قَدِمْتُ مُتَمَتِّعًا مَكَّةَ بعُمْرَةٍ، فَدَخَلْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بثَلَاثَةِ أيَّامٍ، فَقالَ لي أُنَاسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ: تَصِيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكِّيَّةً.
فَدَخَلْتُ علَى عَطَاءٍ أسْتَفْتِيهِ، فَقالَ: حدَّثَني جَابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ رَضيَ اللهُ عنهمَا: أنَّه حَجَّ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ سَاقَ البُدْنَ معهُ وقدْ أهَلُّوا بالحَجِّ مُفْرَدًا، فَقالَ لهمْ: أحِلُّوا مِن إحْرَامِكُمْ بطَوَافِ البَيْتِ، وبيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وقَصِّرُوا، ثُمَّ أقِيمُوا حَلَالًا، حتَّى إذَا كانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فأهِلُّوا بالحَجِّ، واجْعَلُوا الَّتي قَدِمْتُمْ بهَا مُتْعَةً، فَقالوا: كيفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وقدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ؟ فَقالَ: افْعَلُوا ما أمَرْتُكُمْ، فَلَوْلَا أنِّي سُقْتُ الهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الذي أمَرْتُكُمْ، ولَكِنْ لا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ.
فَفَعَلُوا.
أخرجه البخاري (1568)، ومسلم (1216)
التَّمتُّعُ في الحجِّ هو أنْ يُحْرِمَ الحاجُّ بالعُمْرَةِ في أشهُرِ الحَجِّ، ثمَّ يَحِلَّ منها، ثم يُحْرِمَ بالحَجِّ مِن عامِه، فإذا قدِمَ مكَّةَ في أشهُرِ الحجِّ واعتَمَر وانْتَهى مِن عُمرتِه، فله أنْ يَتحلَّلَ مِن إحرامِه، ويَتمتَّعَ بكلِّ ما هو حلالٌ حتَّى تبدَأَ مَناسِكُ الحجِّ.
وفي هذا الحديثِ يَرْوي التابعيُّ أبُو شِهابٍ عبدُ ربِّه بْنُ نافعٍ أنَّه قَدِمَ إلى مكَّةَ مُتَمَتِّعًا بعُمْرةٍ وأهَلَّ بذلك، فوَصَلوا مكَّةَ ودَخَلوها قَبْلَ يومِ التَّرْوِيَةِ -وهو اليومُ الثَّامِنُ مِن ذي الحِجَّةِ- بثَلَاثةِ أيَّامٍ، وسُمِّيَ يومُ التَّرويةِ بذلك؛ لأنَّ الحُجَّاجَ كانوا يَرْتَوُونَ فيه مِن الماءِ لِما بعْدَه، أي: يَستَقُون ويَسْقُون إبِلَهم فيه، استِعدادًا للوُقوفِ يومَ عرَفةَ، فَقالَ له بعضُ الناسِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: تَصِيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكِّيَّةً، حيثُ تَفوتُك فَضيلةُ الإحرامِ مِن المِيقاتِ، فتُشْبِهُ في ذلك حَجَّةَ أهلِ مكَّةَ الذين لا يُحرِمون مِن مِيقاتٍ مُعيَّنٍ، بلْ يُحرِمون للحجِّ مِن مَكانِهم، فذَهَبَ أبو شِهابٍ إلى التابعيِّ عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ لِيَسأَلَه في ذلك ويَسْتفتيهِ، فحَدَّثَه أنَّ جَابِرَ بنَ عبدِ الله رَضيَ اللهُ عنهما أخْبَرَهُ أنَّه حجَّ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومَ ساقَ البُدْنَ معَه مِن المدينةِ إلى مَكَّةَ في حَجَّةِ الوَداعِ في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهجرةِ، والبُدْنُ يُقصَدُ بها الهَدْيُ، والهدْيُ: اسمٌ لِما يُهدَى ويُذبَحُ في الحرَمِ مِن الإبلِ والبقَرِ والغنَمِ والمَعْزِ، وقد أهَلُّوا بالحَجِّ مُفرَدًا، أي: أَحرَموا مُفرِدينَ بالحَجِّ، والمرادُ بالإهلالِ هنا: قَصْدُ النِّيَّةِ في الإحرامِ، وهو في الأصلِ رفْعُ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، فأمَرَهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عِندَ قُدومِهم إلى مَكَّةَ أنْ يَحِلُّوا مِن إحرامِهِم، فيَفسَخوا الحَجَّ إلى العُمرةِ، ويَتحلَّلوا مِن عُمرَتِهم بالطَّوافِ والسَّعيِ والتَّقصيرِ، ثمَّ يُقيموا حَلالًا، يَحِلُّ لهُم كُلُّ شَيءٍ حتَّى المُعاشَرةُ والجِماعُ للنِّساءِ، حتَّى إذا كانَ يومُ التَّرويةِ وهو اليومُ الثامِنُ مِن ذي الحِجَّةِ، فعلَيهم أنْ يُهِلُّوا، أي: يُحرِموا بالحَجِّ، ويَتَوجَّهوا إلى عَرَفَةَ، ويَجعَلوا الأفعال الَّتي قَدِموا بها تَمتُّعًا بالعُمرةِ.
فسَأَل الصَّحابةُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: كيفَ يَجعَلون نُسكَهم الأوَّلَ عُمرةً ومُتْعَةً بها وهم قدْ أحْرَموا بنِيةِ الحَجَّ؟ فأمَرَهم أنْ يَفعَلوا ما أمَرَهم به، وأخْبَرَهم أنَّه لَولا أنَّه ساقَ الهَديَ لفَعَلَ مِثلَ الَّذي أمَرَهُم به، وفَسَخَ الحَجَّ إلى العُمرةِ، ولكِن ذلك لا يَحِلُّ له ولا يَحِلُّ له فِعلُ شَيءٍ مِن مَحظوراتِ الإحرامِ حتَّى يَصِلَ الهدْيُ إلى المَكانِ الَّذي يُنحَرُ فيه بِمِنًى يومَ النَّحرِ في العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ؛ فاستجابَ الصحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم لأمْرِ النبيِّ على الفورِ وفعَلوا ما أمَرَهم به.
وبذلك أبطَلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عاداتِ الجاهليَّةِ التي كانتْ تُحرِّمُ العُمرةَ في أشهُرِ الحجِّ، وأقَرَّ شَريعةَ الإسلامِ وما فيها مِن التَّوسعةِ في أُمورِ الحجِّ والعُمرةِ.
وفي الحديثِ: مَشروعيَّةُ التَّمتُّعِ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ.
وفيه: طاعةُ الصَّحابةِ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
[صحيح البخاري] (2/ 143) 1568- حدثنا أبو نعيم: حدثنا أبو شهاب: قال: ((قدمت متمتعا مكة بعمرة، فدخلنا قبل التروية بثلاثة أيام، فقال لي أناس من أهل مكة: تصير الآن حجتك مكية، فدخلت على عطاء أستفتيه، فقال: حدثني جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردا، فقال لهم: أحلوا من إحرامكم، بطواف البيت وبين الصفا والمروة، وقصروا، ثم أقيموا حلالا، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمينا الحج.
فقال: افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله.
ففعلوا)).
[صحيح مسلم] (2/ 883 ) ((141- (1216) وحدثني محمد بن حاتم.
حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج.
أخبرني عطاء.
قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، في ناس معي.
قال
أهللنا، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، بالحج خالصا وحده.
قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح رابعة مضت من ذي الحجة.
فأمرنا أن نحل.
قال عطاء: قال ((حلوا وأصيبوا النساء)).
قال عطاء: ولم يعزم عليهم.
ولكن أحلهن لهم فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا.
فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني! قال يقول جابر بيده (كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها) قال فقام النبي صلى الله عليه وسلم فينا.
فقال: ((قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم.
ولولا هديي لحللت كما تحلون.
ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي.
فحلوا)) فحللنا وسمعنا وأطعنا.
قال عطاء: قال جابر فقدم علي من سعايته.
فقال ((بم أهللت؟)) قال: بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فأهد وامكث حراما)) قال: وأهدى له علي هديا.
فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال ((لأبد)).
142- (1216) حدثا ابن نمير.
حدثي أبي.
حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
قال
أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج.
فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة.
فكبر ذلك علينا.
وضاقت به صدورنا.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
فما ندري أشيء بلغه من السماء، أم شيء من قبل الناس! فقال: ((أيها الناس! أحلوا.
فلولا الهدي الذي معي، فعلت كما فعلتم)) قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء.
وفعلنا ما يفعل الحلال.
حتى إذا كان يوم التروية،، وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج.
143- (1216) وحدثنا ابن نمير.
حدثنا أبو نعيم.
حدثنا موسى بن نافع .
قال
قدمت مكة متمتعا بعمرة.
قبل التروية بأربعة أيام.
فقال الناس: تصير حجتك الآن مكية.
فدخلت على عطاء بن أبي رباح فاستفتيته.
فقال عطاء: حدثني جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهم؛ أنه حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ساق الهدي معه.
وقد أهلوا بالحج مفردا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحلوا من إحرامكم.
فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة.
وقصروا.
وأقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج.
واجعلوا التي قدمتم بها متعة)).
قالوا: كيف جعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال
((افعلوا ما آمركم به.
فإني لولا أني سقت الهدي، لفعلت مثل الذي أمرتكم به.
ولكن لا يحل مني حرام.
حتى يبلغ الهدي محله)) ففعلوا.
144- (1216) وحدثنا محمد بن معمر بن ربعي القيسي.
حدثنا أبو هشام المغيرة بن سلمة المخزومي عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
قال
قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج.
فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة.
ونحل.
قال: وكان معه الهدي.
فلم يستطع أن يجعلها عمرة.