- أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اسْتَعْمَلَ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ علَى صَدَقاتِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَمَّا جاءَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وحاسَبَهُ، قالَ: هذا الذي لَكُمْ، وهذِه هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَهَلَّا جَلَسْتَ في بَيْتِ أبِيكَ وبَيْتِ أُمِّكَ حتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إنْ كُنْتَ صادِقًا! ثُمَّ قامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَخَطَبَ النَّاسَ وحَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَى عليه، ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ، فإنِّي أسْتَعْمِلُ رِجالًا مِنكُم علَى أُمُورٍ ممَّا ولَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتي أحَدُكُمْ فيَقولُ: هذا لَكُمْ، وهذِه هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَهَلَّا جَلَسَ في بَيْتِ أبِيهِ وبَيْتِ أُمِّهِ حتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إنْ كانَ صادِقًا! فَواللَّهِ لا يَأْخُذُ أحَدُكُمْ مِنْها شيئًا -قالَ هِشامٌ: بغيْرِ حَقِّهِ- إلَّا جاءَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَومَ القِيامَةِ، ألَا فَلَأَعْرِفَنَّ ما جاءَ اللَّهَ رَجُلٌ ببَعِيرٍ له رُغاءٌ ، أوْ ببَقَرَةٍ لها خُوارٌ، أوْ شاةٍ تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رَأَيْتُ بَياضَ إبْطَيْهِ: ألَا هلْ بَلَّغْتُ؟
أخرجه مسلم (1832) باختلاف يسير
شَدَّد الشَّرعُ على مُحاسبةِ العمَّالِ والمَرؤوسينَ على ما وُلُّوا عليه، وحَذَّر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن سُوءِ عاقبةِ مَن يَأخُذُ ما ليْس له بحقٍّ مِن الحكَّامِ والوُلاةِ.
وفي هذا الحَديثِ يروي أبو حُمَيْدٍ السَّاعِديُّ رضِيَ اللهُ عَنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استَعمَلَ ابنَ اللُّتْبِيَّةِ -وفي رواية في الصَّحيحينِ: «ابن الأُتْبِيَّةِ»، وقيل: اللُّتْبِيَّةُ أُمُّه- على صَدَقاتِ بَني سُلَيْمٍ -وهي قبيلةٌ من قبائِلِ العَرَبِ- ليجمَعَها منهم، ثم يأتيَ بها إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا جاء إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حاسَبَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على ما قَبَضَ وَصَرَفَ، وكان قد فَصَل الأموالَ، فقال لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «هذا الَّذي لكم، وهذه هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لي»، أي: أنَّه وجَدَ معه مِن جِنسِ مالِ الصَّدقةِ وادَّعى أنَّه أُهدِيَ إليه، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «فهَلَّا جَلَسْتَ في بَيْتِ أبيكَ وَبَيْتِ أُمِّكَ حتَّى تَأتِيَكَ هَديَّتُكَ إنْ كُنتَ صادِقًا» في دَعواكَ؛ فقد اعتقد ابنُ اللُّتْبِيَّةِ أنَّ ما يُهدَى له وهو في حالةِ جمعِ الزكاةِ، يَقَعُ في مِلكِه هو، فبَيَّن له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الحقوقَ التي عَمِلَ لأجْلِها هي السَّبَبُ في الإهداءِ له، وأنَّه لو أقام في مَنزِلِه لم يُهْدَ له شيءٌ، خاصةً أنَّه لولا طَمَعُ النَّاسِ في أن يضَعَ عنهم ممَّا عليهم من الحَقِّ، ما أهدِيَ له، فلا ينبغي له أن يستحِلَّها بمجَرَّدِ كونِها وصلت إليه على طريقِ الهَدِيَّةِ؛ فأشار صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أنَّه فيما يُهدى له من ذلك كأحَدِ المُسلِمين، لا فَضْلَ له عليهم فيه، وأنَّه لا يجوزُ الاستثناءُ به إلَّا ما يُؤجَرُ عليه من قِبَلِ الوالي نَفْسِه.
ثُمَّ قامَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخَطَبَ النَّاسَ، وحَمِدَ اللهَ وَأثنَى عليه، ثُمَّ قالَ: «أمَّا بعْدُ» وهي كَلِمةٌ تُقالُ لفَصلِ الخِطابِ والفَصلِ بين مُقَدِّمةِ الكلامِ والتمهيدِ وبين مَوضوعِه، «فَإنِّي أَسْتَعمِلُ رِجالًا مِنكُمْ على أُمورٍ مِمَّا وَلَّاني اللَّهُ، فَيَأتي أحَدُكُم فَيَقولُ: هَذا لكم، وَهذه هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لي، فَهَلَّا جَلَسَ في بَيْتِ أبيهِ وَبَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى تَأتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إنْ كانَ صادِقًا!» وهذا تعريضٌ منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بفِعْلِ الرَّجُلِ الذي ولَّاه جَمْعَ الزكاةِ، وهو تحذيرٌ أيضًا لِمن يعطي مثل تلك الهَدايا، ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم محَذِّرًا لِمن أخذ من تلك الهدايا شيئًا: «فَواللهِ لا يَأخُذُ أحَدُكُم مِنها»، أي: مِن الصَّدَقةِ الَّتي قَبَضَها، «شَيئًا بِغَيرِ حَقِّهِ إلَّا جاءَ اللهَ» وهو يحمِلُ الَّذي أخَذَهُ، يَومَ القيامةِ، أَلَا فَلَأَعْرِفَنَّ أحدًا منكم لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعيرًا -وهو الجَمَلُ- له رُغاءٌ، وهو صَوتُ البَعيرِ، أو بَقَرةً لها خُوارٌ، وهو صَوتُ البقرِ، أو شاةً تَيْعَرُ، وَمَعناهُ: تَصيحُ، واليُعارُ: صَوْتُ الشَّاةِ، ثُمَّ رَفَعَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَيْه حتَّى رَئِيَ بَياضُ إبْطَيْهِ، وقال: أَلَا هَل بَلَّغْتُ؟ وهذا من المبالغةِ في إشهادِ النَّاسِ على أنفُسِهم أنَّه قد بلَّغَهم حُكْمَ اللهِ.
وفي الحَديثِ: مُحاسَبةُ العُمَّالِ ومَنْعُهمْ مِن قَبولِ الهَديةِ مِمَّن لهم عليه حُكمٌ.
وفيه: التَّأديبُ بالكَلِمةِ القَويَّةِ عِندَ الحاجةِ.
وفيه: أنَّ العالِمَ إذا رأى متأوِّلًا قد أخطأ في تأويلِه خَطَأً يَعُمُّ النَّاسَ ضَرَرُه؛ أن يُعلِمَ النَّاسَ كافَّةً بموضِعِ خَطَئِه، ويُعَرِّفَهم بالحُجَّةِ القاطعةِ.
وفيه: مَنعُ العُمَّالِ مِن قَبولِ الهَدِيَّةِ ممَّن له عليه حُكمٌ.
[صحيح البخاري] (9/ 76) :
7197 - حدثنا محمد، أخبرنا عبدة، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي حميد الساعدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل ابن الأتبية على صدقات بني سليم، فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاسبه قال: هذا الذي لكم، وهذه هدية أهديت لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا.
ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أستعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله، فيأتي أحدكم فيقول: هذا لكم وهذه هدية أهديت لي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا، فوالله، لا يأخذ أحدكم منها شيئا قال هشام بغير حقه، إلا جاء الله يحمله يوم القيامة، ألا فلأعرفن ما جاء الله رجل ببعير له رغاء، أو ببقرة لها خوار، أو شاة تيعر.
ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه: ألا هل بلغت.
صحيح مسلم (3/ 1463 ت عبد الباقي) :
27 - (1832) حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء.
حدثنا أبو أسامة.
حدثنا هشام عن أبيه، عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزدر على صدقات بني سليم.
يدعى ابن الأتبية.
فلما جاء حاسبه.
قال: هذا مالكم.
وهذا هدية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فهلا جلست في بت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك، إن كنت صادقا؟) ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه.
ثم قال (أما بعد.
فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولا ني الله.
فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي.
أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، إن كان صادقا.
والله! لا يأخذ أحد منكم منها شيئا بغير حقه، إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة.
فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء.
أو بقرة لها خوار.
أو شاة تيعر).
ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه.
ثم قال (اللهم! هل بلغت؟) بصر عيني وسمع أذني.
صحيح مسلم (3/ 1464 ت عبد الباقي) :
28 - (1832) وحدثنا أبو كريب.
حدثنا عبدة وابن نمير وأبو معاوية.
ح وحدثنا أبو بكر بن ابن أبي شيبة.
حدثنا عبد الرحيم بن سليمان.
ح وحدثنا ابن أبي عمر.
حدثنا سفيان.
كلهم عن هشام ، بهذا الإسناد.
وفي حديث عبدة وابن نمير: فلما جاء حاسبه.
كما قال أبو أسامة.
وفي حديث ابن نمير: (تعلمن والله! والذي نفسي بيده! لا يأخذ أحدكم منها شيئا).
وزاد في حديث سفيان قال: بصر عيني وسمع أذناي.
وسلوا زيد بن ثابت.
فإنه كان حاضرا معي.
صحيح مسلم (3/ 1464 ت عبد الباقي) :
29 - (1832) وحدثناه إسحاق بن إبراهيم.
أخبرنا جرير عن الشيباني، عن عبد الله بن ذكوان (وهو أبو الزناد)، عن عروة بن الزبير ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على الصدقة.
فجاء بسواد كثير.
فجعل يقول: هذا لكم.
وهذا أهدي إلي.
فذكر نحوه.قال عروة: فقلت لأبي حميد الساعدي: أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: من فيه إلى أذني.