- بَعَثَنِي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأَبا مَرْثَدٍ الغَنَوِيَّ، والزُّبَيْرَ بنَ العَوّامِ، وكُلُّنا فارِسٌ، قالَ: انْطَلِقُوا حتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ ، فإنَّ بها امْرَأَةً مِنَ المُشْرِكِينَ، معها كِتابٌ مِن حاطِبِ بنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى المُشْرِكِينَ فأدْرَكْناها تَسِيرُ علَى بَعِيرٍ لَها، حَيْثُ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلْنا: الكِتابُ، فقالَتْ: ما معنا كِتابٌ، فأنَخْناها فالْتَمَسْنا فَلَمْ نَرَ كِتابًا، فَقُلْنا: ما كَذَبَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ، فَلَمَّا رَأَتِ الجِدَّ أهْوَتِ الى حُجْزَتِها، وهي مُحْتَجِزَةٌ بكِساءٍ، فأخْرَجَتْهُ، فانْطَلَقْنا بها إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ عُمَرُ: يا رَسولَ اللَّهِ، قدْ خانَ اللَّهَ ورَسوله والمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما حَمَلَكَ علَى ما صَنَعْتَ قالَ حاطِبٌ: واللَّهِ ما بي أنْ لا أكُونَ مُؤْمِنًا باللَّهِ ورَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أرَدْتُ أنْ يَكونَ لي عِنْدَ القَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بها عن أهْلِي ومالِي، وليسَ أحَدٌ مِن أصْحابِكَ إلَّا له هُناكَ مِن عَشِيرَتِهِ مَن يَدْفَعُ اللَّهُ به عن أهْلِهِ ومالِهِ، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: صَدَقَ ولا تَقُولوا له إلَّا خَيْرًا فقالَ عُمَرُ: إنَّه قدْ خانَ اللَّهَ ورَسوله والمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فقالَ: أليسَ مِن أهْلِ بَدْرٍ؟ فقالَ: لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إلى أهْلِ بَدْرٍ؟ فقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، فقَدْ وجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّةُ، أوْ: فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَدَمعتْ عَيْنا عُمَرَ، وقالَ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ.
أخرجه البخاري (3983)، ومسلم (2494).
بَعَثَنِي رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَا، والزُّبَيْرَ، والمِقْدَادَ، فَقالَ: انْطَلِقُوا حتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ؛ فإنَّ بهَا ظَعِينَةً معهَا كِتَابٌ، فَخُذُوا منها.
قالَ: فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بنَا خَيْلُنَا حتَّى أتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بالظَّعِينَةِ، قُلْنَا لَهَا: أخْرِجِي الكِتَابَ، قالَتْ: ما مَعِي كِتَابٌ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ، أوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، قالَ: فأخْرَجَتْهُ مِن عِقَاصِهَا، فأتَيْنَا به رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَإِذَا فِيهِ: مِن حَاطِبِ بنِ أبِي بَلْتَعَةَ، إلى نَاسٍ بمَكَّةَ مِنَ المُشْرِكِينَ، يُخْبِرُهُمْ ببَعْضِ أمْرِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا حَاطِبُ، ما هذا؟! قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، لا تَعْجَلْ عَلَيَّ؛ إنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ -يقولُ: كُنْتُ حَلِيفًا، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِهَا- وكانَ مَن معكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ مَن لهمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أهْلِيهِمْ وأَمْوَالَهُمْ، فأحْبَبْتُ -إذْ فَاتَنِي ذلكَ مِنَ النَّسَبِ فيهم- أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي، ولَمْ أفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عن دِينِي، ولَا رِضًا بالكُفْرِ بَعْدَ الإسْلَامِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَا إنَّه قدْ صَدَقَكُمْ، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسولَ اللَّهِ، دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هذا المُنَافِقِ، فَقالَ: إنَّه قدْ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ علَى مَن شَهِدَ بَدْرًا، فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ؛ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ.
فأنْزَلَ اللَّهُ السُّورَةَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} إلى قَوْلِهِ: {فقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] .
الراوي : علي بن أبي طالب المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4274 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (4274)، ومسلم (2494).
الخَطأُ والتَّقصيرُ صِفةٌ مُلازِمةٌ لجَميعِ البشَرِ، إلَّا مَن عصَمَهمُ اللهُ عزَّ وجلَّ مِن أنْبيائِه ورُسُلِه، والْتِماسُ الأعْذارِ للصَّالِحينَ وأصْحابِ سابِقاتِ الخَيرِ مِن شِيَمِ الكِرامِ.
وفي هذا الحَديثِ يَحْكي عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَرَه هو، والزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ، والمِقْدادَ بنَ الأسوَدِ رَضيَ اللهُ عنهم؛ أنْ يَنطَلِقوا حتَّى يَأْتوا «رَوْضةَ خاخٍ»، وهي مَوضِعٌ بيْن مكَّةَ والمَدينةِ، يَبعُدُ عنِ المَدينةِ اثنَيْ عشَرَ ميلًا؛ فإنَّ بهذا المَكانِ ظَعينةً، أي: امْرأةً مُسافِرةً في هَودَجٍ -قيلَ: اسْمُها سارةُ، وكانت مَوْلاةَ عَمرِو بنِ هِشامِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، وقيلَ: اسمُها كَنودُ، وتُكنَّى بأمِّ سارةَ- معَها رسالةٌ مكتوبةٌ، فلْيَأخُذوا منها هذه الرِّسالةَ.
فانطَلَقوا تَجْري بهم خَيلُهم حتَّى أتَوُا الرَّوْضةَ الَّتي ذكَرَها لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فوَجَدوا المرأةَ، وأمَروها أنْ تُخرِجَ الكِتابَ الَّذي معَها، فأنكَرَتْ أنَّ معَها كِتابًا، فأخْبَروها إمَّا أنْ تُخرِجَ الكِتابَ، أو يَخْلَعوا بأنفُسِهم عنها ثِيابَها حتَّى يَجِدوا الكتابَ، وهذا تَهديدٌ شَديدٌ لها، فأخرَجَتْه مِن عِقاصِها، وهو الشَّعرُ المَضْفورُ، أو الخَيْطُ الَّذي يُشَدُّ به أطْرافُ ذَوائبِ الشَّعرِ.
وأحْضَروا الكتابَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقُرِئَ، فإذا مكتوبٌ فيه: مِن حاطِبِ بنِ أبي بَلْتَعةَ، إلى ناسٍ بمكَّةَ منَ المُشرِكينَ، قيلَ: همْ صَفْوانُ بنُ أُمَيَّةَ، وسُهَيلُ بنُ عَمْرٍو، وعِكْرِمةُ بنُ أبي جَهلٍ.
ويُخبِرُهم حاطبٌ رَضيَ اللهُ عنه في هذا الكتابِ ببَعضِ أمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ مِن كَونِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ عزَمَ على غَزوِ مكَّةَ، وتَجهَّزَ لفَتحِها.
فسَألَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حاطِبًا عن رِسالَتِه تلك وقال: «ما هذا؟»، فطَلَبَ حاطبٌ رَضيَ اللهُ عنه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ألَّا يَعجَلَ عَليه، وبيَّن سَببَ فِعلِه بأنَّه كان امْرأً مُلْصَقًا في قُرَيشٍ -أي: حَليفًا لها- وليس له في القومِ أصلٌ ولا عَشيرةٌ، وأنَّ المُهاجِرينَ الذين هاجَروا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لهمْ في مكَّةَ قَراباتٌ ونَسَبٌ يَحْمُونَ بها أهْليهم وأموالَهم التي بمكَّةَ، فأحَبَّ حاطبٌ لمَّا لم يكُنْ مِثلَهم في النَّسَبِ، أنْ يَتَّخِذَ عندَ أهلِ مكَّةَ يَدًا -أي: مِنَّةً عليهم- يَحْمُونَ بها قَرابَتَه، وأنَّه لم يَفعَلْ ذلك ارْتِدادًا عن دِينِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولا رِضًا بالكُفرِ بعْدَ الإسْلامِ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَا أنَّه قدْ صَدَقَكم، فقال عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: يا رَسولَ اللهِ، دَعْني أضرِبْ عُنُقَ هذا المُنافِقِ، وقدْ قال عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه ذلك، برَغمِ إخبارِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه قدْ صَدَقَ فيما قال، وهذه الشَّهادةُ نافيةٌ للنِّفاقِ قَطعًا؛ لمَا كان عندَ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه مِن القوَّةِ في الدِّينِ، وبُغضِ المُنافِقينَ، وظنَّ أنَّ فِعلَ حاطبٍ رَضيَ اللهُ عنه هذا يُوجِبُ قَتلَه، لكنَّه لم يَجزِمْ بذلك؛ فلذا استَأذَنَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في قَتلِه، وأطلَقَ عليه النِّفاقَ لكَونِه أبطَنَ خِلافَ ما أظهَرَ، وقدْ عذَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عُمَرَ؛ لأنَّه كان مُتأوِّلًا؛ إذ لا ضرَرَ فيما فعَلَه، ولم يَأذَنْ رَسولُ اللهِ في قَتلِ حاطِبٍ رَضيَ اللهُ عنه، وبيَّنَ العِلَّةَ في تَرْكِ قَتلِه؛ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّه قد شَهِدَ بَدرًا، وما يُدْريكَ لعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ على مَن شَهِدَ بَدرًا فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم؛ فقدْ غفَرْتُ لكم»، وهذا خِطابُ تَشريفٍ وإكْرامٍ «اعْمَلوا ما شِئْتم»، أي: في المُستَقبَلِ؛ فقدْ غفَرْتُ لكم، والمُرادُ الغُفْرانُ لهم في الآخِرةِ، وعبَّرَ عمَّا سيَأْتي في الآخِرةِ بالفعلِ الماضي مُبالَغةً في تَحقُّقِه.
وقدْ أظهَرَ اللهُ تعالَى صِدقَ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في ذلك؛ فإنَّهم لم يَزالوا على أعْمالِ أهلِ الجنَّةِ إلى أنْ فارَقوا الدُّنْيا، ولم يقَعْ منهم ذَنبٌ في المُستَقبَلِ يُنافي عَقيدةَ الدِّينِ؛ ولذا قبِلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عُذرَ حاطبٍ رَضيَ اللهُ عنه؛ لمَا علِمَ مِن صحَّةِ عَقيدَتِه، وسَلامةِ قَلبِه، وأنزَلَ اللهُ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] ، والإلْقاءُ: إيصالُ المَوَدَّةِ إليهم، والمُرادُ بالعَداوةِ: العَداوةُ الدِّينيَّةُ الَّتي جعَلَتِ المُشرِكينَ يَحرِصونَ كلَّ الحِرصِ على أذَى المُسلِمينَ، والمَعنى: يا مَن آمَنْتم باللهِ تعالَى إيمانًا حقًّا، احْذَروا أنْ تَتَّخِذوا أعْدائي وأعْداءَكم أوْلياءَ، وأصْدِقاءَ، وحُلَفاءَ؛ بل جاهِدوهم، وأغْلِظوا عليهم، واقْطَعوا الصِّلةَ الَّتي بيْنكم وبيْنهم.
وناداهُمْ بصِفةِ الإيمانِ؛ لتَحْريكِ حَرارةِ العَقيدةِ الدِّينيَّةِ في قُلوبِهم، ولحَضِّهم على الاسْتِجابةِ لمَا نَهاهم عنه، وفي وَصفِهم بالإيمانِ دَليلٌ على أنَّ الإتْيانَ بالكَبيرةِ لا يُنافي أصْلَ الإيمانِ.
ثمَّ ساقَ سُبحانَه الأسْبابَ الَّتي مِن شَأْنِها حَملُ المؤمِنينَ على عدَمِ مُوالاةِ أعْداءِ اللهِ وأعْدائِهم؛ فبيَّنَ أنَّهم قد كَفَروا بما جاءَكم على لِسانِ رَسولِكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن الحقِّ الَّذي يَتمثَّلُ في القُرآنِ الكَريمِ، وفي كلِّ ما أوْحاه سُبحانه إلى رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولم يَكتَفوا بكُفرِهم بما جاءَكم أيُّها المؤمِنونَ مِن الحقِّ؛ بل تَجاوَزوا ذلك إلى مُحاوَلةِ إخْراجِ رَسولِكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإخْراجِكم مِن مكَّةَ؛ مِن أجْلِ إيمانِكم باللهِ ربِّكم، ثمَّ أكَّدَ سُبحانه الأمرَ بتَركِ مَودَّةِ المُشرِكينَ، فخاطَبَهم: إنْ كُنتم أيُّها المؤمِنونَ قدْ خرَجْتم مِن مكَّةَ مِن أجْلِ الجِهادِ في سَبيلي، ومِن أجْلِ طلَبِ مَرْضاتي؛ فاتْرُكوا اتِّخاذَ عَدوِّي وعَدوِّكم أوْلياءَ، واتْرُكوا مَودَّتَهم ومُصافاتَهم.
وقولُه سبحانَه: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} مَعْناها: تَفْعَلونَ ما تَفْعَلونَ مِن إلْقاءِ المَودَّةِ إلى عَدوِّي وعَدوِّكم، ومِن إسْرارِكم بها إليهم، والحالُ أنِّي أعلَمُ منهمْ ومنكم بما أخْفَيْتُموه في قُلوبِكم، وما أعْلَنْتُموه، ومُخبِرٌ رَسولَنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بذلك.
ثمَّ ختَمَ سُبحانَه الآيةَ بقَولِه: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}، أي: ومَن يَفعَلْ ذلك الاتِّخاذَ لعَدوِّي وعَدوِّكم أوْلياءَ، ويُلقِ إليهم بالمَودَّةِ؛ فقدْ أخْطأَ طَريقَ الحَقِّ والصَّوابِ.
وفي الحَديثِ: البَيانُ عَن بَعضِ أعْلامِ النُّبوَّةِ؛ وذلك إعْلامُ اللهِ تعالَى نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بخَبَرِ المَرْأةِ الحامِلةِ كِتابَ حاطِبٍ إلى قُرَيشٍ، ومَكانِها الَّذي هي به، وذلك كُلُّه بالوَحيِ.
[صحيح البخاري] (5/ 77) :
3983 - حدثني إسحاق بن إبراهيم: أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: سمعت حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد والزبير، وكلنا فارس، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين، معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين.
فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: الكتاب، فقالت: ما معنا كتاب، فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا، فقلنا: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتخرجن الكتاب أو لنجردنك، فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها، وهي محتجزة بكساء، فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله، قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ما صنعت.
قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق، ولا تقولوا له إلا خيرا.
فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه.
فقال: أليس من أهل بدر؟ فقال: لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، أو: فقد غفرت لكم.
فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.
صحيح مسلم (4/ 1941 ت عبد الباقي) :
161 - (2494) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر - واللفظ لعمرو - (قال إسحاق: أخبرنا.
وقال الآخرون: حدثنا) سفيان بن عيينة عن عمرو، عن الحسن بن محمد.
أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، وهو كاتب علي.
قال: سمعت عليا رضي الله عنه وهو يقول: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد.
فقال "ائتوا روضة خاخ.
فإن بها ظعينة معها كتاب.
فخذوه منها" فانطلقنا تعادى بنا خيلنا.
فإذا نحن بالمرأة.
فقلنا: أخرجي الكتاب.
فقالت: ما معي كتاب.
فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب.
فأخرجته من عقاصها.
فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين، من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا حاطب! ما هذا؟ " قال: لا تعجل علي يا رسول الله! إني كنت امرأ ملصقا في قريش (قال سفيان: كان حليفا لهم.
ولم يكن من أنفسها) وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم.
فأحببت، إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي.
ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني.
ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم "صدق" فقال عمر" دعني.
يا رسول الله! أضرب عنق هذا المنافق.
فقال "إنه قد شهد بدرا.
وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم.
فقد غفرت لكم".
فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [[60 /الممتحنة /1]].
وليس في حديث أبي بكر وزهير ذكر الآية.
وجعلها إسحاق، في روايته، من تلاوة سفيان.
صحيح مسلم (4/ 1942 ت عبد الباقي) :
161 - م - (2494) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.
حدثنا محمد بن فضيل.
ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم.
أخبرنا عبد الله بن إدريس.
ح وحدثنا رفاعة بن الهيثم الواسطي.
حدثنا خالد (يعني ابن عبد الله).
كلهم عن حصين، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي .
قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام.
وكلنا فارس.
فقال "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ.
فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب إلى المشركين" فذكر بمعنى حديث عبيد الله بن أبي رافع عن علي.