تلا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هذه الآيةِ ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات إلى قولِه ( وما يذكر إلا أولوا الألباب فقال: يا عائشةُ إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عناهم اللهُ فاحذروهم.
أخرجه ابن ماجه (47) واللفظ له،وابن حبان (76)، والبزار (197)، والآجري في ((الشريعة)) (43) جميعا باختلاف يسير.
تَلَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذِه الآيَةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] ، قَالَتْ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ منه فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ، فَاحْذَرُوهُمْ.
الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4547 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2665)، وأبي داود (4598)، والترمذي (2994) جميعا بلفظه.
المحكَمُ مِن آياتِ القرآنِ: ما اتَّضَحَتْ دِلالتُه وظَهَرَ معْناه، والمتشابهُ: ما احتمَلَ أكثرَ مِن معْنًى واحتاجَ إلى نظَرٍ وتَخريجٍ، وقيل: المتشابِهُ ما استأثرَ اللهُ بعِلمِه.
وفي هذا الحديثِ تُخبرُ أمُّ المُؤمِنينَ عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قرأَ قولَه تعالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] ، ومعنى الآيةِ: هو الَّذي أنزَل عليك -يا محمَّدُ- القُرْآنَ، منه آياتٌ بيِّناتٌ واضحاتُ الدَّلالةِ، لا الْتباسَ فيها، وهي أصلُ هذا الكتابِ ومُعظَمُه، ومِن القُرْآن آياتٌ أُخَرُ يَلتبِسُ معناها، أو تَشتبِهُ دلالتُها على كَثيرٍ من النَّاسِ أو بعضِهم؛ فأمَّا الَّذين في قُلوبِهم مَيلٌ عن الحقِّ وضَلالٌ، فيَتعلَّقون بالمُتشابِهِ مِن الآياتِ، ويتركون المُحكَمَ؛ وذلك طلَبًا للَّبْسِ على المؤمِنين وإضلالِهم، وطلبًا لتَفسيرِه على ما يُريدون؛ تَحريفًا له وَفْقَ أهوائِهم، وما يَعلَمُ تَفسيرَ المتشابِهِ إلَّا اللهُ تعالَى، والثَّابتون في العِلمِ المتمكِّنون منه يَعلَمونه أيضًا، وإنْ لم يَعلَموا حَقائقَ الأمورِ وما تَؤولُ إليه؛ لأنَّ اللهَ وحْدَه هو الَّذي يَعلَمُها، ويُعلِنُ الرَّاسخون في العلمِ إيمانَهم بالمُتشابِهِ؛ فكلٌّ مِن المُحكَمِ والمتشابهِ مِن عندِ اللهِ تعالَى، وما يَتذكَّرُ ويتَّعظُ إلَّا أصحابُ العقولِ السَّليمةِ.
وفي هذه الآيةِ تَحذيرٌ مِنَ اللهِ سُبحانَه وتعالَى للأمَّةِ مِن أهلِ الزَّيغِ والضَّلالِ الَّذين يَتحرَّونَ الآياتِ المتشابهةَ ويَتْرُكونَ المحكَمَ منها؛ يُريدون بذلك فِتنةَ النَّاسِ في دِينِهم، أمَّا الرَّاسخونَ في العِلمِ فإنَّهم يَعلَمون المرادَ مِن هذا المتشابهِ على وجْهِه الصَّحيحِ، ويُؤمنون به؛ لأنَّه مِن عندِ اللهِ تعالَى.
وقدْ حذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه مِن الإصغاءِ إلى هؤلاءِ الَّذين يَتَّبعونَ المتشابِهَ ويَتحرَّوْنَه، فأخبرَ أمَّ المُؤمِنينَ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها إذا رأت الذين يتَّبِعون المتشابِهَ، فأولئك الذين ذكَرَهم في كتابِه بأنَّهم في قلوبِهم زَيغٌ في قَولِه سُبحانه: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}، أي: الَّذين في قُلوبِهم ضَلالٌ وعِوجٌ ومَيْلٌ عَنِ الصِّراطِ المستقيمِ، هم الَّذين يَتَّبعونَ هذا المتشابهَ؛ بغَرضِ الصَّدِّ عَن سبيلِه، ونشْرِ الفتنةِ بَيْنَ المؤمنينَ.
وفي الحَديثِ: أنَّ مِن علاماتِ الزَّيغِ والانحرافِ عن الصِّراطِ المستقيمِ اتِّباعَ المتشابِهِ مِنَ القُرآنِ.
وفيه: فضيلةُ الرُّسوخِ في العِلمِ وضَرورةُ الثَّباتِ فيه، والتعمُّقِ في أخذِه، والبعدِ عن السَّطحيَّةِ فيه.
والرُّسوخُ قَدْرٌ زائدٌ على مجرَّدِ العِلمِ؛ فالرَّاسخُ في العِلم يقتضي أنْ يكونَ عالِمًا محقِّقًا، وعارفًا مُدَقِّقًا، قد رسخ قدمُه في أسرارِ الشَّريعةِ؛ عِلمًا وحالًا وعمَلًا.
[سنن ابن ماجه] (1/ 18 ت عبد الباقي) :
47 - حدثنا محمد بن خالد بن خداش قال: حدثنا إسماعيل ابن علية قال: حدثنا أيوب، ح وحدثنا أحمد بن ثابت الجحدري، ويحيى بن حكيم، قالا: حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة ، قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] إلى قوله، {وما يذكر إلا أولو الألباب} فقال: يا عائشة، إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عناهم الله، فاحذروهم
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (1/ 277) :
[76] أخبرنا الحسن بن سفيان الشيباني قال حدثنا عاصم بن النضر الأحول قال حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت أيوب يحدث عن بن أبي مليكة
عن عائشة أنها قالت: قرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] إلى قوله: {أولي الألباب} قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم" قال مطر: حفظت أنه قال: "لا تجالسوهم فهم الذين عنى الله فاحذروهم".
قال أبو حاتم: سمع هذا الخبر أيوب عن مطر الوراق وابن أبي مليكة جميعا.
[مسند البزار - البحر الزخار] (18/ 206) :
197- حدثنا مؤمل بن هشام، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله تبارك وتعالى فاحذروهم.
الشريعة للآجري (1/ 340) :
43 - حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال: حدثنا يحيى بن حكيم قال: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال: حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} [آل عمران: 7] إلى قوله: {وما يذكر إلا أولو الألباب} فقال: يا عائشة، إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله تعالى، فاحذروهم