خَرَجَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى الخَنْدَقِ، فَإِذَا المُهَاجِرُونَ وَالأنْصَارُ يَحْفِرُونَ في غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لهمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذلكَ لهمْ، فَلَمَّا رَأَى ما بهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالجُوعِ، قالَ: اللَّهُمَّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ ...

فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ فَقالوا مُجِيبِينَ له: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ...

علَى الجِهَادِ ما بَقِينَا أَبَدَا

الدلالات الموضوعية:# شعر - تمثل النبي بالشعر# مناقب وفضائل - فضائل الأنصار# مغازي - غزوة الخندق# مناقب وفضائل - فضائل المهاجرين ومناقبهم# جهاد - فضل الجهاد
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: أنس بن مالك
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (2834)، ومسلم (1805) مختصراً.

الشرح والتوضيح

لم يَدَّخِرْ أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَفْسًا ولا مالًا في سَبيلِ إعلاءِ كَلِمةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ونُصرةِ دِينِه، وضَرَبوا في ذلك أروَعَ الأمثِلةِ وأعلاها.

وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أنَسُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه عن بَعضِ ما بُذِلَ في غَزوةِ الخَندَقِ، وقدْ وَقَعَتْ هذه الغَزوةُ في السَّنةِ الخامِسةِ مِنَ الهِجرةِ، وسُمِّيتْ بذلك لِأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَرَ بحَفْرِ خَندَقٍ حَولَ المَدينةِ؛ لِتَحصِينِها مِن أحزابِ الكُفرِ التي اجتَمَعتْ؛ بهَدَفِ إبادةِ المُسلِمينَ، والخَندَقُ: هو الحُفرةُ العَميقةُ الطَّويلةُ حَولَ شَيءٍ مُعيَّنٍ، أو في جِهةٍ مُعيَّنةٍ.

وقد شارَكَ المُسلِمونَ مِنَ المُهاجِرينَ والأنصارِ في حَفْرِ الخَندَقِ شَمالَ المَدينةِ، وشارَكَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معهم بنَفْسِه في الحَفْرِ.

ويَحكي أنَسُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ مَرَّ على مَن حَضَرَ مِنَ المُهاجِرينَ والأنصارِ وهُم يَحفِرونَ الخَندَقَ في صَبيحةِ يَومٍ بارِدٍ، ولم يَكُنْ لهم عَبِيدٌ يَعمَلونَ عنهم ويَكفُونَهمُ الحَفرَ، فكانوا يَحفِرونَ ويَرفَعونَ الحِجارَةَ بأنفُسِهم، فلَمَّا رَأى ما بِهم مِنَ النَّصَبِ، والتَّعَبِ، والجُوعِ؛ أرادَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ التَّخفِيفَ عنهم وحَثَّهم على الحَفرِ، وتَذكيرَهم بالأجْرِ المُترَتِّبِ على هذا الجِهادِ، فقال لهم: «اللَّهُمَّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخرهْ ...

فاغفِرْ للأنصارِ والمهاجرهْ» أي: لا عَيشَ على وَجهِ الحَقيقةِ إلَّا العَيشُ في الآخِرةِ في رِضوانِ اللهِ ورَحمتِه، ودَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لهم بالمَغفِرةِ لِلمُهاجِرينَ الذين تَرَكوا دِيارَهم وأموالَهم يَبتغونَ فَضلًا مِنَ اللهِ ورِضوانًا، والأنصارِ الذينَ آوَوُا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُهاجِرينَ، ونَصَروهم، وقاسَموهم في أموالِهِم.

فأجابُوه رَضيَ اللهُ عنهم أجمَعينَ قائلينَ: «نَحنُ الذين بايَعوا مُحمَّدَا ** على الجِهادِ ما بَقِينا أبَدَا» والمُبايَعةُ هي المُعاقَدةُ والمُعاهَدةُ، وسُمِّيتْ بذلك تَشبيهًا بالمُعاوَضةِ الماليَّةِ؛ كأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَبيعُ ما عِندَه مِن صاحِبِه؛ فمِن طَرَفِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وَعْدٌ بالثَّوابِ، ومِن طَرَفِهم في هذا الحَديثِ الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ ما داموا أحياءً قادِرينَ عليه، وصَدَقوا في بَيعَتِهم رَضيَ اللهُ عنهم أجمَعينَ، فاللَّهُمَّ اغفِرْ للأنصارِ والمُهاجِرينَ وألحِقْنا بهم مع نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وفي الحَديثِ: بَيانُ حالِ الشِّدَّةِ والخَوفِ اللَّذَيْن كانَ فيهما المُسلِمونَ في حَفْرِ الخَندَقِ.

وفيه: بَيانُ حُسْنِ مُلاطَفةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للنَّاسِ، والتَّخفيفِ عنهم في أحْلَكِ الظُّروفِ، وهذا شَأْنُ كُلِّ داعيةٍ يُبشِّرُ ولا يُنفِّرُ.

وفيه: بَيانُ مَنقَبةِ المُهاجِرينَ والأنصارِ، حيثُ فازُوا بدَعوةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لهم بالمَغفِرةِ.

وفيه: مَشروعيَّةُ إنشادِ الشِّعرِ والارتِجازِ في حالِ العَمَلِ والجِهادِ، والاستِعانةِ بذلك؛ لِتَنشيطِ النُّفوسِ، وتَسهيلِ الأعمالِ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (4/ 25) 2834- حدثنا عبد الله بن محمد: حدثنا معاوية بن عمرو: حدثنا أبو إسحاق عن حميد قال: سمعت أنسا رضي الله عنه يقول: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال

اللهم إن العيش عيش الآخره.

… فاغفر للأنصار والمهاجره

فقالوا مجيبين له

نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدا)).

[صحيح مسلم] (3/ 1431 ) ((127- (‌1805) وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار (واللفظ لابن المثنى).

حدثنا محمد بن جعفر.

حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة، عن أنس ابن مالك ،

عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال

(اللهم! لا عيش إلا عيش الآخره * فاغفر للأنصار والمهاجره)))

128- (‌1805) حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار.

قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر.

أخبرنا شعبة عن قتادة.

حدثنا أنس بن مالك ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول (اللهم! إن العيش عيش الآخرة) قال شعبة: أو قال

(اللهم! لا عيش إلا عيش الآخره * فأكرم الأنصار والمهاجره)

((129- (‌1805) وحدثنا يحيي بن يحيي وشيبان بن فروخ (قال يحيى: أخبرنا.

وقال شيبان: حدثنا عبد الوارث) عن أبي التياح.

حدثنا أنس بن مالك قال: كانوا يرتجزون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم وهم يقولون: اللهم! لا خير إلا خير الآخره * فانصر الأنصار والمهاجره

وفي حديث شيبان (بدل فانصر): فاغفر))

((130- (‌1805) حدثني محمد بن حاتم.

حدثنا بهز.

حدثنا حماد بن سلمة.

حدثنا ثابت عن أنس ؛

أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون يوم الخندق

نحن الذين بايعوا محمدا * على الإسلام ما بقينا أبدا

أو قال: على الجهاد.

شك حماد.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول

(اللهم! إن الخير خير الآخره * فاغفر للأنصار والمهاجره)))

أحاديث ذات صلة