مَرَّ بيَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالأبْوَاءِ -أوْ بوَدَّانَ- وسُئِلَ عن أهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فيُصَابُ مِن نِسَائِهِمْ وذَرَارِيِّهِمْ، قالَ: هُمْ منهمْ، وسَمِعْتُهُ يقولُ: لا حِمَى إلَّا لِلَّهِ ولِرَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
أخرجه البخاري (3012، 3013)، ومسلم (1193)
هذا الحَديثُ يُرسي قَواعِدَ مُتَعدِّدةً، ومِن ذلك أنَّ ما لا يَتِمُّ الواجبُ إلَّا به، لا سَبيلَ لِتَرْكِه أوِ التَّحرُّزِ عنه، ولَمَّا كان المُسلِمونَ يَحتاجونَ إلى الإغارةِ على عَدُوِّهم لَيلًا؛ لِيُفاجِئُوهم ويُحقِّقوا النَّصرَ، وكان هذا الهُجومُ في اللَّيلِ قد يَترتَّبُ عليه قَتْلُ مَن لا يُقتَلُ، كالنِّساءِ والأولادِ؛ أذِنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في ذلك، كما يُبيِّنُ هذا الحَديثُ، فيَروي الصَّعبُ بنُ جَثَّامةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه عِندَما مَرَّ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالأبْواءِ -أو بوَدَّانَ- وهُما مَوضِعانِ بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ، وتَبعُدُ الأبواءُ عن مَكَّةَ (200 كم)، وعنِ المَدينةِ (170 كم)، وبَينَ الأبواءِ ووَدَّانَ نَحوُ ثَمانيةِ أميالٍ.
فسَأَلَه عن أهلِ الدَّارِ الحَربيِّينَ يُبَيَّتونَ، أي: يُهجَمُ عليهم لَيلًا، بحيث لا يُعرَفُ رَجُلٌ مِنَ امرأةٍ، فيُصابُ مِن نِسائِهم وذَراريِّهم، أي: أطفالِهم، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «هُم منهم»، فأطفالُ المُشرِكينَ ونِساؤُهم مِنَ المُشرِكينَ؛ فلا حَرَجَ في إصابَتِهم إذا كانوا مُختَلِطينَ معهم، ولا يُمكِنُ الوُصولُ إلى قَتْلِ الكِبارِ إلَّا بقَتْلِهم، وليس المُرادُ قَتْلَهم بطَريقِ القَصدِ إليهم؛ لأِنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَهَى عن قَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ، ولكِنْ لَمَّا دَعَتِ الحاجةُ إلى ذلك لم يَكُنْ مَفَرٌّ منها.
وفي رِوايةِ أحمَدَ أخبَرَ الزُّهريُّ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «نَهى عن ذلِكَ بَعدُ»، ويَقصِدُ بذلك نَهْيَه عن قَتلِهم يَومَ حُنَيْنٍ، أي: نَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن إصابةِ الأطْفالِ والنِّساءِ في الحُروبِ نِهائيًّا بَعدَ أنْ كان أباحَها.
ثمَّ قال الصَّعْبُ بنُ جَثَّامةَ رَضيَ اللهُ عنه: وسَمِعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقولُ: «لا حِمَى إلَّا للهِ ولِرَسولِه»، والحِمى بمَعْنى المَحميِّ، وهو مَكانٌ يُحْمى مِنَ النَّاسِ والماشِيةِ؛ لِيَكثُرَ كَلَؤُه وعُشبُه، فيَجعَلُه الإمامُ مَخصوصًا برَعْيِ بَهائمِ الصَّدَقةِ مَثَلًا، فلا يَنبَغي لِأحَدٍ أنْ يَفعَلَ ذلِكَ إلَّا بإذْنٍ مِنَ اللهِ ورَسولِه، ومَن يَقومُ مَقامَه مِن خُلَفائِه على الوَجْهِ الذي أذِنَ اللهُ فيه ورَسولُه، وذلك على قَدْرِ الحاجةِ والمَصلَحةِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَحْمي لِخَيلِ الجِهادِ وإبِلِ الصَّدَقةِ، وقدْ حَمى الخَليفةُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه لإبِلِ الصَّدَقةِ والخَيلِ المُعَدَّةِ في سَبيلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِلإمامِ أنْ يَحميَ على وَجْهِ النَّظَرِ في تَقويةِ الخَيلِ، ما لم يُضَيِّقْ على العامَّةِ المَرْعى.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ حُكْمَ الأرَضينَ إلى الأئمَّةِ، لا إلى غَيرِهم.
[صحيح البخاري] (4/ 61) 3012- حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان: حدثنا الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة رضي الله عنهم قال: ((مر بي النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء أو بودان وسئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم قال: هم منهم)) وسمعته يقول: لا حمى إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم
((3013- وعن الزهري أنه سمع عبيد الله عن ابن عباس: حدثنا الصعب في الذراري: كان عمرو يحدثنا عن ابن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فسمعناه من الزهري قال: أخبرني عبيد الله عن ابن عباس عن الصعب قال: هم منهم ولم يقل كما قال عمرو: هم من آبائهم))
[صحيح مسلم] (2/ 850 ) ((50- (1193) حدثنا يحيى بن يحيى.
قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة الليثي ؛ أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا.
وهو بالأبواء (أو بودان) فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي، قال (( إنا لم نرده عليك، إلا أنا حرم))
51- (1193) حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح وقتيبة.
جميعا عن الليث بن سعد.
ح وحدثنا عبد بن حميد.
أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر.
ح وحدثنا حسن الحلواني.
حدثنا يعقوب.
حدثنا أبي عن صالح.
كلهم عن الزهري ، بهذا الإسناد.
أهديت له حمار وحش كما قال مالك.
وفي حديث الليث وصالح؛ أن الصعب بن جثامة أخبره
52- (1193) وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد.
قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري ، بهذا الإسناد وقال: أهديت له من لحم حمار وحش