أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ جلسَ على المنبرِ قالَ : إنَّ عبدًا خيَّرَهُ اللَّهُ بينَ أن يُؤْتيَهُ من زَهْرةِ الدُّنيا ما شاءَ وبينَ ما عندَهُ ، فاختارَ ما عندَهُ ، فقالَ أبو بَكْرٍ : فدَيناكَ يا رسولَ اللَّهِ بآبائنا وأمَّهاتِنا .

قالَ : فعَجبنا ، فقالَ النَّاسُ : انظُروا إلى هذا الشَّيخِ يخبرُ رسولُ اللَّهِ عن عبدٍ خيَّرَهُ اللَّهُ بينَ أن يُؤْتيَهُ من زَهْرةِ الدُّنيا ما شاءَ وبينَ ما عندَ اللَّهِ وَهوَ يقولُ : فَديناكَ بآبائنا وأمَّهاتنا قالَ : فَكانَ رسولُ اللَّهِ هوَ المخيَّرُ ، وَكانَ أبو بَكْرٍ هوَ أعلَمَنا بِهِ ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ : إنَّ مِن أمنِّ النَّاسِ عليَّ في صُحبتِهِ ومالِهِ أبو بَكْرٍ ، ولو كُنتُ متَّخذًا خليلًا لاتَّخذتُ أبا بَكْرٍ خليلًا ولَكِن أخوَّةُ الإسلامِ ، لا تَبقينَّ في المسجدِ خَوخةٌ إلَّا خَوخةُ أبي بَكْرٍ

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - الزهد في الدنيا# مناقب وفضائل - أبو بكر الصديق# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - مرض النبي وموته# مناقب وفضائل - فضائل جمع من الصحابة والتابعين
المصدر: صحيح الترمذي
الراوي: أبو سعيد الخدري
المحدث: الألباني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الترمذي (3660) واللفظ له، وأخرجه البخاري (3904)، ومسلم (2382) باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَلَسَ علَى المِنْبَرِ فقالَ: إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بيْنَ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا ما شاءَ، وبيْنَ ما عِنْدَهُ، فاخْتارَ ما عِنْدَهُ.

فَبَكَى أبو بَكْرٍ وقالَ: فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا، فَعَجِبْنا له، وقالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إلى هذا الشَّيْخِ؛ يُخْبِرُ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بيْنَ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا، وبيْنَ ما عِنْدَهُ، وهو يقولُ: فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا! فَكانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو المُخَيَّرَ، وكانَ أبو بَكْرٍ هو أعْلَمَنا به.

وقالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ مِن أمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ ومالِهِ أبا بَكْرٍ، ولو كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِن أُمَّتي لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ، إلَّا خُلَّةَ الإسْلامِ، لا يَبْقَيَنَّ في المَسْجِدِ خَوْخَةٌ إلَّا خَوْخَةُ أبِي بَكْرٍ.

الراوي : أبو سعيد الخدري المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3904 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2382) باختلاف يسير كان أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه أقرَبَ النَّاسِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فهو رَفيقُه في هِجرَتِه، وهو أعظَمُ هذه الأُمَّةِ إيمانًا وتَصْديقًا، بحيث لو وُزِنَ إيمانُه بإيمانِ النَّاسِ كلِّهم، لرجَحَ إيمانُه بإيمانِهم.

وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جلَسَ على المِنبَرِ في مرَضِه الأخيرِ الَّذي مات فيه، وذلك في العامِ الحادي عشر مِن الهِجْرةِ بالمَدينةِ المُنوَّرةِ، فقال: «إنَّ عَبدًا خَيَّره اللهُ بيْن أنْ يُؤْتيَه مِن زَهرةِ الدُّنْيا ما شاء»، والمَعنى: يُعْطيه مِقْدارَ ما أرادَ مِن طُولِ العُمرِ والبَقاءِ في الدُّنْيا، والتَّمتُّعِ بها، وزَهرةُ الدُّنيا: نَعِيمُها وزِينَتُها، «وبيْن ما عِندَه، فاخْتارَ ما عندَه»، أي: اختارَ وفضَّلَ ما عندَ اللهِ سُبحانَه، ممَّا أعدَّ له مِن أنْواعِ النَّعيمِ المُقيمِ، ولذَّةِ اللِّقاءِ، والنَّظَرِ إلى وَجْهِه الكَريمِ، فلمَّا سَمِع أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه ذلك القَولَ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَكى، وقال: فدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا! فتَعجَّبَ الحاضِرونَ مِن قَولِ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه وبُكائِه؛ إذ لم يَفْهَموا مِن كَلامِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما يَستَدْعي ذلك البُكاءَ والقَولَ مِن أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، ولكنَّ الصِّدِّيقَ رَضيَ اللهُ عنه قدْ فهِمَ مِن هذا الكَلامِ مُفارَقَتَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الدُّنْيا، وأنَّ العَبدَ المُخيَّرَ هو رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فبَكى لذلك، وقال ما قال.

فلمَّا مات النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فهِمَ النَّاسُ مَقصِدَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن كَلامِه؛ ولذلك قال أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ رَضيَ اللهُ عنه: «فكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو المُخيَّرَ»، أي: هو الَّذي خَيَّره اللهُ بيْن نَعيمِ الدُّنْيا وبيْن لِقائِه، وكان أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه أعلَمَ النَّاسِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وقد قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حقِّ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه: «إنَّ مِن أمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحبَتِه ومالِه أبا بَكْرٍ»، ومَعْناه: أنَّه أكثَرُهم جُودًا وسَماحةً لنا بنفْسِه ومالِه، وليس هو مِن المَنِّ الَّذي هو الاعْتِدادُ بالصَّنيعةِ؛ لأنَّه أذًى مُبطِلٌ للثَّوابِ، ولأنَّ المِنَّةَ للهِ ولرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في قَبولِ ذلك، وفي غيرِه.

وقال: «ولو كُنتُ مُتَّخِذًا خَليلًا مِن أُمَّتي لَاتَّخَذْتُ أبا بَكرٍ، إلَّا خُلَّةَ الإسْلامِ»، والمَعنى: لو كُنتُ مُتَّخِذًا صَديقًا أنقَطِعُ إليه، وأُفرِّغُ قَلْبي لمَودَّتِه، لاتَّخَذْتُ أبا بَكرٍ.

وقيلَ: أصْلُ الخُلَّةِ: الافْتِقارُ والانْقِطاعُ، فخَليلُ اللهِ: المُنقَطِعُ إليه، وقيلَ: لأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَصَرَ حاجَتَه على اللهِ تعالَى، وقيلَ: الخُلَّةُ: الاخْتِصاصُ، وقيلَ: الاصْطِفاءُ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليس له خَليلٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قدِ اتَّخَذَه خَليلًا، وهذا لا يُنافي ما ذكَرَه الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم مِن اتِّخاذِهم إيَّاه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَليلًا؛ إذ لا يُشترَطُ في الخُلَّةِ أنْ تكونَ مِن الطَّرَفَينِ، ولوِ اتَّخَذَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحَدًا خَليلًا لَاتَّخَذَ أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه؛ لأنَّه أهلٌ لذلك لولا المانِعُ؛ فإنَّ خُلَّةَ الرَّحمَنِ تعالَى لا تسَعُ مُخالَّةَ شَيءٍ غَيرِه أصْلًا، ولم يكُنْ بيْن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبيْنه رَضيَ اللهُ عنه إلَّا أُخوَّةُ الإسْلامِ.

وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «لا يَبقَيَنَّ في المَسجِدِ خَوْخةٌ إلَّا خَوْخةُ أبي بَكرٍ»، والخَوْخةُ: البابُ الصَّغيرُ، وكان بعضُ الصَّحابةِ فَتَحوا أبْوابًا في دِيارِهم إلى المَسجِدِ، فأمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بسَدِّها كلِّها إلَّا بابَ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه؛ ليَتميَّزَ بذلك فَضلُه.

وفي الحَديثِ: مَنقَبةٌ عَظيمةٌ لأبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه.

وفيه: تَعْريضٌ بالخِلافةِ لأبي بَكرٍ بعْدَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وفيه: أنَّ المَساجِدَ تُصانُ عن تَطرُّقِ النَّاسِ إليها، إلَّا لحاجةٍ مُهِمَّةٍ.

وفيه: التَّرغيبُ في اختيارِ ما في الآخِرةِ على ما في الدُّنيا.

وفيه: شُكرُ المحسِنِ، والتَّنويهُ بفضْلِه، والثَّناءُ عليه.

الأصول والأحكام

[سنن الترمذي] (5/ 608) 3660- حدثنا أحمد بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك بن أنس، عن أبي النضر، عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال: ((إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده))، فقال أبو بكر: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا.

قال: فعجبنا، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال: فكان رسول الله هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر)): ((هذا حديث حسن صحيح))

[صحيح البخاري] (5/ 57) ‌3904- حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدثني مالك، عن أبي النضر، مولى عمر بن عبيد الله، عن عبيد، يعني ابن حنين، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال: إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا.

فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، إلا خلة الإسلام، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر)).

[صحيح مسلم] (4/ 1854) 2- (2382) حدثنا عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن أبي النضر، عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جلس على المنبر فقال: ((عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده)) فبكى أبو بكر وبكى، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر))

أحاديث ذات صلة