كُنَّا في جِنَازَةٍ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فأتَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمعهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ما مِنكُم مِن أَحَدٍ، ما مِن نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، إلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وإلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً، أَوْ سَعِيدَةً، قالَ فَقالَ رَجَلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، أَفلا نَمْكُثُ علَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَقالَ: مَن كانَ مِن أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَن كانَ مِن أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5- 10].

وفي روايةٍ : بهذا الإسْنَادِ في مَعْنَاهُ.

وَقالَ فأخَذَ عُودًا، وَلَمْ يَقُلْ: مِخْصَرَةً.

وَقالَ ابنُ أَبِي شيبَةَ في حَديثِهِ، عن أَبِي الأحْوَصِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ.

الدلالات الموضوعية:# قدر - الإيمان بالقدر# تفسير آيات - سورة الليل# قدر - كل شيء بقدر# قدر - الأمر بالعمل وترك العجز# قدر - كتاب أهل الجنة وأهل النار# رقائق وزهد - الموعظة عند القبر
المصدر: صحيح مسلم
الراوي: علي بن أبي طالب
المحدث: مسلم
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (1362)، وأبو داود (4694) باختلاف يسير، والترمذي (2136)، وابن ماجه (78) مختصرا.أخرجه البخاري (4948)، وأبو يعلى (582) كلاهما باختلاف يسير، وأبو داود (4694)، والترمذي (3344) كلاهما بنحوه .

الشرح والتوضيح

كُنَّا في جَنَازَةٍ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فأتَانَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقَعَدَ وقَعَدْنَا حَوْلَهُ، ومعهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ما مِنكُم مِن أحَدٍ وما مِن نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، وإلَّا قدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أوْ سَعِيدَةً.

قالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أفَلَا نَتَّكِلُ علَى كِتَابِنَا ونَدَعُ العَمَلَ؟ فمَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، ومَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ الشَّقَاءِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ، قالَ: أمَّا أهْلُ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، وأَمَّا أهْلُ الشَّقَاوَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاءِ.

ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} [الليل: 5، 6] الآيَةَ.

الراوي : علي بن أبي طالب المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4948 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2647)، وأبو يعلى (582) كلاهما باختلاف يسير، وأبو داود (4694)، والترمذي (3344) كلاهما بنحوه .

في هذا الحَديثِ يَحكي عَليُّ بن أبي طالب رَضِيَ اللهُ عنه أن الصَّحابة رَضِيَ اللهُ عنهم كانوا في جِنازةٍ في بَقيعِ الغَرْقَدِ، وهو ما عَظُمَ مِن شَجَرِ العَوسَجِ، كان يَنبُتُ فيه، فذهَبَ الشَّجَرُ وبَقِيَ الاسمُ لازمًا للمَكانِ، وهي مَقْبَرةُ المَدينةِ، إلى جوارِ المسجِدِ النَّبويِّ الشَّريفِ، فجاءهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقَعَدَ وَقَعَدوا حَولَه، ومَعَه «مِخْصَرةٌ»، أي: وهي عَصا يُتوكَّأُ عليها، فَخفض رأسَه وطأطأ إلى الأرضِ على هيئةِ المهمومِ المفَكِّرِ، كما هي عادةُ من يتفَكَّرُ في شَيءٍ حتى يستحضِرَ معانِيَه، فيحتَمِلُ أن يكونَ ذلك تفكُّرًا منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أمرِ الآخِرةِ؛ لقرينةِ حُضورِ الجِنازةِ، أو فيما أبداه بعد ذلك لأصحابِه، فَجَعَلَ يضرِبُ في الأَرْضِ بالعَصَا، ثُمَّ ذكَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه ما مِنهُم مِن أحَدٍ وما مِن نَفْسٍ مَولودةٍ ومَخلوقةٍ، إلَّا كُتِبَ مَكانُها -يعني: قُدِّر وعُيِّن- الَّذي تَصيرُ إلَيه مِن الجَنَّةِ والنَّارِ، إلَّا وقَدْ كُتِبَتْ شَقيَّةً، أي: مُعَذَّبةً بالنَّارِ، أو سَعيدةً وفَرِحةٌ بالْجَنَّةِ.

فَسَأَلَ رَجُلٌ -قيل: هو عَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وقيل غيرُه-: «يا رَسولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ عَلى كِتابِنا ونَدَعُ العَمَلَ؟» يعني: أفلا نعتَمِدُ على ما قُدِّرَ علينا، ونترُكَ العَمَلَ؛ فَمَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ السَّعادةِ فَسَيَصيرُ -أي: سيَجُرُّه القَضاءُ- إلى عَمَلِ أهْلِ السَّعادةِ، أي: قَهرًا ويكونُ مآلُ حالِه ذلك بدونِ اختيارِه، ومَن كان مِنَّا مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَسَيَصيرُ إلى عَمَلِ أهلِ الشَّقاوةِ -يعني: قَهْرًا-؟ وحاصِلُ السُّؤالِ: ألَا نَترُكُ مَشَقَّةَ العَمَلِ، ما دام أنَّنا سنصيرُ إلى ما قُدِّرَ علينا، وأنَّ السَّعيَ لا يَرُدُّ قَضاءَ اللهِ وقَدَرَه؟ وحاصِلُ الجَوابِ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّه لا مشَقَّةَ؛ لأنَّ كُلَّ أحدٍ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له، وهو يسيرٌ على من يسَّره اللهُ عليه.

فمنعهم عن الاتِّكالِ، وتَرْكِ العَمَلِ، وأمرهم بالتزامِ ما يجِبُ على العَبدِ مِن العُبوديَّةِ، مع عدمِ جَعلِ العِبادةِ وتَرْكِها سببًا مُستَقِلًّا لدُخولِ الجنَّةِ والنَّارِ، بل هي علاماتٌ فقط.

ثُمَّ قَرَأَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -تصديقًا لإجابتِه- قوْلَ اللهِ تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5 - 10] .

وفي الحَديثِ: مشروعيَّةُ الموعِظةِ عند القَبرِ.

وفيه: الجَمعُ بين الإيمانِ بالقَدَرِ، والأخذِ بالأسبابِ في العَمَلِ.

الأصول والأحكام

[صحيح مسلم] (4/ 2040) 7 - (2647) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وأبو سعيد الأشج، قالوا: حدثنا وكيع، ح وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، ح وحدثنا أبو كريب - واللفظ له - حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم جالسا وفي يده عود ينكت به، فرفع رأسه فقال: ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار قالوا: يا رسول الله فلم نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى} [الليل: 6]، إلى قوله {فسنيسره للعسرى} [الليل: 10]

[صحيح البخاري] (2/ 96) 1362 - حدثنا عثمان، قال: حدثني جرير، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتب شقية أو سعيدة فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل الشقاوة ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى} [الليل: 6] الآية.

سنن أبي داود (4/ 222) 4694 - حدثنا مسدد بن مسرهد، حدثنا المعتمر، قال: سمعت منصور بن المعتمر، يحدث عن سعد بن عبيدة، عن عبد الله بن حبيب أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي عليه السلام، قال: كنا في جنازة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقيع الغرقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس ومعه مخصرة، فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب الله مكانها من النار أو من الجنة، إلا قد كتبت شقية، أو سعيدة، قال: فقال رجل من القوم: يا نبي الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة ومن كان من أهل الشقوة ليكونن إلى الشقوة؟ قال: " اعملوا فكل ميسر: أما أهل السعادة فييسرون للسعادة، وأما أهل الشقوة، فييسرون للشقوة " ثم قال نبي الله: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} [الليل: 6]

[سنن الترمذي] (4/ 445) 2136 - حدثنا الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا عبد الله بن نمير، ووكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينكت في الأرض إذ رفع رأسه إلى السماء ثم قال: " ما منكم من أحد إلا قد علم ـ وقال وكيع: إلا قد كتب ـ مقعده من النار ومقعده من الجنة "، قالوا: أفلا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له: هذا حديث حسن صحيح

[سنن ابن ماجه] (1/ 30) 78 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع، ح وحدثنا علي بن محمد قال: حدثنا أبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ، قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم وبيده عود، فنكت في الأرض، ثم رفع رأسه، فقال ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار ، قيل: يا رسول الله، أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا ولا تتكلوا، فكل ميسر لما خلق له .

ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} [الليل: 6]

أحاديث ذات صلة