- جَلَسْتُ مع شَيبَةَ علَى الكُرْسِيِّ في الكَعْبَةِ ، فَقالَ: لقَدْ جَلَسَ هذا المَجْلِسَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه، فَقالَ: لقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ ولَا بَيْضَاءَ إلَّا قَسَمْتُهُ.
قُلتُ: إنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا، قالَ: هُما المَرْآنِ أَقْتَدِي بهِمَا.
أخرجه أبو داود (2031)، وابن ماجه (3116)، وأحمد (15382) جميعهم باختلاف يسير.
الكَعبةُ بَيتُ اللهِ الحرامُ، لا يَنْبغي العبَثُ بها وبمُقتنياتِها، وقد عظَّمَها الأنبياءُ بتَعظيمِ اللهِ عزَّ وجلَّ لها.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ التابعيُّ أبو وائِلٍ شَقيقُ بنُ سَلَمةَ أنَّه جَلَسَ على كُرسِيٍّ في الكَعْبةِ مع شَيبَةَ بنِ عُثمانَ بنِ طَلْحةَ حاجبِ الكَعبةِ وخادِمِها، وفي رِوايةٍ عندَ ابنِ ماجهْ: «بَعَثَ معي رجُلٌ بدَراهمَ هَديَّةً إلى البيتِ، فدخَلْتُ البيتَ وشَيبةُ جالسٌ على كُرسِيٍّ، فَناوَلْتُه إيَّاها، فقال: لكَ هذه؟ فقلْتُ: لا، ولو كانتْ لي لمْ آتِكَ بها، قال: أمَا إنْ قُلتَ ذلك فقدْ جَلَسَ عمرُ بنُ الخطَّابِ مَجلِسَك الذي أنتَ فيه»، وأخْبَرَه أنَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه هَمَّ ألَّا يَترُكَ في الكَعبةِ صَفراءَ ولا بَيضاءَ أيْ ذهَبًا ولا فِضَّةً إلَّا قَسَمَه بيْن الناسِ، وأراد بذلك الكَنزَ الذي بها، وهو ما كان يُهْدَى إليها، فيُدخَّرُ ما يَزيدُ عن الحاجةِ؛ فقدْ كانوا في الجاهليَّةِ يُهْدون إلى الكَعبةِ المالَ تَعظيمًا لها، فيَجتمِعُ فيها.
فلمَّا أخبَرَهُ شَيبةُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ صاحِبَيه -النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأبا بكرٍ رَضيَ اللهُ عنه- لم يَفعَلَا ذلك، وقد رَأَيَا كَنزَ الكَعبةِ وعَلِموا مَكانَه، وهما كانا أحوَجَ مِن عُمَرَ إلى المالِ، ومع ذلك لم يُحرِّكاهْ ولم يَقسِماهُ على الفُقراءِ؛ قال عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: هما الرَّجُلانِ الكامِلانِ لا أخرُجُ عن فِعلِهما، بلْ أَقتَدي بهِما.
قيل: يَحتمِلُ أنْ يكونَ تَرْكُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لذلك رِعايةً لقُلوبِ قُريشٍ، كما تَرَكَ بِناءَ الكَعبةِ على قَواعدِ إبراهيمَ، ويُؤيِّدُه ما وَقَعَ عندَ مُسلِمٍ في بَعضِ طُرقِ حَديثِ عائشةَ في بِناءِ الكَعبةِ: «لَأنفَقْتُ كَنزَ الكَعبةِ في سَبيلِ اللهِ».
وعلى هذا فإنفاقُه جائزٌ، كما جازَ لِعبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ رَضيَ اللهُ عنهما بِناؤُها على قَواعدِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ؛ لِزَوالِ سَببِ الامتِناعِ.
وقولُه: «في سَبيلِ اللهِ» يُحمَلُ على أوجُهِ الخَيرِ لِلمُسلِمِينَ أو عِمارةِ الكَعبةِ نَفسِها.
وفي الحديثِ: التَّأسِّي بفِعْلِ الأنبياءِ والصَّالحينَ.
وفيه: اتِّباعُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه سُنَّةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، واقتِفاءُ أَثَرِه في أفْعالِه.
وفيه: تَعظيمُ أمْرِ الكَعبةِ وما يَتعلَّقُ بها.
[صحيح البخاري] (معتمد) (2/ 149)
1594 - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا سفيان، حدثنا واصل الأحدب، عن أبي وائل، قال: جئت إلى شيبة، ح وحدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر رضي الله عنه، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته.
قلت: إن صاحبيك لم يفعلا، قال: هما المرءان أقتدي بهما
سنن أبي داود (2/ 215) 2031 - حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن الشيباني، عن واصل الأحدب، عن شقيق، عن شيبة يعني ابن عثمان ، قال: قعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مقعدك الذي أنت فيه، فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة قال: قلت: ما أنت بفاعل، قال: بلى، لأفعلن قال: قلت: ما أنت بفاعل، قال: لم؟، قلت: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى مكانه وأبو بكر رضي الله عنه، وهما أحوج منك إلى المال فلم يخرجاه فقام فخرج
[سنن ابن ماجه] (2/ 1040) 3116 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا المحاربي، عن الشيباني، عن واصل الأحدب، عن شقيق، قال: بعث رجل معي بدراهم هدية إلى البيت، قال: فدخلت البيت وشيبة جالس على كرسي، فناولته إياها، فقال: ألك هذه؟ قلت: لا، ولو كانت لي، لم آتك بها، قال: أما لئن قلت ذلك، لقد جلس عمر بن الخطاب مجلسك الذي جلست فيه، فقال: لا أخرج، حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين قلت: ما أنت فاعل، قال: لأفعلن، قال: ولم ذاك؟ قلت: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى مكانه، وأبو بكر وهما أحوج منك إلى المال، فلم يحركاه، فقام كما هو، فخرج
[مسند أحمد] مخرجا (24/ 102) 15382 - حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل، قال: جلست إلى شيبة بن عثمان ، فقال: جلس عمر بن الخطاب في مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أدع في الكعبة صفراء، ولا بيضاء إلا قسمتها بين الناس، قال: قلت: ليس ذلك لك، قد سبقك صاحباك، لم يفعلا ذلك ، فقال: هما المرءان يقتدى بهما