- قَدِمَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ، وأَمَرَ ببِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقالَ: يا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي ، فَقالوا: لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَّا إلى اللَّهِ، فأمَرَ بقُبُورِ المُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ.
أخرجه البخاري (1868)، ومسلم (524)
كان أوَّلُ عمَلٍ قام به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعْدَ هِجرتِه إلى المدينةِ هو بِناءَ المسجِدِ؛ لِما للمَساجدِ مِن أهمِّيَّةٍ بالغةٍ في الإسلامِ؛ فهي بُيوتُ اللهِ في الأرضِ؛ ففيها تُقامُ الصَّلواتُ، ويُذكَرُ اسمُ اللهِ كثيرًا.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أنسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لَمَّا قدِم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن مكَّةَ مُهاجرًا إلى المدينةِ دارِ الإسلامِ، أمَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ببِناءِ المسجدِ، وكانت الأرضُ التي سيُبْنى عليها المسجِدُ مَوضِعَ بُستانٍ لِبَعضِ بَني النَّجَّارِ، وهمْ بَيتٌ مِن بُيوتِ الأنصارِ، وهمْ أخوالُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فاستَدْعاهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وطلَبَ منهم أنْ يُقدِّروا ثَمَنَ أرضِهم؛ حتَّى يَشتريَها منهم ويَبنيَ عليها المسجِدَ، فأبَوْا أنْ يَأخُذوا مالًا مُقابلَ الأرضِ، وأخبَروه أنَّهم لا يُريدون إلَّا أجْرًا وثَوابًا مِن اللهِ عزَّ وجلَّ، وكان في هذه الأرضِ قُبورٌ للمُشرِكين، فنُبِشَت لاستخراجِ الجُثَثِ منها؛ إذ ليس للمُشرِكينَ الحُرمةُ الَّتي للمُسلِمينَ، وكان فيها بَقايا بُيوتٍ مُهدَّمةٍ، فسُوِّيَت بالأرضِ، وكان فيها نَخْلٌ فقُطِع ليُستخدَمَ في بِناءِ المسجدِ، فجَعَلوه في قِبلَتِه.
وإنَّما قَطَعَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الشَّجَرَ والنَّخلَ؛ لأنَّه كان في أوَّلِ الهِجرةِ، وحَديثُ تَحريمِ قطْعِ شَجَرِ المدينةِ –الذي في الصَّحيحَينِ- إنَّما كان بعْدَ رُجوعِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن خَيبرَ.
أو أنَّ النَّهيَ عنه مَقصورٌ على القَطْعِ الَّذي يَحصُلُ به الإفسادُ، فأمَّا مَن يَقصِدُ الإصلاحَ فلا.
أو النَّهيُ إنَّما يَتوجَّهُ إلى ما أنْبَتَه اللهُ مِن الشَّجَرِ ممَّا لا صُنْعَ للآدميِّ فيه.
وفي الحديثِ: فَضيلةٌ ومَنقبةٌ لبَني النَّجَّارِ مِن الأنصارِ.
وفيه: دَليلٌ على عدَمِ الصَّلاةِ في المَقبرةِ، ولو كانتْ قُبورَ المشركينَ؛ لِما فيه مِن سَدِّ الذَّريعةِ إلى اتِّخاذِ القُبورِ مَساجِدَ؛ فإنَّه إذا تَطاوَلَ العَهدُ، ولم تُعرَفِ الحالُ، خُشِيَ مِن ذلك الفِتنةُ.
وفيه: دَليلٌ على أنَّ المَقبرةَ إذا نُبشَتْ، وأُخرِج ما فيها مِن عِظامِ المَوتَى؛ لم تَبْقَ مَقبرةً، وتُشرَعُ الصَّلاةُ فيها.
وفيه: دَليلٌ على مَشروعيَّةِ قَطْعِ النَّخلِ والأشجارِ للمَصلحةِ العامَّةِ.
وفيه: دَعوةٌ إلى بِناءِ المساجدِ في المُدنِ والقُرى التي تَنشَأُ حَديثًا ويَستوطِنُها المسلِمونَ.
[صحيح البخاري] (3/ 20) :
1868 - حدثنا أبو معمر : حدثنا عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس رضي الله عنه: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وأمر ببناء المسجد، فقال: يا بني النجار، ثامنوني، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فأمر بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد.
[صحيح مسلم] (2/ 65) :
9 - (524) حدثنا يحيى بن يحيى، وشيبان بن فروخ ، كلاهما عن عبد الوارث .
قال يحيى: أخبرنا عبد الوارث بن سعيد ، عن أبي التياح الضبعي ، حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فنزل في علو المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف.
فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم إنه أرسل إلى ملإ بني النجار فجاؤوا متقلدين بسيوفهم.
قال: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد.
قال: فأرسل إلى ملإ بني النجار فجاؤوا فقال: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا قالوا: لا، والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.
قال أنس: فكان فيه ما أقول: كان فيه نخل وقبور المشركين وخرب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت.
قال: فصفوا النخل قبلة وجعلوا عضادتيه حجارة.
قال: فكانوا يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، وهم يقولون:
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخره، … فانصر الأنصار والمهاجره .
10 - (524) حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، حدثني أبو التياح ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد .
10 - (524) وحدثناه يحيى بن يحيى ، حدثنا خالد - يعني ابن الحارث -، حدثنا شعبة ، عن أبي التياح قال: سمعت أنسا يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله.