ثُمَّ قَامَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في النَّاسِ، فأثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ وما مِن نَبِيٍّ إلَّا قدْ أنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لقَدْ أنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، ولَكِنْ سَأَقُولُ لَكُمْ فيه قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ، تَعْلَمُونَ أنَّه أعْوَرُ، وأنَّ اللَّهَ ليسَ بأَعْوَرَ.
أخرجه مسلم (169) باختلاف يسير
ذَكَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَوْمًا بيْنَ ظَهْرَيِ النَّاسِ المَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ ليسَ بأَعْوَرَ، ألَا إنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ.
وأَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ في المَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ، كَأَحْسَنِ ما يُرَى مِن أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعَرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، واضِعًا يَدَيْهِ علَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وهو يَطُوفُ بالبَيْتِ، فَقُلتُ: مَن هذا؟ فَقالوا: هذا المَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ رَأَيْتُ رَجُلًا ورَاءَهُ جَعْدًا قَطِطًا أعْوَرَ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَن رَأَيْتُ بابْنِ قَطَنٍ، واضِعًا يَدَيْهِ علَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بالبَيْتِ، فَقُلتُ: مَن هذا؟ قالوا: المَسِيحُ الدَّجَّالُ.
الراوي : عبدالله بن عمر المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3439 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (3439)، ومسلم (169) أطْلَعَ اللهُ عزَّ وجلَّ نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على بَعضِ أُمورِ الغيبِ، ومِن ذلك ما أخبَرَ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في وصْفِ بَعضِ أنبياءِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وكذا إخبارُه عن الدَّجَّالِ، وصِفتِه، وما يكونُ منه.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذكَرَ المسيحَ الدَّجالَ يومًا وهو بيْن ظَهْرانِي النَّاسِ، أي: وهو جالسٌ في وَسْطِ النَّاسِ، والمرادُ: أنَّه جَلَسَ بيْنهم مُستظهِرًا لا مُستَخفيًا.
والمسيحُ الدَّجَّالُ، مِن الدَّجلِ، وهو التَّغطيةُ؛ سُمِّي به لأنَّه يُغطِّي الحقَّ بباطلِه، وقد سُمِّيَ مَسيحًا؛ لأنَّه يَمسَحُ الأرضَ، أو لأنَّه مَمسوحُ العينِ؛ لأنَّه أعورُ، أو لسِياحتِه ودُخولِه بلدًا مِن البلدانِ يُصيبُ أهْلَها بالرُّعبِ والخوفِ والفزَعِ، وهو الَّذي يَظهَرُ في آخِرِ الزَّمانِ ويَدَّعي الألُوهيَّةَ، وهو شَخصٌ مِن بَني آدمَ، وظُهورُه مِن العَلاماتِ الكُبرى ليومِ القِيامةِ، يَبتلي اللهُ به عِبادَه، وأَقْدَره على أشياءَ مِن مَقدوراتِ اللهِ تعالَى؛ مِن إحياءِ المَيِّتِ الَّذي يَقتُلُه، ومِن ظُهورِ زَهرةِ الدُّنيا والخِصْبِ معه، وجَنَّتِه ونارِه، واتِّباعِ كُنوزِ الأرضِ له، وأمْرِه السَّماءَ أنْ تُمطِرَ فتُمطِرَ، والأرضَ أنْ تُنبِتَ فتُنبِتَ، فيَقَعُ كلُّ ذلك بقُدرةِ اللهِ تعالَى ومَشيئتِه، ويَقتُلُه نَبيُّ اللهِ عِيسى ابنُ مَريمَ عليه السَّلامُ.
فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّ اللهَ ليسَ بأعورَ»؛ لأنَّها صِفةُ نَقْصٍ ولا تَليقُ به سُبحانَه، والأعورُ هو مَن ذَهَبَت إحْدى عَينَيه ويُبصِرُ بواحدةٍ، ألَا إنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ أعورُ العينِ اليُمْنى كأنَّ عَينَه عِنَبةٌ طافيةٌ، أي: بارزةٌ عن مَثيلتِها، أو ذَهَبَ نورُها.
وتلك عَلامةٌ ظاهرةٌ عليه يَتعرَّفُ بها المسلمُ عليه إذا ظَهَرَ في زَمانِه.
ثمَّ إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَأى في مَنامِه -ورُؤيا الأنبياءِ حقٌّ ووحْيٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ- أنَّه عندَ الكَعبةِ، وقدْ رَأى رجُلًا آدَمَ، أي: أسمَرَ، كأحسنِ ما يُرى مِن الرِّجالِ المتَّصِفين بالسُّمرةِ، «تَضرِبُ لِمَّتُه بيْن مَنكِبَيْه»: واللِّمَّةُ: هي الشَّعرُ إذا جاوَزَ شَحْمَ الأُذنينِ، والمَنكِبِ هو أعْلى الظَّهرِ ما بيْن الكَتِفِ والعُنُقِ، «رَجِلُ الشَّعَرِ»، أي: قدْ سرَّحَه ودَهَنَه، وقدْ كان رَأسُه يَقْطُرُ ماءً، وكان واضِعًا يَدَيْهِ علَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وهو يَطُوفُ بالبَيْتِ الحرامِ.
فسَأَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنه: مَن يكونُ؟ -ويحتمل سؤاله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان لجبريل أو أحد الملائكة عليهم السلام- فأُخبِرَ أنَّه المسيحُ عِيسى عليه السَّلامُ.
وقد ورَد عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن أكثرَ مِن واحدٍ مِن الصَّحابةِ في الصَّحيحينِ وغيرِهما أنَّه قال في وصْفِ عيسى: إنَّه أحمرُ، وهذا يدلُّ على أنَّ ابنَ عمرَ رَضيَ اللهُ عنهما أخطَأَ في حِفظِه، ويَجوزُ أنْ يُتأوَّلَ الأحمَرُ على الآدَمِ، ولا يكونُ المرادُ حَقيقةَ الأُدْمةِ والحُمرةِ، بلْ ما قارَبَها.
ثُمَّ رَأى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَجلًا وَراءَه «جَعْدًا قَطَطًا»، أي: شَديدَ جُعودةِ الشَّعرِ، أعورَ العَينِ اليُمْنى، وشبَّهَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بابنِ قَطَنٍ، وهو عبدُ العُزَّى بنُ قَطَنِ بنِ عَمرٍو الخُزاعيُّ، وأمُّه هالةُ بنتُ خُويلدٍ أُختُ خديجةَ رَضيَ اللهُ عنها، وقد مات في الجاهليَّةِ.
وكان هذا الرَّجُلُ واضعًا يَدَيه على مَنكِبَي رَجُلٍ يَطوفُ بِالبيتِ، فسَأَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنه: مَنْ يكونُ؟ فأُخبِرَ بأنَّه المسيحُ الدَّجَّالُ.
ولا يَعني هذا أنَّ الدَّجَّالَ سيَدخُلُ مكَّةَ ويَطوفُ بالبَيتِ حَقيقةً؛ فهذه رُؤيا مَنامٍ، وكَونُ رُؤيا النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وَحْيًا وحقًّا، لا يَلزَمُ منه أنْ تكونَ دَومًا على ظاهِرِها؛ فقدْ تَأتي أحيانًا على سَبيلِ ضَرْبِ الأمثالِ، أو تَأتي ولها تَعبيرٌ وتَأويلٌ وليستْ على ظاهِرِها.
وقيل: إنَّ المنْعَ مِن دُخولِ الدَّجَّالِ مكَّةَ سيَكونُ بعْدَ ظُهورِ فِتنتِه، أمَّا قبْلَها أو في الزَّمنِ الماضي فلا يُوجَدُ مِن نُصوصِ الشَّرعِ ما يدُلُّ على منْعِه مِن دُخولِها.
وفي الحديثِ: عِلمُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالمسيحِ الدَّجَّالِ وإخبارُه بصِفتِه.
وفيه: تَشبيهُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعْضَ الرِّجالِ ببَعضٍ؛ لتَقريبِ الوصْفِ إلى الأذهانِ.
[صحيح مسلم] (4/ 2245 ) :
(169) - [حدثني حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي.
أخبرني ابن وهب.
أخبرني يونس عن ابن شهاب،]قال سالم: قال عبد الله بن عمر :فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله.
ثم ذكر الدجال فقال "إني لأنذركموه.
ما من نبي إلا وقد أنذره قومه.
لقد أنذره نوح قومه.
ولكن أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه.
تعلموا أنه أعور.
وأن الله تبارك وتعالى ليس بأعور".
قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري؛ أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، يوم حذر الناس من الدجال "إنه مكتوب بين عينيه كافر.
يقرؤه من كره عمله.
أو يقرؤه كل مؤمن".
وقال "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت".
صحيح البخاري (4/ 70) :
3055 - حدثنا عبد الله بن محمد : حدثنا هشام: أخبرنا معمر ، عن الزهري: أخبرني سالم بن عبد الله ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخبره: أن عمر انطلق في رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الغلمان، عند أطم بني مغالة، وقد قارب يومئذ ابن صياد يحتلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ظهره بيده، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: آمنت بالله ورسله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا ترى قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: خلط عليك الأمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني قد خبأت لك خبيئا قال ابن صياد: هو الدخ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اخسأ، فلن تعدو قدرك قال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه أضرب عنقه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله.
صحيح البخاري (4/ 71) :
3056 - قال ابن عمر : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بن كعب، يأتيان النخل الذي فيه ابن صياد، حتى إذا دخل النخل، طفق النبي صلى الله عليه وسلم يتقي بجذوع النخل، وهو يختل ابن صياد أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه، وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها رمزة، فرأت أم ابن صياد النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: أي صاف، وهو اسمه، فثار ابن صياد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو تركته بين
صحيح البخاري (4/ 71) :
3057 - وقال سالم : قال ابن عمر : ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: إني أنذركموه، وما من نبي إلا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور