كُنَّا جُلُوسًا مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومعهُ عُودٌ يَنْكُتُ في الأرْضِ، وقالَ: ما مِنكُم مِن أحَدٍ إلَّا قدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أوْ مِنَ الجَنَّةِ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: ألَا نَتَّكِلُ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: لَا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ.
ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَن أعْطَى واتَّقَى} [الليل: 5] الآيَةَ.
أخرجه مسلم (2647)، والترمذي (2136)، وأحمد (1181)، وأبو يعلى (610) جميعا بنحوه .
كُنَّا في جَنَازَةٍ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فأتَانَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقَعَدَ وقَعَدْنَا حَوْلَهُ، ومعهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ما مِنكُم مِن أحَدٍ وما مِن نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، وإلَّا قدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أوْ سَعِيدَةً.
قالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أفَلَا نَتَّكِلُ علَى كِتَابِنَا ونَدَعُ العَمَلَ؟ فمَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، ومَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ الشَّقَاءِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ، قالَ: أمَّا أهْلُ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، وأَمَّا أهْلُ الشَّقَاوَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاءِ.
ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} [الليل: 5، 6] الآيَةَ.
الراوي : علي بن أبي طالب المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4948 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2647)، وأبو يعلى (582) كلاهما باختلاف يسير، وأبو داود (4694)، والترمذي (3344) كلاهما بنحوه .
في هذا الحَديثِ يَحكي عَليُّ بن أبي طالب رَضِيَ اللهُ عنه أن الصَّحابة رَضِيَ اللهُ عنهم كانوا في جِنازةٍ في بَقيعِ الغَرْقَدِ، وهو ما عَظُمَ مِن شَجَرِ العَوسَجِ، كان يَنبُتُ فيه، فذهَبَ الشَّجَرُ وبَقِيَ الاسمُ لازمًا للمَكانِ، وهي مَقْبَرةُ المَدينةِ، إلى جوارِ المسجِدِ النَّبويِّ الشَّريفِ، فجاءهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقَعَدَ وَقَعَدوا حَولَه، ومَعَه «مِخْصَرةٌ»، أي: وهي عَصا يُتوكَّأُ عليها، فَخفض رأسَه وطأطأ إلى الأرضِ على هيئةِ المهمومِ المفَكِّرِ، كما هي عادةُ من يتفَكَّرُ في شَيءٍ حتى يستحضِرَ معانِيَه، فيحتَمِلُ أن يكونَ ذلك تفكُّرًا منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أمرِ الآخِرةِ؛ لقرينةِ حُضورِ الجِنازةِ، أو فيما أبداه بعد ذلك لأصحابِه، فَجَعَلَ يضرِبُ في الأَرْضِ بالعَصَا، ثُمَّ ذكَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه ما مِنهُم مِن أحَدٍ وما مِن نَفْسٍ مَولودةٍ ومَخلوقةٍ، إلَّا كُتِبَ مَكانُها -يعني: قُدِّر وعُيِّن- الَّذي تَصيرُ إلَيه مِن الجَنَّةِ والنَّارِ، إلَّا وقَدْ كُتِبَتْ شَقيَّةً، أي: مُعَذَّبةً بالنَّارِ، أو سَعيدةً وفَرِحةٌ بالْجَنَّةِ.
فَسَأَلَ رَجُلٌ -قيل: هو عَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وقيل غيرُه-: «يا رَسولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ عَلى كِتابِنا ونَدَعُ العَمَلَ؟» يعني: أفلا نعتَمِدُ على ما قُدِّرَ علينا، ونترُكَ العَمَلَ؛ فَمَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ السَّعادةِ فَسَيَصيرُ -أي: سيَجُرُّه القَضاءُ- إلى عَمَلِ أهْلِ السَّعادةِ، أي: قَهرًا ويكونُ مآلُ حالِه ذلك بدونِ اختيارِه، ومَن كان مِنَّا مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَسَيَصيرُ إلى عَمَلِ أهلِ الشَّقاوةِ -يعني: قَهْرًا-؟ وحاصِلُ السُّؤالِ: ألَا نَترُكُ مَشَقَّةَ العَمَلِ، ما دام أنَّنا سنصيرُ إلى ما قُدِّرَ علينا، وأنَّ السَّعيَ لا يَرُدُّ قَضاءَ اللهِ وقَدَرَه؟ وحاصِلُ الجَوابِ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّه لا مشَقَّةَ؛ لأنَّ كُلَّ أحدٍ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له، وهو يسيرٌ على من يسَّره اللهُ عليه.
فمنعهم عن الاتِّكالِ، وتَرْكِ العَمَلِ، وأمرهم بالتزامِ ما يجِبُ على العَبدِ مِن العُبوديَّةِ، مع عدمِ جَعلِ العِبادةِ وتَرْكِها سببًا مُستَقِلًّا لدُخولِ الجنَّةِ والنَّارِ، بل هي علاماتٌ فقط.
ثُمَّ قَرَأَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -تصديقًا لإجابتِه- قوْلَ اللهِ تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5 - 10] .
وفي الحَديثِ: مشروعيَّةُ الموعِظةِ عند القَبرِ.
وفيه: الجَمعُ بين الإيمانِ بالقَدَرِ، والأخذِ بالأسبابِ في العَمَلِ.
[صحيح البخاري] (8/ 123) :
6605 - حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي رضي الله عنه قال: كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عود ينكت في الأرض وقال: ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار، أو من الجنة فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا اعملوا فكل ميسر ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى} الآية.
[صحيح مسلم] (4/ 2040 ) :
7 - (2647) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وأبو سعيد الأشج.
قالوا: حدثنا وكيع.
ح وحدثنا ابن نمير.
حدثنا أبي.
حدثنا الأعمش.
ح وحدثنا أبو كريب (واللفظ له).
حدثنا أبو معاوية.
حدثنا الأعمش عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا وفي يده عود ينكت به.
فرفع رأسه فقال "ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار".
قالوا: يا رسول الله! فلم نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال "لا.
اعملوا.
فكل ميسر لما خلق له".
ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى* إلى قوله فسنيسره للعسرى} [92 /الليل /5 - 10].
سنن الترمذي (4/ 445) :
2136 - حدثنا الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا عبد الله بن نمير، ووكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينكت في الأرض إذ رفع رأسه إلى السماء ثم قال: " ما منكم من أحد إلا قد علم ـ وقال وكيع: إلا قد كتب ـ مقعده من النار ومقعده من الجنة "، قالوا: أفلا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له: هذا حديث حسن صحيح.
[مسند أحمد] (2/ 371 ط الرسالة) :
1181 - حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان في جنازة، فأخذ عودا ينكت في الأرض فقال: " ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار، أو من الجنة ".
قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل؟ قال: " اعملوا فكل ميسر: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى.
وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} ".
قال شعبة: وحدثني به منصور بن المعتمر فلم أنكر من حديث سليمان شيئا.
مسند أبي يعلى (1/ 454 ت حسين أسد) :
610 - حدثنا زهير، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقلنا: يا رسول الله، أفلا تتكل؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر، ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} [الليل: 6].