- كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ كِتَابًا، بأَنْ يَحْفَظَنِي في صَاغِيَتي بمَكَّةَ، وَأَحْفَظَهُ في صَاغِيَتِهِ بالمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ قالَ: لا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ ، كَاتِبْنِي باسْمِكَ الذي كانَ في الجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ: عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمَّا كانَ في يَومِ بَدْرٍ، خَرَجْتُ إلى جَبَلٍ لِأُحْرِزَهُ حِينَ نَامَ النَّاسُ، فأبْصَرَهُ بلَالٌ، فَخَرَجَ حتَّى وَقَفَ علَى مَجْلِسٍ مِنَ الأنْصَارِ، فَقالَ: أُمَيَّة بنُ خَلَفٍ لا نَجَوْتُ إنْ نَجَا أُمَيَّةُ، فَخَرَجَ معهُ فَرِيقٌ مِنَ الأنْصَارِ في آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا، خَلَّفْتُ لهمُ ابْنَهُ لأشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَبَوْا حتَّى يَتْبَعُونَا، وَكانَ رَجُلًا ثَقِيلًا، فَلَمَّا أَدْرَكُونَا، قُلتُ له: ابْرُكْ فَبَرَكَ، فألْقَيْتُ عليه نَفْسِي لأمْنَعَهُ، فَتَخَلَّلُوهُ بالسُّيُوفِ مِن تَحْتي حتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بسَيْفِهِ، وَكانَ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذلكَ الأثَرَ في ظَهْرِ قَدَمِهِ.

الدلالات الموضوعية:# وكالة - توكيل الحربي# مناقب وفضائل - عبد الرحمن بن عوف# مغازي - غزوة بدر
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: عبدالرحمن بن عوف
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (3/ 90) واللفظ له، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (7/ 29) بنحوه، والحاكم مقتصرًا على الفقرة الأولى.

الشرح والتوضيح

الوَفاءُ بالعُهودِ مِن صِفاتِ المسلمِ الحقِّ، وهذا الوَفاءُ يكونُ لكلِّ البشَرِ مُسلمِين وغيرِهم، ولكنْ يَنْبغي على المسلمِ أنْ تكونَ عُهودُه مع غَيرِ المسلمينَ لا تُخالِفُ تَعاليمَ الإسلامِ؛ حتَّى لا يَقَعَ التَّعارُضُ بيْن الأمْرينِ.

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه كتَبَ كِتابًا لأُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ -وكان مِن رُؤوسِ الشِّركِ بمكَّةَ- فجَعَلَ بيْنهما عَهْدًا بأنْ يَحفَظَ أُميَّةُ بنُ خَلَفٍ لعبْدِ الرَّحمنِ صاغِيَتَه بمكَّةَ ويَحفَظَ عبْدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ لأُمَيَّةَ صَاغِيَتَه بالمدينةِ، والصَّاغِيَةُ: المالُ أو الحاشيَةُ أو الأهلُ.

يقولُ عبدُ الرَّحمنِ: فلمَّا ذَكَرْتُ لفْظَ «الرَّحمنِ»، وكتَبْتُ اسْمي الجديدَ بعْدَ أنْ أسلَمْتُ في الكتابِ «عبْد الرَّحمنِ»، قال أُمَيَّةُ: لا أَعرِفُ «الرَّحمنَ» الَّذي جَعَلْتَ نَفسَك عبْدًا له، ولا أعبَدُ مَن تَعبُدُه، وهذه حَميَّةُ الجاهليَّةِ، وقال له: كاتِبْني بِاسْمِك الَّذي كان في الجاهليَّةِ، فكاتَبَه عبدُ الرَّحمنِ باسْمِ عَبدِ عَمرٍو، وإنَّما رَضيَ عبْدُ الرَّحمنِ بكِتابةِ اسمِه القديمِ؛ لأنَّ في ذلك مَصلحةً لإنفاذِ العقْدِ بيْنهما، وليس فيه رِضًا بالتَّعبُّدِ لغيرِ اللهِ، وهو في ذلك كما رَضيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَمحُوَ اسمَ الرَّحمنِ في صُلحِ الحُديبيةِ، وكَتَبَ «باسْمِك اللَّهُمَّ».

فلمَّا كان في يَومِ غَزوةِ بَدرٍ في السَّنةِ الثَّانيةِ مِن الهِجرةِ، والتي حارَبَ فيها مُشرِكو مكَّةَ المسلمينَ في المَدينةِ، وكان أُميَّةُ بنُ خَلَفٍ مُشرِكًا ومُشارِكًا في جَيشِ كُفَّارِ مكَّةَ؛ خرَجَ عبْدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ إلى جَبَلٍ، وذلك بعْدَ هُدوءِ المَعركةِ وانتصارِ المسلمينَ؛ ليَحفَظَ ويَحمِيَ أُميَّةَ بنَ خلَفٍ؛ لأنَّه لم يكُنْ في القَتْلى ولا في الأَسْرى، وكان خُروجُ عبْدِ الرَّحمنِ رَضيَ اللهُ عنه حِينَ نام النَّاسُ وغَفَلوا، فرَأى بِلالُ بنُ رَباحٍ رَضيَ اللهُ عنه مُؤذِّنُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ، وكان أُميَّةُ يُعذِّبُ بِلالًا بمكَّةَ لأجْلِ إسلامِه عَذابًا شديدًا، فخرَجَ بِلالٌ حتَّى وقَفَ على مَجلسٍ مِن الأنصارِ، فأعْلَمَهم بوُجودِ أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ، وأغْراهم على قتْلِه، وأمَرَهم أنْ يَلزَموه وألَّا يَترُكوه يَنْجو، وقال لهم بِلالٌ: لا نَجَوتُ إنْ نَجَا أُمَيَّةُ رَأسُ الكفْرِ، وهذا كِنايةٌ عن تَوعُّدِه له؛ إمَّا أنْ يَموتَ أُميَّةُ أو يَموتَ بِلالٌ، فخَرَجَ معه فَريقٌ منَ الأنصارِ في آثارِهما، يَقولُ عبدُ الرَّحمنِ: فلمَّا خَشِيتُ أنْ يَلحَقونا تَرَكْتُ ابنَ أُمَيَّةَ ليَشغَلَهم عن أبيه، فقَتَلُوه، ثم امْتَنَعوا عن تَرْكِهما وأصَرُّوا على اتِّباعِهما، وكان أُمَيَّةُ رجُلًا ثَقيلًا ضَخْمَ الجُثَّةِ، وهذا كِنايةٌ عن بُطْئِه، فلمَّا أدْركونَا قُلتُ له: ابْرُكْ، يُريدُ منه الاستلقاءَ والجُلوسَ، فبَرَكَ عليه عبْدُ الرَّحمنِ حتَّى غطَّاهُ بجَسَدِه ليَمنَعَه منْهم، وإنَّما فَعَلَ عبدُ الرَّحمنِ ذلك؛ للعهْد الَّذي بيْنهما، ولكنَّ بِلالًا ومَن معه رَضيَ اللهُ عنهم تَخَلَّلوه بالسُّيوفِ؛ أي: أَدخَلوا أسيافَهم خِلالَ عبْدِ الرَّحمنِ حتَّى وَصَلوا إلى أُميَّةَ وطَعَنوا بِهَا مِن تحتِ عبدِ الرَّحمنِ حتَّى قتلوا أُميَّةَ، وقدْ أصاب أحدُهم رِجلَ عبدِ الرَّحمنِ بسَيفِه، وكان عبْدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ يُري مَن يُحدِّثُهم هذا الحديثَ ذلك الأثَرَ في ظَهْرِ قَدَمِه.

قيل: إنَّما لم يَستجِبْ بِلالٌ ومَن معه لأمانِ وعَهْدِ عبدِ الرَّحمنِ رَضيَ اللهُ عنهم جَميعًا؛ لأنَّه لم يكُنْ لقُريشٍ أمانٌ يومَ بَدْرٍ، وقيل: هو مَنسوخٌ بحَديثِ ابنِ ماجهْ: «يُجيرُ على المسلمينَ أدْناهم»، ولحديثِ أمِّ هانئٍ يومَ فتْحِ مكَّةَ مِن قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «قدْ أجَرْنا مَن أجَرْتِ يا أُمَّ هانئٍ»، متَّفقٌ عليه.

وفي الحديثِ: الوَفاءُ بالعهْدِ؛ لأنَّ عبْدَ الرَّحمنِ كان صَديقًا لأُميَّةَ بمكَّةَ، فوفَّى بالعهْدِ الَّذي كان بيْنهما.

وفيه: مُجازاةُ المسلمِ للكافرِ على البِرِّ يكونُ منه للمسلمِ، والإحسانُ إليه على جَميلِ فِعلِه، والسَّعيُ له في تَخليصِه مِن القتْلِ وشِبْهِه.

وفيه: المُجازاةُ على سُوءِ الفِعلِ بمِثلِه، والانتقامُ مِن الظَّالمِ.

وفيه: أنَّ مَن أُصيبَ حِين يُدافِعُ عمَّن يَستحِقُّ العُقوبةَ أنَّه لا شَيءَ فيه.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (3/ 98) 2301 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني يوسف بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، قال: كاتبت أمية بن خلف كتابا، بأن يحفظني في صاغيتي بمكة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت الرحمن قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته: عبد عمرو، فلما كان في يوم بدر، خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس، فأبصره بلال، فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار، فقال أمية بن خلف: لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا، خلفت لهم ابنه لأشغلهم فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا، وكان رجلا ثقيلا، فلما أدركونا، قلت له: ابرك فبرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، وكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه، قال أبو عبد الله: سمع يوسف صالحا، وإبراهيم أباه

دلائل النبوة للبيهقي (3/ 90) أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة، قال: حدثنا يوسف بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم، يعني ابن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده ، قال: كان بيني وبين أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في ضياعي بمكة، وأحفظه في ضياعه بالمدينة، فلما ذكرت الرحمن قال: لا أعرف الرحمن؛ كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته عبد عمرو، فلما كان يوم بدر خرجت به إلى شعب لأحرزه حتى يأمن الناس، فأبصره بلال بن رباح، فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار، فقال أمية بن خلف: لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه نفر من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم به، فقتلوه ثم أتوا حتى اتبعونا، وكان رجلا ثقيلا، فلما أدركونا قلت له: ابرك، فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه منهم، فجللوه بأسيافهم من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، وكان عبد الرحمن يرينا ذلك الأثر بظهر قدمه ".

رواه البخاري في الصحيح عن عبد العزيز بن عبد الله، عن يوسف، وقال: صاغيتي وصاغيته، يريد بالصاغية الحاشية والأتباع، ومن يصغى إليه منهم أي: يميل.

[تاريخ دمشق - لابن عساكر] (7/ 29) أخبرنا أبو القاسم الجنيد بن محمد بن علي القائفي الصوفي ببغداد وبهراة وأبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن البغدادي بأصبهان قالا أنا أبو منصور بن شكرويه زاد أبو سعد وأبو بكر محمد بن أحمد بن علي السمسار قالا أنا إبراهيم بن عبد الله بن حوشب قوله نا الحسين بن إسماعيل المحاملي نا علي بن مسلم نا يوسف بن يعقوب الماجشون أنا صالح بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن قال كاتبت أمية بن خلف كتابة في أن يحفظني في صاغيتي بمكة واحفظه في صاغيته بالمدينة فلما بلغ اسم عبد الرحمن قال لا أعرف الرحمن كاتبني باسمك الذي كان فكاتبته عبد عمرو فلما كان يوم بدر خرجت لأحرزه في شعب حتى يأمن الناس فرأيت بلال مولى أبي بكر فأقبل وقال ابن البغدادي قد أقبل حتى وقف على مجلس من الأنصار فقال يا معشر الأنصار أمية بن خلف لا نجوت إن نجا فخرج معه نفر قال عبد الرحمن فلما خشيت أن يدركونا خلفت لهم ابنه أشغلهم به فقتلوه ثم أتوا حتى لحقونا وكان أمية رجل ثقيلا فقلت له ابرك قال فكان عبد الرحمن يرينا بظهر قدمه وسقط من الحديث بعضه.

المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/ 348) 5342 - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا أبو ثابت، ثنا يوسف بن يعقوب الماجشون، أنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف قال: " قال أمية بن خلف: كاتبني باسمك الذي كنت تكاتبنيه عبد عمرو ".

أحاديث ذات صلة