الصِّدقُ.
وعاد رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى المَدينةِ، وقيلَ: كان قُدومُه في شَهرِ رَمضانَ، وكان مِن عادَتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا رجَعَ مِن سَفرٍ بَدأَ بالمَسجِدِ، فيُصلِّي فيه رَكعَتَينِ، ويَجلِسُ بعضَ الوَقتِ في أصْحابِه قبْلَ أنْ يَدخُلَ بَيتَه، فجاءَه المُخلَّفونَ الَّذين خلَّفَهم كَسَلُهم ونِفاقُهم عنِ الخُروجِ معَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأخَذوا يُظهِرونَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الأعْذارَ، ويَحلِفونَ أنَّهم صادِقونَ فيما اعْتَذَروا به، وكان عددُ مَن تَخلَّفَ مِن الأنصارِ بِضْعةً وثَمانينَ رَجلًا، والبِضْعُ العَددُ مِن ثَلاثٍ إلى تِسعٍ، فقبِلَ منهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عُذرَهم على ظاهِرِ قَولِهم، وترَكَ حَقيقةَ أمْرِهم وما يُضمِرونَه للهِ عزَّ وجلَّ، وقيلَ: إنَّ المُعَذِّرينَ منَ الأعْرابِ من غيرِ الأنْصارِ كانوا أيضًا اثنَينِ وثَمانينَ رَجلًا مِن غِفارَ وغَيرِها، وأنَّ عَبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ومَن أطاعَه مِن قَومِه مِن غَيرِ هؤلاء كانوا كَثيرًا.
وجاء كَعبُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فسلَّمَ عليه، فتبَسَّمَ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تبسُّمَ مَن يَظهَرُ عليه الغضَبُ، ودَعاه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فتَقدَّمَ كَعبٌ حتَّى جلَسَ بيْن يدَيْ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فسَألَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن سَببِ تَخلُّفِه عنِ الغَزوِ، وذكَرَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه كان قدِ اشْتَرى راحِلَتَه، وأعَدَّها للخُروجِ، فلماذا تَخلَّفَ؟ فلم يَكذِبْ كَعبُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه عندَما سَألَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن سَببِ تَخلُّفِه؛ بلْ أجابَه بكُلِّ صِدقٍ أنَّه لمْ يكُنْ يُوجَدُ ما يَمنَعُه مِن التَّخلُّفِ؛ أمَلًا أنْ يكونَ الصِّدقُ له مَنْجاةً مِن غضَبِ اللهِ ورَسولِه عليه.
وذكَرَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لو جلَسَ عندَ أيِّ أحَدٍ مِن أهْلِ الدُّنْيا غيرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لاسْتَطاعَ أنْ يَخرُجَ مِن غضَبِه بعُذرٍ يَقبَلُه ويُرْضِيه؛ فقدْ أُعْطيَ جَدلًا، أي: فَصاحةً وقوَّةَ كَلامٍ، بحيث يَخرُجُ مِن عُهْدةِ ما يُنسَبُ إليه ممَّا يُقبَلُ ولا يُرَدُّ، قال: ولَكنِّي واللهِ، لقدْ علِمْتُ لئنْ حدَّثتُكَ اليومَ حَديثَ كَذِبٍ تَرْضى به عنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللهُ أنْ يُسخِطَكَ علَيَّ، ولئنْ حدَّثتُكَ حَديثَ صِدقٍ تَجِدُ علَيَّ فيه -أي: تَغضَبُ علَيَّ فيه- إنِّي لَأرْجو فيه عَفوَ اللهِ، ثمَّ صارَحَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بحَقيقةِ أمْرِه، قائلًا: لا واللهِ، ما كان لي مِن عُذرٍ، واللهِ ما كُنتُ قطُّ أقْوى ولا أيسَرَ -منَ اليَسارِ، وهو الغِنى وسَعةُ العَيشِ- منِّي حينَ تَخلَّفْتُ عنكَ.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أمَّا هذا فقدْ صدَقَ، فقُمْ حتَّى يَقْضيَ اللهُ فيكَ»، أي: يَحكُمَ اللهُ في أمرِكَ وشأنِكَ.
وقام كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه مِن عندِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقام إليه رِجالٌ مِن أهلِه مِن بَني سَلِمةَ، ولَامُوه أشَدَّ اللَّومِ على ما فعَلَ، وذَكَروا له أنَّه كان يَنبَغي عليه أنْ يَعتَذِرَ لرَسولِ اللهِ بأيِّ عُذرٍ كما اعتَذَرَ المُخلَّفونَ غيرُه، وأنَّ استِغْفارَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ له كما استَغفَرَ لغَيرِه، كافٍ له في مَحْوِ خَطيئتِه وتَكفيرِ ذَنْبِه، وتَأثَّرَ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه بكَلامِهم، وهمَّ أنْ يَرجِعَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيُغيِّرَ كَلامَه الَّذي قالَه لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولكنْ عصَمَه اللهُ عزَّ وجلَّ؛ وذلك بأنْ سألَ: هلْ فعَلَ أحدٌ، وتَخلَّفَ عنِ الغَزْوةِ وصدَقَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ غَيرِي؟ قالوا: نَعَمْ، رَجُلانِ؛ هما: مُرارةُ بنُ الرَّبيعِ العَمْريُّ، وهِلالُ بنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفيُّ، رَضيَ اللهُ عنهما، قالا كما قُلتَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأجابَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بنفْسِ الجَوابِ الَّذي أجابَه لكَ.
فذكَرَ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه صَلاحَ هَذَين الرَّجُليْنِ، وأنَّهما قد شَهِدا بَدرًا، وهو بَيانٌ وتَأكيدٌ لمَدى فَضلِهما، وأنَّ فيهما قُدوةً في المُضيِّ في طَريقِ الحقِّ، وفي الثَّباتِ على الصِّدقِ.
ثمَّ نَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المُسلِمينَ عنِ التَّكلُّمِ معَ الثَّلاثةِ: كَعْبٍ، ومُرارةَ، وهِلالٍ رَضيَ اللهُ عنهم، فاجتَنَبَهم جَميعُ النَّاسِ، ولم يُكلِّمْهم أحدٌ، فاعتَزَلَ مُرارةُ وهِلالٌ رَضيَ اللهُ عنهما يَبْكيانِ في دارِهما، وأمَّا كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه، فكان أقْوى مِن الرَّجُليْنِ، وأكثَرَ منهما صَبْرًا وجَلَدًا، فكان يَمْشي بيْن النَّاسِ ويَشهَدُ صَلاةَ الجَماعةِ، ويَطوفُ في الأسْواقِ دونَ أنْ يَتكلَّمَ معَه أحدٌ، ويُخبِرُ أنَّه تَغيَّرَ عليه كلُّ شَيءٍ، حتَّى الأرْضُ الَّتي يَمْشي عليها تَغيَّرتْ، فما هي الأرْضُ الَّتي يَعرِفُها، وظلَّ على هذه الحالِ خَمسينَ يومًا.
ويَحْكي كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه بعضَ المَواقِفِ الَّتي حدَثَت معَه؛ فيَذكُرُ أنَّه كان يَشهَدُ الصَّلاةَ ويَأْتي إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيُسلِّمُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو جالسٌ في مَجلِسِه بعْدَ الصَّلاةِ، فلا يَدْري هلْ حرَّكَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شفَتَيْه وردَّ عليه السَّلامَ أمْ لا؟ وإنَّما لم يَجزِمْ كَعبٌ بتَحْريكِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شفَتَيْه بالسَّلامِ؛ لأنَّه لم يكُنْ يُديمُ النَّظرَ إليه خَجلًا، ويَذكُرُ أنَّه كان يُصلِّي قَريبًا مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيَنظُرُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خُفْيةً، فإذا أقبَلَ كَعبٌ على صَلاتِه نظَرَ إليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإذا الْتَفَتَ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه نحْوَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أعرَضَ عنه.
ويَحْكي رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لمَّا طال به إعْراضُ النَّاسِ عنه، حاوَلَ أنْ يَتكلَّمَ معَ ابنِ عَمِّه -يَعني من أهلِه بَني سَلِمةَ- وأحَبِّ النَّاسِ إليه؛ أبي قَتادةَ الحارِثِ بنِ رِبْعيٍّ الأنْصاريِّ رَضيَ اللهُ عنه، فتَسَوَّرَ حائطَ حَديقَتِه، أي: عَلا جِدارَ بُستانِ أبي قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه، ثمَّ سلَّمَ عليه، فلمْ يرُدَّ عليه أبو قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه السَّلامَ؛ لعُمومِ نَهيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن كَلامِه، وسَألَه كَعبٌ باللهِ عزَّ وجلَّ: هلْ تَعلَمُني أُحِبُّ اللهَ ورَسولَه؟ فلمْ يرُدَّ عليه، فكرَّرَ كَعبٌ عليه السُّؤالَ، فلمْ يرُدَّ عليه، فكرَّرَه فلمْ يرُدَّ عليه سِوى بقَولِه: «اللهُ ورَسولُه أعلَمُ»، وليس ذلك تَكْليمًا لكَعبٍ رَضيَ اللهُ عنه؛ لأنَّه لم يُجِبْه إلى سُؤالِه؛ بل أظهَرَ اعتِقادَه في عِلمِ اللهِ ورَسولِه لكلِّ شَيءٍ، ولمَّا رَآى كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه منِ ابنِ عمِّه ما رَأى، فاضَتْ عَيْناه بالدَّمعِ باكيًا لحالِه الَّذي وصَلَ إليه، وعادَ فتَسوَّرَ جِدارَ الحَديقةِ ورجَعَ، فلمْ يدخُلْ أو يَخرُجْ مِن البابِ، ولكنَّه دخَلَ خُفْيةً خَوفًا وخَجلًا مِن النَّاسِ.
وذكَرَ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه بيْنَما يَمْشي بسُوقِ المَدينةِ، وجَدَ نَبَطيًّا مِن الشَّامِ -يَعني: رَجلًا فلَّاحًا- وكان نَصْرانيًّا قدِمَ ليَبيعَ طَعامًا بسُوقِ المَدينةِ، وجَدَه كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه يَسألُ عنه باسمِه قائلًا: مَن يدُلُّ على كَعبِ بنِ مالِكٍ؟ فأخَذَ النَّاسُ يُشيرونَ له إلى كَعبٍ رَضيَ اللهُ عنه، ولا يَتكلَّمونَ؛ مُبالَغةً في هَجرِه والإعْراضِ عنه، حتَّى جاءه هذا النَّبَطيُّ، فأعْطاه كِتابًا مِن ملِكِ غَسَّانَ -هو جَبَلةُ بنُ الأيْهَمِ، أو هو الحارِثُ بنُ أبي شَمِرٍ، وغَسَّانُ قيلَ: إنَّها ماءٌ باليمَنِ قُربَ سدِّ مأْرِبَ- يَدْعوه في كِتابِه هذا إلى تَركِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتَركِ أصْحابِه، مُنتَهِزًا تلك الفُرصةَ؛ ليَفتِنَ كَعبَ بنَ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه عن دِينِه، وكتَبَ له في هذا الكتابِ: «أمَّا بَعدُ؛ فإنَّه قد بَلَغَني أنَّ صَاحِبَكَ قدْ جَفاكَ، ولم يَجعَلْكَ اللهُ بِدارِ هَوانٍ، ولا مَضْيَعةٍ، فالْحَقْ بنا نُواسِكَ»، والمَعنى: أنَّه وصَلَنا أنَّ محمَّدًا -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- قدْ قاطَعَكَ، ولم يُرِدِ اللهُ لكَ أنْ تكونَ بدارِ ضَعفٍ وحَقارةٍ، ولا دارٍ يَضيعُ فيها حقُّكَ؛ فَأْتِ إلينا نُخفِّفْ مِن حُزنِكَ ومُصابِكَ.
فلمَّا قَرأَ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه هذه الصَّحيفةَ، قال: هذا واللهِ منَ البَلاءِ، وذَهَبَ بها إلى التَّنُّورِ -وهو الفُرنُ الَّذي يُخبَزُ فيه- وأشعَلَه بها فجَعَلَها مع الحَطَبِ الذي يُوقَدُ به، وهذا يدُلُّ على قوَّةِ إيمانِه، وشدَّةِ مَحبَّتِه للهِ ورَسولِه على ما لا يَخْفى.
فلمَّا مَضَتْ أرْبَعونَ لَيلةً مِن الخَمسينَ، جاءَه أمْرُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ باعْتِزالِ امْرأتِه عُمَيْرةَ بنتِ جُبَيرِ بنِ صَخرِ بنِ أُميَّةَ الأنْصاريَّةِ أمِّ أوْلادِه الثَّلاثةِ، أو هي زَوْجَتُه الأُخْرى خَيْرةُ، وألَّا يَقرَبَها، ولا يُباشِرَها، وكذا الحالُ بالنِّسبةِ إلى صاحِبَيْه مُرارةَ بنِ الرَّبيعِ، وهِلالِ بنِ أُميَّةَ رَضيَ اللهُ عنهم، فذَهَبَت امْرأةَ هِلالٍ رَضيَ اللهُ عنهما -واسمُها خَوْلةُ بنتُ عاصمٍ- إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واسْتأذَنَته في أنْ تَخدُمَ هِلالًا رَضيَ اللهُ عنه؛ لكَونِه شَيخًا كَبيرًا يَحْتاجُ مَن يَخدُمُه، وقاصِرًا عنِ القيامِ بشُؤونِ نفْسِه، فأذِنَ لها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ تَظَلَّ معَه وتَخدُمَه، شَريطةَ ألَّا يُباشِرَها مُباشَرةَ الأزْواجِ، فأكَّدَتِ امْرأةُ هِلالٍ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لم يَقرَبْها منذُ أنِ ابْتَلاه اللهُ بهذا البَلاءِ، وما زال على حالٍ يَبْكي فيها نفْسَه.
ويَذكُرُ كَعبُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لمَّا جاءَه الأمرُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ باعْتِزالِ امْرأتِه، أمَرَها أنْ تَذهَبَ إلى أهْلِها، فتَبْقى عندَهم حتَّى يَقْضيَ اللهُ في هذا الأمرِ، ويَحْكي أنَّ بَعضَ أهْلِه قالوا له: لوِ اسْتأذَنْتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في امْرَأتِكَ، أي: تَخدُمُكَ وتَقومُ على شأنِكَ، كما أذِنَ لامْرأةِ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ أنْ تَخدُمَه، فقال: واللهِ لا أسْتأْذِنُ فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وما يُدْريني ما يقولُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا اسْتأْذَنْتُه فيها وأنا رَجلٌ شابٌّ؟! يَعني أقْوى على خِدْمةِ نفْسي.
واستُشكِلَ هذا القَولُ معَ نَهيِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ النَّاسَ عن كَلامِ الثَّلاثةِ، وأُجيبَ بأنَّ النَّهيَ عنِ المُكالَمةِ لم يكُنْ عامًّا لكلِّ أحدٍ؛ بلْ هو شامِلٌ لمَن لا تَدْعو حاجةُ هؤلاء إلى مُخالَطَتِه، ولكَلامِه مِن زَوْجةٍ وخادِمٍ ونحوِ ذلك؛ بدَليلِ بَقاءِ زَوْجاتِهم معَهم حتَّى هذا الحينِ، واسْتِئذانِ زَوْجةِ هِلالٍ رَضيَ اللهُ عنهما في خِدمَتِه، فنَهاها صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن أنْ يَقرَبَها، وأباحَ لها خِدمَتَه كما كانت تَخدُمُه، ولا بدَّ في ذلك مِن مُخالَطةٍ وكلامٍ، فلعلَّ الَّذي قال لكَعبٍ مِن أهْلِه ممَّن له أنْ يُكلِّمَه.
ويَحْكي كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لَمَّا صلَّى صَلاةَ الفَجرِ صُبحَ خَمْسينَ لَيلةً منَ المُقاطَعةِ والهجرانِ، وهو على تلك الحالةِ الَّتي وصَفَها اللهُ عزَّ وجلَّ بقولِه: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} [التوبة: 118] ، قدْ ضاقَتْ عليهم أنفُسُهم، أي: قُلوبُهم، فلا يَسَعُهم أنَسٌ ولا سُرورٌ من فَرطِ الوَحْشةِ والغَمِّ، وضاقَتْ عليهمُ الأرضُ بما رَحُبَت، أي: مع سَعَتِها، وهو مَثلٌ للحَيْرةِ في أمرِه، كأنَّه لا يجِدُ فيها مَكانًا يَقَرُّ فيه، فبيْنَما كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه هكذا، إذ سمِعَ صَوتَ رَجلٍ يُنادي بأعْلى صَوتِه، صعِدَ فَوقَ جبَلِ سَلْعٍ، وهو جَبلٌ بالمَدينةِ، وصارَ يُنادي: يا كَعبُ بنَ مالِكٍ أبشِرْ، فخَرَّ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه ساجِدًا حَمْدًا للهِ تعالَى، وشُكرًا له على تَوبتِه عليه، وعلِمَ أنَّه قدْ جاء الفرَجُ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ، وأعلَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بتَوْبةِ اللهِ على الثَّلاثةِ المُخَلَّفينَ، وذهَبَ النَّاسُ يُبشِّرونَهم بتَوْبةِ اللهِ عليهم، فذهَبَ إلى صاحِبَيْه مُرارةَ وهِلالٍ رَضيَ اللهُ عنهما مُبشِّرونَ بذلك، وأسرَعَ الزُّبَيرُ بنُ العوَّامِ رَضيَ اللهُ عنه على فرَسٍ له إلى كَعبٍ رَضيَ اللهُ عنه، وصعِدَ رَجلٌ مِن قَبيلةِ أسلَمَ -قيلَ: هو حَمْزةُ بنُ عَمرٍو الأسْلَميُّ- على جبَلٍ وصرَخَ بصَوْتِه مُبشِّرًا له، قال كَعبٌ: وكان الصَّوتُ أسرَعَ مِن الفرَسِ، فلمَّا جاء صاحِبُ الصَّوتِ -حَمْزةُ بنُ عَمرٍو الأسْلَميُّ رَضيَ اللهُ عنه- إلى كَعبٍ رَضيَ اللهُ عنه، نزَعَ له كَعبٌ ثَوبَه وأعْطاه له هَديَّةً ومُكافأةً على بُشْراه له، قال كَعبٌ: واللهِ ما أملِكُ غَيرَهما يَومَئذٍ، واستَعَرْتُ ثَوْبَينِ فلَبِسْتُهما، وذهَبَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان النَّاسُ وهو في طَريقِه إلى مَسجِدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُقابِلونَه أفْواجًا يُهَنِّئونَه بتَوْبةِ اللهِ عليه، فلمَّا دخَلَ المَسجِدَ وجَدَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالِسًا، والنَّاسُ حَولَه، فبادَرَ إليه طَلْحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنه يُهَروِلُ -وهو السَّيرُ بيْن المَشيِ والجَريِ- فصافَحَه وهنَّأه، قال كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه: ولا أنْساها لطَلْحةَ، أي: ولا أنْسى هذا المَوقِفَ لطَلْحةَ، وهذا الإحْسانَ منه إليَّ، واقتَرَبَ كَعبٌ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فسلَّمَ عليه، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو في شِدَّةِ الفَرَحِ: «أبشِرْ بخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عليكَ منذُ ولدَتْكَ أُمُّكَ»، أي: سِوى يومِ إسْلامِه، وهو مُستَثنًى تَقْديرًا، وإنْ لم يَنطِقْ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أو أنَّ يومَ تَوْبتِه مُكمِّلٌ ليومِ إسْلامِه؛ فيومُ إسْلامِه بِدايةُ سَعادتِه، ويَومُ تَوْبتِه مُكمِّلٌ لهذه السَّعادةِ، فهو خَيرٌ مِن جَميعِ أيَّامِه، وإنْ كان يومُ إسْلامِه خَيرَها.
فسَألَ كَعبٌ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمِن عندِكَ يا رَسولَ اللهِ أمْ مِن عِندِ اللهِ؟ فأجابَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «لا، بلْ مِن عندِ اللَّهِ».
ويَذكُرُ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان إذا حصَلَ له سُرورٌ، اسْتَنارَ وَجهُه حتَّى كأنَّه قِطعةُ قَمرٍ، قيلَ: السِّرُّ في التَّقْييدِ بالقِطعةِ معَ كَثرةِ ما ورَدَ في كَلامِ البُلَغاءِ مِن تَشْبيهِ الوَجهِ بالقَمرِ مِن غَيرِ تَقْييدٍ؛ احْتِرازًا مِن السَّوادِ الَّذي في القمَرِ، أو إشارةً إلى مَوضِعِ الاسْتِنارةِ، وهو الجَبينُ الَّذي فيه يَظهَرُ السُّرورُ، قال: وكنَّا نَعرِفُ ذلك منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أي: نَعرِفُ الَّذي يَحصُلُ له منِ اسْتِنارةِ وَجهِه عندَ السُّرورِ.
وأرادَ كَعبٌ أنْ يتَصَدَّقَ بمالِه كُلِّه في سَبيلِ اللهِ، ولكِنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَرَه أنْ يُمسِكَ عليه بَعضَ مالِه، أي: يتَصَدَّقَ بالبَعضِ فقطْ، ويُبْقيَ عندَه شَيئًا مِن مالِه؛ لكَي يُنفِقَ به على نفْسِه وعيالِه؛ خَوفًا عليه مِن تَضرُّرِه بالفَقرِ، فقال كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه: فإنِّي أُمسِكُ سَهْمي الَّذي بخَيْبرَ، وكانت خَيْبرُ قَريةً يَسكُنُها اليَهودُ، وكانت ذاتَ حُصونٍ ومَزارِعَ على بُعدِ 173 كيلو تَقْريبًا مِن المَدينةِ إلى جِهةِ الشَّامِ، فتَحَها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَنةَ سَبعٍ منَ الهِجْرةِ.
وعاهَدَ كَعبٌ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ألَّا يَتحدَّثَ إلَّا بالصِّدقِ أبدًا ما بَقيَ حيًّا؛ فما نَجَّاه اللهُ عزَّ وجلَّ إلَّا بالصِّدقِ، قال كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه ذاكرًا نِعمةَ اللهِ عليه: «فواللهِ ما أعلَمُ أحَدًا مِن المُسلِمينَ أبْلاهُ اللهُ في صِدْقِ الحَديثِ منذُ ذكَرْتُ ذلك لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أحسَنَ ممَّا أبْلاني»، والبَلاءُ والإبْلاءُ يكونُ في الخَيرِ والشَّرِّ، لكنْ إذا أُطلِقَ كان للشَّرِّ غالبًا، فإذا أُريدَ الخَيرُ قُيِّدَ كما قيَّدَه هنا، والمَعنى: ما عَلِمْتُ أحدًا مِن المسلمينَ أبْلاهُ اللهُ تعالَى بصِدقِ الحديثِ إبلاءً أحسَنَ ممَّا أبْلاني اللهُ تعالَى به مِن وَقْتِ ذِكْري ذلك الأمرَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى يَومي هذا الذي أتحدَّثُ فيه الآنَ.
وأخبَرَ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه ما تعَمَّدَ أنْ يَكذِبَ كَذبًا منذ أنْ ذكَرَ ذلك لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى يَومِ أنْ حدَّثَ بهذا الحَديثِ، وإنَّه لَيَرْجو أنْ يَحفَظَه اللهُ فيما بَقيَ من عُمرٍ، ويَظلَّ مُلازِمًا الصِّدقَ.
وأنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ قولَه: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 117- 119] ، ويَحلِفُ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه: فواللهِ ما أنعَمَ اللهُ علَيَّ مِن نِعْمةٍ قطُّ بعْدَ أنْ هَداني اللهُ للإسْلامِ أعظَمَ في نَفْسي مِن صِدْقي لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ أكونَ كَذَبتُه، فأهْلِكَ كما هلَكَ الَّذين كَذَبوا؛ فقدْ قال اللهُ عزَّ وجلَّ لمَن كذَبَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، واعتَذَرَ بالأعْذارِ المُختَلَقةِ، قال لهمْ شرَّ القَولِ الكائنِ لأحدٍ منَ النَّاسِ: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 95، 96] ، وأخبَرَ كَعبٌ رَضيَ اللهُ عنه أنه تَخلَّفَ هو وَصاحباهُ هِلالُ بنُ أُميَّةَ، ومُرارةُ بنُ الرَّبيعِ رَضيَ اللهُ عنهم، عن أمْرِ أولئك الَّذين قَبِلَ منهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ حَلَفوا له أنَّ تَخلُّفَهم كان لعُذرٍ، فبايَعَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، واستَغْفَرَ لهم، وأخَّرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمْرَنا نحن الثَّلاثةَ حتَّى قَضى اللهُ فيه، فبذلك قال اللهُ: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}، فليس معنى {الَّذِينَ خُلِّفُوا}، أي: تَخلَّفوا عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما المعنى: الذين أخَّرَ النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الحُكمَ في أمْرِهم إلى أنْ يَحكُمَ اللهُ تعالَى فيهم، بخِلافِ مَن حلَفَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واعتَذَرَ إليه، فقَبِلَ منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفي الحَديثِ: فائدةُ الصِّدقِ، وعاقِبتُه الحَميدةُ.
وفيه: التَّبشيرُ بالخَيرِ، والتَّهْنِئةُ بالنِّعْمةِ، كما فعَلَ أصْحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأنَّ إعْطاءَ البَشيرِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ والشِّيَمِ وعادةِ الأشْرافِ.
وفيه: تَهْنِئةُ مَن تَجَدَّدَت له نِعْمةٌ دينيَّةٌ، والقِيامُ إليه إذا أقبَلَ ومُصافَحتُه.
وفيه: أنَّ خَيرَ أيَّامِ العَبدِ على الإطْلاقِ وأفْضَلَها، يَومُ تَوْبتِه إلى اللهِ وقَبولِ اللهِ تَوْبتَه.
وفيه: فَضيلةُ أهلِ بَدرٍ والعَقَبةِ.
وفيه: عِظَمُ أمْرِ المَعْصيةِ، والتَّشْديدُ في أمرِها، وأنَّها تُهلِكُ صاحِبَها إنْ لم يُدرِكْه اللهُ بتَوْبةٍ.
وفيه: إخْبارُ المَرءِ عن تَقْصيرِه وتَفْريطِه.
وفيه: مَشْروعيَّةُ التَّصريحِ بجِهةِ الغَزْوِ إذا لم تَقتَضِ المَصْلَحةُ سَتْرَه.
وفيه: أنَّ الإمامَ إذا استَنفَرَ الجَيشَ عُمومًا لَزِمَهمُ النَّفيرُ، ولحِقَ اللَّومُ بكلِّ فَردٍ إنْ تخلَّفَ.
وفيه: أنَّ العاجِزَ عنِ الخُروجِ بنَفْسِه أو بمالِه لا لَومَ عليه.
وفيه: مَشْروعيَّةُ مَدْحِ المَرءِ بما فيه مِن الخَيرِ إذا أُمِنَت الفِتْنةُ.
ومنها: تَسْليةُ المَرءِ نفْسَه عمَّا لم يَحصُلْ له بما وقَعَ لنَظيرِه.
وفيه: مَشْروعيَّةُ التَّوْريةِ عنِ المَقصِدِ.
وفيه: فضْلُ ردِّ الغِيبةِ عنِ المُسلِمِ.
وفيه: مَشْروعيَّةُ اسْتِعارةِ الثِّيابِ.
وفيه: دَليلٌ على عَدمِ تَصدُّقِ الإنسانِ بجَميعِ مالِه؛ حتَّى لا يَبْقى عالةً على غَيرِه.
وفيه: مُصافَحةُ القادِمِ، والقيامُ له إكْرامًا، والهَرْوَلةُ إلى لِقائِه بَشاشةً وفَرحًا.
وفيه: أنَّ الإمامَ لا يُهمِلُ مَن تَخلَّفَ عنه في بعضِ الأُمورِ؛ بل يُذكِّرُه ليُراجِعَ التَّوبةَ.
وفيه: الحُكمُ بالظَّاهِرِ، وقَبولُ المَعاذيرِ.
وفيه: تَركُ السَّلامِ على مَن أذنَبَ، ومَشْروعيَّةُ هَجْرِه أكثَرَ مِن ثَلاثٍ بقَصدِ رُجوعِه عنِ الذَّنبِ، وأمَّا النَّهيُ عنِ الهَجرِ فوقَ ثَلاثٍ فمَحمولٌ على مَن لم يكُنْ هُجْرانُه شَرعيًّا.
وفيه: بيانُ فائدةِ الصِّدقِ، وشُؤمِ عاقبةِ الكَذِبِ.
[صحيح البخاري] (5/ 72) 3951 - حدثني يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، أن عبد الله بن كعب، قال: سمعت كعب بن مالك رضي الله عنه، يقول: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد
[صحيح مسلم] (4/ 2120) 53 - (2769) حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح مولى بني أمية، أخبرني ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب كان قائد كعب، من بنيه، حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنه، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم، على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، وكان من خبري، حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل عدوا كثيرا، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد بذلك الديوان - قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك، إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال: وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب بن مالك؟ قال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك، حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال: قلت: يا رسول الله إني، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا، فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما اعتذر به إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكذب نفسي، قال ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما لي، قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس، وقال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام، أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام.
فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته، فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت، حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، قال: فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، قال فقلت: حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء فتياممت بها التنور فسجرتها بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها، فلا تقربنها، قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك فقالت: إنه، والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان، إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، قال: فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا، قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا، قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج، قال: فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا، حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم قبلي، وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتلقاني الناس فوجا فوجا، يهنئوني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال فقلت: أمن عندك؟ يا رسول الله أم من عند الله فقال: لا، بل من عند الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا سر استنار وجهه، كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك، قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك بعض مالك، فهو خير لك قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، قال: وقلت: يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فوالله ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، قال: فأنزل الله عز وجل: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم، إنه بهم رءوف رحيم، وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم} حتى بلغ: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]، قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني الله للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شر ما قال لأحد.
وقال الله: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم، فأعرضوا عنهم، إنهم رجس، ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون، يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم، فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} [التوبة: 96]، قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله عز وجل: وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وليس الذي ذكر الله مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه
[مسند أحمد] (25/ 66) 15789 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال: سمعت كعب بن مالك ، يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم، وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، حين توافقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لأني لم أكن قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلما يريد غزاة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزاة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا، واستقبل عدوا كثيرا، فجلا للمسلمين أمره ليتأهبوا أهبة عدوهم ، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - فقال كعب: فقل رجل يريد يتغيب، إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار، والظل، وأنا إليها أصعر فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه، فأرجع، ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي أنا قادر على ذلك، إذا أردت فلم يزل كذلك يتمادى بي حتى شمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعدما فصلوا لأتجهز فرجعت، ولم أقض شيئا من جهازي، ثم غدوت فرجعت، ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل، فأدركهم وليت أني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفت فيهم يحزنني أن لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق - أو رجلا ممن عذره الله - ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك قال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه، والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتفكر الكذب، وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا، أستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تبارك وتعالى حتى جئت، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك، ألم تكن قد استمر ظهرك؟ قال: فقلت: يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني أخرج من سخطته بعذر، لقد أعطيت جدلا، ولكنه والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به، ليوشكن الله تعالى يسخطك علي، ولئن حدثتك اليوم بصدق تجد علي فيه إني لأرجو قرة عيني عفوا من الله تبارك وتعالى، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله تعالى فيك فقمت، وبادرت رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون، لقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، قال: فوالله مازالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: فقلت لهم: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما لي، قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، قال: وتغيروا لنا حتى تنكرت لي من نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكنا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه، فأقول في نفسي حرك شفتيه برد السلام أم لا، ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض، حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، قال: فعدت فنشدته، فسكت، فعدت فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدلني على كعب بن مالك قال: فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، قال: فقلت: حين قرأتها، وهذا أيضا من البلاء، قال: فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها، فلا تقربها، قال: وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، قال: فقلت: لامرأتي الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له: يا رسول الله، إن هلالا شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا ولكن لا يقربنك قالت: فإنه والله ما به حركة إلى شيء، والله مازال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أدري ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته، وأنا رجل شاب قال: فلبثنا بعد ذلك عشر ليال كمال خمسين ليلة حين نهي عن كلامنا، قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تبارك وتعالى منا قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صارخا: أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله تبارك وتعالى علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب يبشروننا، وذهب قبل صاحبي يبشرون، وركض إلي رجل فرسا، وسعى ساع من أسلم، وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، يقولون لتهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، قال فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، قال: فلما جلست بين يديه قال: قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله تعالى، وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك بعض مالك فهو خير لك ، قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، قال: فقلت: يا رسول الله، إنما الله تعالى نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث مذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أحسن مما أبلاني الله تبارك وتعالى، والله ما تعمدت كذبة مذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني فيما بقي، قال: وأنزل الله تبارك وتعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم، وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} قال كعب: فوالله ما أنعم الله تبارك وتعالى علي من نعمة قط بعد أن هداني، أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوه، حين كذبوه، فإن الله تبارك وتعالى قال للذين كذبوه حين كذبوه شر ما يقال لأحد، فقال الله تعالى: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} [التوبة: 96] قال: وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا، فبايعهم واستغفر لهم، فأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله تعالى، فبذلك قال الله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] وليس تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له، واعتذر إليه فقبل منه.
15790 - حدثنا حجاج، قال: حدثنا ليث بن سعد، قال: حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك، يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، لأنه إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد العير التي كانت لقريش، كان فيها أبو سفيان بن حرب، ونفر من قريش، ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قلت: بلى، يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطته بعذر، ولقد أعطيت جدلا - فذكر الحديث - وقال فيه: إني لأرجو عفو الله، وقال: فقلت: لامرأتي الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، وقال: سمعت صوت صارخ أوفى على أعلى جبل سلع، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر قال: فخررت ساجدا، وعرفت أنه قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتوبة علينا حين صلى صلاة الفجر - فذكر معنى حديث ابن أخي ابن شهاب، وقال فيه: فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام.
دلائل النبوة للبيهقي (5/ 273) أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا عبيد بن شريك، ح وحدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ لفظا، وسياق الحديث له، حدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا عبيد بن عبد الواحد يعني ابن شريك، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب قائد كعب حين عمي من بنيه، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال كعب بن مالك: " لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا غزوة تبوك، غير أني تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب الله أحدا حين تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر يعني أذكر في الناس منها وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبلها راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان، قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردته، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو بيومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا من النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، فلم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، قال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه ينظر في عطفه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني همي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أطل قادما راح عني الباطل، وعرفت أني لا أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم، واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ ، فقلت: بلى يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، ووالله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك ، فقمت وثار رجال من بني سلمة، فقالوا: لا والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، فأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم عليه، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلى فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة المسلمين تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت له فنشدته، فسكت، قال: فعدت له فناشدته الثالثة، فقال: الله ورسوله أعلم.
ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار.
قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة ويقول: من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك، فقلت حين قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت به التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت لنا أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل بها؟ فقال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله هذا الأمر.
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليست له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: لا، ولكن لا يقربنك .
قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي مذ كان من أمره ما كان إلى يومي هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لهلال بن أمية تخدمه، فقلت: والله لا استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن استأذنته فيها وأنا رجل شاب.
فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع: يا كعب بن مالك، أبشر، قال: فخررت ساجدا، وعرفت أنه قد جاء الفرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع إلي من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبي فكسوتهما إياه ببشراه، ووالله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنؤنني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك .
قلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله تعالى قال: لا، بل من عند الله تبارك وتعالى .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بشر ببشارة يبرق وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله عز وجل وإلى الرسول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ، فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله، إن الله عز وجل إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي أني لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين ابتلاه الله في صدق الحديث مذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما ابتلاني، ما تعمدت مذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي، وأنزل الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ، فوالله ما أنعم الله علي من نعمة بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله عز وجل قال للذين كذبوه حين نزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال الله تبارك وتعالى {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} [التوبة: 96] قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تبارك وتعالى {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] ، وليس الذي ذكر الله تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا ممن حلف واعتذر، فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم " رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن الليث