يا أبا ذَرٍّ ! ما أُحِبُّ أنَّ لي أُحُدًا ذَهَبًا أَمْسَى ثالثُه ، وعندي منه دينارٌ ، إلا دينارًا أَرْصُدُه لِدَيْنٍ ، إلا أن أقولَ به في عبادِ اللهِ هكذا ، وهكذا ، وهكذا ، يا أبا ذَرٍّ ! الْأَكْثَرُونَ هم الْأَقَلُّونَ ، إلا مَن قال هكذا ، وهكذا

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - الزهد في الدنيا# صدقة - فضل الصدقة والحث عليها# قرض - أداء الديون# نفقة - الإنفاق في أوجه الخير وفضله# رقائق وزهد - المكثرون هم المقلون
المصدر: صحيح الجامع
الراوي: أبو ذر الغفاري
المحدث: الألباني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (6268)، ومسلم (94) مطولاً

الشرح والتوضيح

كُنْتُ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا أبْصَرَ -يَعْنِي أُحُدًا- قالَ: ما أُحِبُّ أنَّه تَحَوَّلَ لي ذَهَبًا، يَمْكُثُ عِندِي منه دِينَارٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ.

ثُمَّ قالَ: إنَّ الأكْثَرِينَ هُمُ الأقَلُّونَ، إلَّا مَن قالَ بالمَالِ هَكَذَا وهَكَذَا -وأَشَارَ أبو شِهَابٍ بيْنَ يَدَيْهِ، وعَنْ يَمِينِهِ، وعَنْ شِمَالِهِ- وقَلِيلٌ ما هُمْ.

وقالَ: مَكَانَكَ.

وتَقَدَّمَ غيرَ بَعِيدٍ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فأرَدْتُ أنْ آتِيَهُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: مَكَانَكَ حتَّى آتِيَكَ، فَلَمَّا جَاءَ قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، الَّذي سَمِعْتُ؟ -أوْ قالَ: الصَّوْتُ الَّذي سَمِعْتُ- قالَ: وهلْ سَمِعْتَ؟ قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: أتَانِي جِبْرِيلُ عليه السَّلَامُ، فَقالَ: مَن مَاتَ مِن أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، قُلتُ: وإنْ فَعَلَ كَذَا وكَذَا، قالَ: نَعَمْ.

الراوي : أبو ذر الغفاري المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2388 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (2388)، ومسلم (94) المالُ مِنَ الفِتَنِ الَّتي ابْتلَى اللهُ به عِبادَه، والتَّقلُّلُ منه عِصمةٌ مِن فِتنتِه؛ وَلذلكَ لم يُحِبَّه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولمْ يَأتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مالًا إلَّا بَذَلَه في أوجُهِ الخيرِ.

وفي هذا الحَديثِ يَحْكي الصَّحابيُّ أبو ذَرٍّ جُنْدبُ بنُ جُنادةَ الغِفاريُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه كان مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا أبْصَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَبلَ أُحُدٍ -وهو جبَلٌ شَمالَ المدينةِ المُنوَّرةِ، على بُعْدِ (4) كم مِن المسجِدِ النَّبويِّ- أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لا يُحِبُّ أنْ يكونَ في مِلْكِه مِثلُ جَبلِ أُحدٍ ذَهَبًا ويَبْقى عندَه منه دِينارٌ فَوقَ ثَلاثةِ أيَّامٍ، إلَّا دِينارًا يَجعَلُه لِسَدادِ دَينٍ عليه.

ثُمَّ أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ المُكثِريِن مِنَ المالِ في الدُّنيا همْ أقلُّ النَّاسِ ثَوابًا في الآخِرةِ، إلَّا مَن صرَفَ هذا المالَ عَنِ اليمينِ والشِّمالِ وأمامَه، أي: في كافَّةِ وُجوهِ الخيرِ.

وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَمشي هو وأبو ذرٍّ الغِفاريُّ رَضيَ اللهُ عنه، فتَرَكَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأمَرَه أنْ يَلزَمَ مَكانَه ولا يَبْرَحَه، وتَقدَّمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى مَكانٍ غَيرِ بَعيدٍ، فسَمِعَ أبو ذَرٍّ رَضيَ اللهُ عنه صَوتًا، فأرادَ أنْ يَذهَبَ إليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ تَذكَّرَ أمْرَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ له بأنْ يَلزَمَ مَكانَه، فمَنَعَه هذا مِن الذَّهابِ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا جاءَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال له: يا رسولَ اللهِ، ما الصَّوتُ الَّذي سَمِعْتُه؟ فقال له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «وهلْ سَمعْتَ؟» فقال أبو ذَرٍّ رَضيَ اللهُ عنه: نَعَمْ، فأخْبَرَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنَّ هذا الصَّوتَ كان جِبريلُ عليه السَّلامُ، جاءهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبشَّرَه أنَّ مَن مات مِن أُمَّتِه على التَّوحيدِ الخالِصِ، ولا يُشرِكُ باللهِ شَيئًا؛ أدْخَلَه اللهُ عزَّ وجلَّ الجنَّةَ.

فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لجِبريلَ عليه السَّلامُ: «وإنْ فَعَلَ كَذَا وكَذَا؟» وفي رِوايةِ الصَّحيحينِ: «قلْتُ: يا جِبريلُ، وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ؟» فقال جِبريلُ عليه السَّلامُ: «نَعَم»، والمعْنى: أنَّ مَن ماتَ على التَّوحيدِ، فإنَّ مَصيرَه إلى الجنَّةِ، وإنْ نالَهُ قبْلَ ذلِك مِن العُقوبةِ ما نالَه، إلَّا أنَّه لا يُخلَّدُ في النَّارِ.

وفي الحديثِ: الاهتِمامُ بأَمْرِ الدَّينِ وأدائِه، والتَّرغيبُ في الصَّدَقةِ، والحثُّ عليها.

وفيه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان في أَعْلى دَرَجاتِ الزُّهدِ في الدُّنيا، بحيثُ إنَّه لا يُحِبُّ أنْ يَبْقى بيَدِه شَيءٌ مِن الدُّنيا، إلَّا لإنفاقِهِ فيمَن يَستحِقُّه، وإمَّا لإرصادِه لمَن له حَقٌّ.

وفيه: بَيانُ أدَبِ أبي ذَرٍّ رَضيَ اللهُ عنه مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتَرقُّبِه أحوالَه، وشَفَقتِه عليه، حتَّى لا يَدخُلَ عليه أدْنى شَيءٍ ممَّا يَتأذَّى به.

وهذا مِن حُسْنِ الأدَبِ مع الأكابرِ، وأنَّ الصَّغيرَ إذا رَأى الكبيرَ مُنفرِدًا لا يَتسوَّرُ عليه، ولا يَجلِسُ معه، ولا يُلازِمُه إلَّا بإذنٍ منه.

وفيه: بَيانُ أنَّ امتِثالَ أمْرِ الكبيرِ والوقوفَ عِنده، أَوْلى مِن ارتكابِ ما يُخالِفُه بالرَّأيِ، ولو كان فيما يَقْتضيهِ الرَّأيُ تَوهُّمُ دَفْعِ مَفْسَدةٍ حتَّى يَتحقَّقَ ذلك، فيكونُ دَفْعُ المَفسدةِ أَوْلى.

وفيه: فَضْلُ اللهِ على أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأنَّ مُرتكِبَ الكَبيرةِ مِن المُوحِّدين غيرُ مُخلَّدٍ في النَّارِ.

وفيه: استِفهامُ التَّابعِ مِن مَتبوعِه على ما يَحصُلُ له فائدةٌ دِينيَّةٌ، أو عِلميَّةٌ، أو غيرُ ذلك، والمُراجَعةُ في العِلمِ بما تَقرَّرَ عندَ الطَّالبِ في مُقابَلةِ ما يَسمَعُه ممَّا يُخالِفُ ذلك.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (8/ 60) 6268- حدثنا عمر بن حفص: حدثنا أبي: حدثنا الأعمش: حدثنا زيد بن وهب: حدثنا والله أبو ذر بالربذة قال ((كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاء استقبلنا أحد، فقال: يا أبا ذر ما أحب أن أحدا لي ذهبا يأتي علي ليلة أو ثلاث عندي منه دينار إلا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، وأرانا بيده، ثم قال: يا أبا ذر، قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: الأكثرون هم الأقلون، إلا من قال هكذا وهكذا، ثم قال لي: مكانك لا تبرح يا أبا ذر حتى أرجع، فانطلق حتى غاب عني، فسمعت صوتا فخشيت أن يكون عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأردت أن أذهب، ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تبرح، فمكثت، قلت: يا رسول الله، سمعت صوتا خشيت أن يكون عرض لك، ثم ذكرت قولك فقمت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذاك جبريل، أتاني فأخبرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة.

قلت: يا رسول الله، وإن زنى، وإن سرق؟ قال: وإن زنى، وإن سرق)).

قلت لزيد: إنه بلغني أنه أبو الدرداء، فقال: أشهد لحدثنيه أبو ذر بالربذة قال الأعمش: وحدثني أبو صالح، عن أبي الدرداء نحوه.

وقال أبو شهاب عن الأعمش: يمكث عندي فوق ثلاث

[صحيح مسلم] (2/ 687 ) ((32- (94) حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير وأبو كريب.

كلهم عن أبي معاوية.

قال يحيى: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمشى، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر ،.

قال

كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة، عشاء.

ونحن ننظر إلى أحد.

فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر)) قال قلت: لبيك يا رسول الله!

قال: (( ما أحب أن أحد ذاك عندي ذهب.

أمسى ثالثة عندي منه دينار.

إلا دينارا ‌أرصده ‌لدين.

إلا أن أقول به في عباد الله.

هكذا (حثا بين يديه) وهكذا (عن يمينه) وهكذا (عن شماله))) قال: ثم مشينا فقال: ((يا أبا ذر!)) قال قلت: لبيك! يا رسول الله! قال: ((إن الأكثرين هم الأقلين يوم القيامة.

إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا)) مثل ما صنع

في المرة الأولى.

قال: قال ((يا أبا ذر! كما أنت حتى أتيك)) قال: فانطلق حتى توارة عني.

فقال: سمعت لغطا وسمعت صوتا.

قال فقلت: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض له.

قال: فهممت أن أتبعه.

قال: ثم ذكرت قوله: ((لا تبرح حتى آتيك)) قال: فانتظرته.

فلما جاء ذكرت له الذي سمعت.

قال فقال: (( ذاك جبريل.

أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة.

قال قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق))

أحاديث ذات صلة