كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، فقالَ: أيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الفِتْنَةِ، قُلتُ أنا كما قالَهُ: قالَ: إنَّكَ عليه أوْ عليها لَجَرِيءٌ، قُلتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أهْلِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ وجارِهِ، تُكَفِّرُها الصَّلاةُ والصَّوْمُ والصَّدَقَةُ، والأمْرُ والنَّهْيُ، قالَ: ليسَ هذا أُرِيدُ، ولَكِنِ الفِتْنَةُ الَّتي تَمُوجُ كما يَمُوجُ البَحْرُ، قالَ: ليسَ عَلَيْكَ مِنْها بَأْسٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّ بيْنَكَ وبيْنَها بابًا مُغْلَقًا، قالَ: أيُكْسَرُ أمْ يُفْتَحُ؟ قالَ: يُكْسَرُ، قالَ: إذًا لا يُغْلَقَ أبَدًا، قُلْنا: أكانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البابَ؟ قالَ: نَعَمْ، كما أنَّ دُونَ الغَدِ اللَّيْلَةَ، إنِّي حَدَّثْتُهُ بحَدِيثٍ ليسَ بالأغالِيطِ فَهِبْنا أنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فأمَرْنا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فقالَ: البابُ عُمَرُ.
أخرجه مسلم (144)، وابن ماجه (3955)، وأحمد (23412) جميعا مطولا باختلاف يسير.
قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: أيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الفِتْنَةِ؟ قالَ: قُلتُ: أنا أحْفَظُهُ كما قالَ، قالَ: إنَّكَ عليه لَجَرِيءٌ، فَكيفَ؟ قالَ: قُلتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أهْلِهِ، ووَلَدِهِ، وجارِهِ، تُكَفِّرُها الصَّلاةُ، والصَّدَقَةُ والمَعْرُوفُ - قالَ سُلَيْمانُ: قدْ كانَ يقولُ: الصَّلاةُ والصَّدَقَةُ، والأمْرُ بالمَعروفِ - والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، قالَ: ليسَ هذِه أُرِيدُ، ولَكِنِّي أُرِيدُ الَّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ، قالَ: قُلتُ: ليسَ عَلَيْكَ بها يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ بَأْسٌ بيْنَكَ وبيْنَها بابٌ مُغْلَقٌ، قالَ: فيُكْسَرُ البابُ أوْ يُفْتَحُ، قالَ: قُلتُ: لا بَلْ يُكْسَرُ، قالَ: فإنَّه إذا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أبَدًا، قالَ: قُلتُ: أجَلْ، فَهِبْنا أنْ نَسْأَلَهُ مَنِ البابُ فَقُلْنا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ، قالَ: فَسَأَلَهُ، فقالَ: عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، قالَ: قُلْنا، فَعَلِمَ عُمَرُ مَن تَعْنِي؟ قالَ: نَعَمْ، كما أنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً وذلكَ أنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا ليسَ بالأغالِيطِ.
الراوي : حذيفة بن اليمان المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 1435 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (144)، والترمذي (2258)، وابن ماجة (3955) باختلاف يسير.
الفِتنُ والابتلاءاتُ كَثيرةٌ؛ ومنها فِتنٌ يَسيرةٌ، وفِتنٌ عَظيمةٌ، وقد أخبَرَنا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن كثيرٍ مِن الفِتَنِ الَّتي ستَحدُثُ؛ تحذيرًا منها، ومُسارَعةً إلى الأخذِ بأسبابِ النَّجاةِ.
وفي هذا الحَديثِ يَروي حُذَيفةُ بنُ اليَمانِ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه في عَهدِ خِلافتِه سَأَل أصحابَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مَجلسِه آنَذاك: أيُّكم يحفَظُ قولَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الفِتنةِ؟ فظَنَّ حُذيفةُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ عُمرَ رضيَ اللهُ عنه يَسألُ عن الفِتنةِ الخاصَّةِ، فأجابه بأنَّه يَعرِفُ كلامَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الفِتنةِ حَرفيًّا مِثلَ ما قالَه تمامًا؛ فهي: فِتنةُ الرَّجُلِ في أهلِه ومالِه وولَدِه وجارِه، والمرادُ بها ما يَعرِضُ له معهم مِن شرٍّ أو حُزنٍ وشِبهِ ذلك، وانشغالُه بهم عن الطاعاتِ، وتَفريطُه في القِيامِ بما يَلزَمُ مِن حُقوقِهم، وتَقصيرُه في أمْرِ دِينِه، وما يُفتَتنُ به مِن صِغارِ الذُّنوبِ، وهذه تُكفِّرُها الصَّلاُة والصَّومُ والصَّدقةُ والأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكَرِ، أي: إنَّ هذه الفِتنَ الخاصَّةَ الَّتي تُصيبُ المسلِمَ بسَببِ حُبِّه لنفْسِه وولَدِه ومالِه، تُكَفِّرُها الطَّاعاتُ والحسناتُ، ولكنَّ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه ما كان يُريدُ هذه الفِتنَ الخاصَّةَ، بل الفِتنةَ الَّتي تَمُوجُ كما يَموجُ البَحرُ، أي: يَضْطَرِبُ بها الناسُ ويدفَعُ بعضُهم بعضًا، وهي الفِتنةُ العامَّةُ الَّتي تُصيبُ المسلِمينَ عامَّةً، فطَمْأنَه حُذيفةُ رَضيَ اللهُ عنه بأنَّه لو كان سؤالُه عن الفِتنةِ العامَّةِ الَّتي تُصيبُ المسلِمينَ جميعًا بالشُّرورِ والبلايا، وتُوقِعُهم في الحُروبِ وسَفْكِ الدِّماءِ فيما بيْنَهم؛ فإنَّ المسلِمينَ اليومَ في مأمنٍ منها، وإنَّ بيْنَه وبيْنَ هذه الفِتنةِ بابًا مُغلَقًا قويًّا، ولكنَّ هذا البابَ سيُكسَرُ ويَزولُ بالعُنفِ والشِّدَّةِ والدَّمِ، وهنا عَلِم عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ هذا البابَ إذا كُسِر فإنَّه سيَبْقَى مَفتوحًا للدِّماءِ، فلا تنتهي الحُروبُ بيْنَ المسلِمينَ، فأخبَرَ التابِعيُّ أبو وائلٍ شَقيقُ بنُ سَلَمةَ أنَّهم هابوا أن يَسألوا حُذَيْفةَ مَنِ المرادُ بالبابِ، فتقَدَّموا لِمَسروقِ بنِ الأجْدَعِ لِيَسألَه عن ذلك، وإنَّما تجَرَّأ مَسروقٌ على سُؤالِه؛ لكثرةِ عِلمِه، وعُلوِّ مَنزِلتِه، فأخبَرَهم حُذَيْفةُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه، ولفظُ البابِ كِنايةٌ عنه.
فسَأل التابِعونَ حُذَيْفةَ رَضيَ اللهُ عنه عن عِلمِ عُمرَ بمَن يُقصَدُ بهذا البابِ الَّذي إذا كُسِر خرَجَتِ الفِتنةُ، فأخبَرَ حُذَيْفةُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه عَلِم أنَّه هو البابُ «كما أنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلةً»، أي: أنَّ عِلمَه بذلك يَقينيٌّ وضروريٌّ وظاهرٌ كما أنَّه لا شكَّ أنَّ اليومَ الذي أنتَ فيه يَسبِقُ الغدَ الذي يأتي بعدَها، فكان يَعلَمُ أنَّ الحائلَ بيْنَ الإسلامِ وبيْنَ الفِتنةِ وُجودُه رَضيَ اللهُ عنه؛ «وذلكَ أنِّي حَدَّثْتُه حَديثًا ليس بالأغالِيطِ» فما فَهِمَه عُمَرُ وعَلِمَه إنَّما يَرجِعُ لِمَا حدَّث به حُذَيْفةُ رَضيَ اللهُ عنه، وهو حديثٌ عن النبيِّ صلَّى الله تعالَى عليه وسلَّمَ، لا عن اجتِهادٍ ولا رأْيٍ، وقد كان ذلك حيثُ كانتِ الدَّولةُ في عهدِه قويَّةً، والرَّعيَّةُ تَهابُه وتُحِبُّه في الوقتِ نفْسِه، والأعداءُ يَخافونه لِقُوَّتِه وبأسِه، أمَّا بَعْدَه فقدْ ظهرَتِ الفِتَنُ، وتفَرَّقَتِ الكلِمةُ، كما حدَث في الفِتنةِ الَّتي قُتِل فيها الخَليفةُ عُثْمانُ بنُ عفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه، ثمَّ ما كان بعْدَ ذلك مِن ظُهورِ الخَوارجِ، والقِتالِ بيْنَ عليٍّ رَضيَ اللهُ عنه ومُخالِفيه، وظُهورِ الفِرَقِ والجَماعاتِ الضالَّةِ الَّتي لم تَنْتَهِ فِتنتُها حتَّى اليَوم.
وفي الحديثِ: فَضلٌ ومَنقبةٌ لعُمرَ بنِ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه: أنَّ الطَّاعاتِ كَفَّارةٌ للخطيئاتِ.
وفيه: دَلالةٌ على حُسْنِ أدبِ التابِعينَ مع كِبارِهم.
[صحيح البخاري] (1/ 111) :
525 - حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن الأعمش قال: حدثني شقيق قال: سمعت حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر رضي الله عنه فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قلت: أنا، كما قاله.
قال: إنك عليه أو عليها لجريء، قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي، قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر، قال: إذا لا يغلق أبدا، قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة، إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط.
فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروقا فسأله، فقال: الباب عمر.
[صحيح مسلم] (4/ 2218 ) :
26 - (144) حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ومحمد بن العلاء، أبو كريب.
جميعا عن أبي معاوية.
قال ابن العلاء: حدثنا أبو معاوية.
حدثنا الأعمش عن شقيق، عن حذيفة .
قال:
كنا عند عمر.
فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة كما قال؟ قال فقلت: أنا.
قال: إنك لجريء.
وكيف قال؟ قال قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
فقال عمر: ليس هذا أريد.
إنما أريد التي تموج كموج البحر.
قال فقلت: مالك ولها؟ يا أمير المؤمنين! إن بينك وبينها بابا مغلقا.
قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟ قال قلت: لا.
بل يكسر.
قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدا.
قال فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم.
كما يعلم أن دون غد الليلة.
إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط.
قال فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله.
فسأله.
فقال: عمر.
[سنن ابن ماجه] (2/ 1305 ) :
3955 - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أبو معاوية، وأبي، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة ، قال: كنا جلوسا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قال حذيفة فقلت: أنا، قال: إنك لجريء، قال: كيف؟ قال: سمعته يقول: فتنة الرجل في أهله وولده وجاره، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ، فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر، فقال: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال: فيكسر الباب أو يفتح؟ قال: لا، بل يكسر، قال: ذاك أجدر أن لا يغلق قلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط ، فهبنا أن نسأله، من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله، فسأله، فقال عمر .
[مسند أحمد] (38/ 414 ط الرسالة) :
23412 - حدثنا يحيى بن سعيد، عن الأعمش، حدثني شقيق قال: سمعت حذيفة.
ووكيع، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة وحدثنا محمد بن عبيد، وقال: سمعت حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قلت: أنا، كما قاله.
قال: إنك لجريء عليها - أو عليه -، قلت: " فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ".
قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كموج البحر.
قلت: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا.
قال: أيكسر أو يفتح؟ قلت: بل يكسر.
قال: إذا لا يغلق أبدا.
قلنا: أكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد ليلة.
- قال وكيع في حديثه: قال: فقال مسروق لحذيفة: يا أبا عبد الله، كان عمر يعلم ما حدثته به؟ قلنا: أكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد ليلة - إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط.
فهبنا حذيفة أن نسأله من الباب، فأمرنا مسروقا فسأله، فقال: الباب عمر