مَن حَلَفَ علَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عليه غَضْبانُ فأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذلكَ: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بعَهْدِ اللَّهِ وأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 77] إلى آخِرِ الآيَةِ.

6677- فَدَخَلَ الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ، فقالَ: ما حَدَّثَكُمْ أبو عبدِ الرَّحْمَنِ؟ فقالوا: كَذا وكَذا، قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ، كانَتْ لي بئْرٌ في أرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي، فأتَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: بَيِّنَتُكَ أوْ يَمِينُهُ قُلتُ: إذًا يَحْلِفُ عليها يا رَسولَ اللَّهِ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن حَلَفَ علَى يَمِينِ صَبْرٍ، وهو فيها فاجِرٌ، يَقْتَطِعُ بها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَومَ القِيامَةِ وهو عليه غَضْبانُ.

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# أقضية وأحكام - من حلف على يمين فاجرة# أقضية وأحكام - من قضي له بحق أخيه# أقضية وأحكام - قضايا حكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم# تفسير آيات - سورة آل عمران# عقيدة - إثبات صفات الله تعالى
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: عبدالله بن مسعود والأشعث بن قيس
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (6676)، ومسلم (138)

الشرح والتوضيح

قالَ عبدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: مَن حَلَفَ علَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بهَا مَالًا وهو فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عليه غَضْبَانُ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذلكَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}، فَقَرَأَ إلى {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] .

ثُمَّ إنَّ الأشْعَثَ بنَ قَيْسٍ خَرَجَ إلَيْنَا، فَقالَ: ما يُحَدِّثُكُمْ أبو عبدِ الرَّحْمَنِ؟ قالَ: فَحَدَّثْنَاهُ، قالَ: فَقالَ: صَدَقَ، لَفِيَّ واللَّهِ أُنْزِلَتْ؛ كَانَتْ بَيْنِي وبيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ في بئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ: شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ، قُلتُ: إنَّه إذًا يَحْلِفُ ولَا يُبَالِي، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن حَلَفَ علَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بهَا مَالًا وهو فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عليه غَضْبَانُ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذلكَ، ثُمَّ اقْتَرَأَ هذِه الآيَةَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إلى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] .

الراوي : عبدالله بن مسعود والأشعث بن قيس المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2515 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (138) باختلاف يسير إلْحاقُ الضَّررِ والأَذى بالنَّاسِ أمْرٌ مُستقبَحٌ في الدُّنيا، وجالِبٌ لصاحبِه الخُسرانَ والبَوارَ في الآخرةِ.

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ عبْدُ الله بنُ مَسْعودٍ رَضيَ اللهُ عنه -ظاهرُ هذه الرِّوايةِ أنَّها مَوقوفةٌ على ابنِ مَسعودٍ، لكنْ رُوِيَت أيضًا في الصَّحيحينِ مَرفوعةً إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويُؤيِّدُ ذلك أيضًا رِوايةُ الأشعَثِ بنِ قَيسٍ رَضيَ اللهُ عنه في هذا الحديثِ- أنَّ مَن حَلَفَ على يَمينٍ، أي: على ما شَأنُه أنْ يكونَ مَحلوفًا عليه، يَحوزُ بتلك اليَمينِ مالًا لِغَيرِه، وهو في هذه اليَمينِ «فاجِرٌ»، أي: كاذِبٌ؛ لَقِيَ اللهَ وهو عَلَيه غَضْبانُ، وصِفةُ الغَضبِ ثابتةٌ للهِ عزَّ وجلَّ على الوَجهِ الَّذي يَليقُ بجَلالِه وعَظَمتِه، ولا يُشبِهُ غَضَبَ المَخلوقينَ؛ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .

فأنزَلَ اللهُ تَصديقَ ذلِك في كِتابِه العزيزِ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ}، أي: يَستبدِلون؛ وذلك لأنَّ المُشترِيَ يَأخُذُ شَيئًا ويُعطي شَيئًا، فكلُّ واحدٍ مِن المُعطى والمأخوذِ ثَمَنٌ للآخَرِ، {بِعَهْدِ اللَّهِ}، أي: بما عاهَدوا عليه مِنَ الإيمانِ بِالرَّسولِ والوَفاءِ بالأماناتِ، {وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} والمرادُ بأيمانِهم: الأيمانُ الكاذبةُ التي يَحلِفُونها ليُؤكِّدوا ما يُرِيدون تَأكيدَه مِن أقوالٍ أو أفعالٍ، والمعْنى: يَستبدِلون بعَهْدِ اللهِ وأيْمانِهم حُظوظَ الدُّنيا وشَهواتِها الزائلةَ، نحْوَ المالِ والمنافعِ وغيرِها.

ووُصِفَ الثَّمنُ هنا بالقِلَّةِ تَحقيرًا له؛ إذ إنَّه نَظيرُ خِيانةِ عهْدِ اللهِ، والاجتراءِ على اليمينِ الكاذبةِ، فلا يكونُ إلَّا قَليلًا وإنْ بَلَغَ ما بَلَغَ مِن أعراضِ الدُّنيا، بجانبِ رِضا اللهِ والوَفاءِ بعُهودِه.

ثمَّ ذَكَرَ سُبحانه عُقوبةَ مَن تَلبَّسَ بهذه الكبيرةِ فقال: {أَولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ}، يعني: لا نَصيبَ لهم ولا حَظَّ في نَعيمِ الآخرةِ، ولا يُكلِّمُهمُ اللهُ بما يَسُرُّهم، بلْ يُكلِّمُهم بما يَسُوؤهم ويُخْزِيهم، {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، أي: ولا يَنظُرُ إليهم نَظَرَ رَحمةٍ وعطْفٍ ولا نَظرًا يَسُرُّهم، {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} مِنَ الذُّنوبِ وَالأدناسِ بالمغفرةِ، ولا يُثْني عليهم كما يُثْني على الصالحينَ مِن عِبادِه، بلْ يَسخَطُ عليهم ويَنتقِمُ منهم جَزاءَ غَدْرِهم، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مُوجعٌ بسَببِ ما ارْتَكبوه.

ثُمَّ أخبَرَ التَّابعيُّ أبو وائلٍ شَقيقُ بنُ سَلَمةَ أنَّ الأشْعَثَ بنَ قَيْسٍ رَضيَ اللهُ عنه خَرَج عليهم مِن المَكانِ الَّذي كانَ فيه، فسَأَلَهم عمَّا حَدَّثَهم به عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ -وكُنيتُه أبو عبْدِ الرَّحمنِ- فأخْبَروه بما حَدَّثَ، فقال الأشعثُ رَضيَ اللهُ عنه: صَدَقَ، ثمَّ بَيَّن أنَّ الآيةَ نَزَلَت فيه، وذكَرَ أنَّه كانَت بيْنه وبيْن رَجُلٍ -اسمُه مَعْدانُ بنُ الأسودِ بنِ مَعْدِي كَرِبَ الكِندِيُّ- خُصومةٌ في مِلكِيَّةِ بِئرٍ، فاحتَكَمَا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم للأشعثِ: «شاهِداك»، أي: لِيَحضُرْ أو ليَشْهَدْ شاهِداك، والمرادُ: المَجيءُ ببَيِّنةٍ؛ وذلك أنَّ الأشعَثَ رَضيَ اللهُ عنه هو مَن ادَّعَى أنَّ البِئرَ مِلْكُه، وكانت البئرُ في حَوزةِ الرَّجُلِ وتَصرُّفِه، «أو يَمينُه»، يعني: يَحلِفُ خَصْمُك المدَّعى عليه يَمينًا إنْ لم يكُنْ لك بيِّنةٌ، فقال الأشعَثُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه -أي الرَّجُل- إذنْ يَحلِفُ ولا يُبالي، أي: لا يَكترِثُ بالحَلِفِ، وهذا إشارةٌ إلى أنَّ الأشعَثَ رَضيَ اللهُ عنه ليس عندَه بيِّنةٌ، ثمَّ ذكَرَ الحديثَ بمِثلِ ما ذَكَرَه ابنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه.

وقد ورَدَ عندَ أبي داودَ أنَّ الكِنديَّ -وهو المدَّعى عليه- تَهيَّأَ للحَلِفِ، فذكَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هذا الوعيدَ قبْلَ يَمينِه، فقال الكِنديُّ: «هي أرْضُه».

وفي الحديثِ: كَلامُ الخُصومِ بَعضِهم في بَعضٍ.

وفيه: أنَّ البيِّنةَ على المُدِّعي، واليَمينَ على المُدَّعى عليه إذا أنكَرَ.

وفيه: النَّهيُ عن استِحلالِ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ.

وفيه: سَبَبُ نُزولِ آياتِ الأَيْمانِ في سُورةِ آلِ عِمْرانَ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (8/ 137) 6676- حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} إلى آخر الآية، 6677- فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا، قال: في أنزلت، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بينتك أو يمينه.

قلت: إذا يحلف عليها يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان)).

[صحيح مسلم] (1/ 122 ) ((220- (138) وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة.

حدثنا وكيع.

ح وحدثنا ابن نمير.

حدثنا أبو معاوية ووكيع.

ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (واللفظ له) أخبرنا وكيع.

حدثنا الأعمش عن أبي وائل، عن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: ((من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان)) قال، فدخل الأشعث ابن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا.

قال: صدق أبو عبد الرحمن.

في نزلت.

كان بيني وبين رجل أرض باليمن.

فخاصمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: ((هل لك بينة؟)) فقلت: لا.

قال(( فيمينه)) قلت: إذن يحلف.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند ذلك(( من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان)) فنزلت: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [3/آل عمران/ الآية 77] إلى آخر الآية)).

أحاديث ذات صلة