إنَّكُمْ تَقُولونَ: إنَّ أبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتَقُولونَ: ما بَالُ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ لا يُحَدِّثُونَ عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمِثْلِ حَديثِ أبِي هُرَيْرَةَ؟! وإنَّ إخْوَتي مِنَ المُهَاجِرِينَ كانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بالأسْوَاقِ، وكُنْتُ ألْزَمُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى مِلْءِ بَطْنِي، فأشْهَدُ إذَا غَابُوا، وأَحْفَظُ إذَا نَسُوا، وكانَ يَشْغَلُ إخْوَتي مِنَ الأنْصَارِ عَمَلُ أمْوَالِهِمْ، وكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِن مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ، أعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وقدْ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ: إنَّه لَنْ يَبْسُطَ أحَدٌ ثَوْبَهُ حتَّى أَقْضِيَ مَقالتي هذِه، ثُمَّ يَجْمَعَ إلَيْهِ ثَوْبَهُ؛ إلَّا وعَى ما أقُولُ.

فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ، حتَّى إذَا قَضَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَقالَتَهُ جَمَعْتُهَا إلى صَدْرِي، فَما نَسِيتُ مِن مَقالَةِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تِلكَ مِن شَيءٍ.

الدلالات الموضوعية:# آداب عامة - الخطأ والنسيان# صدقة - المسكين والفقير# علم - حفظ العلم# مناقب وفضائل - أبو هريرة# علم - فضل مجالس العلم والذكر
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: أبو هريرة
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه مسلم (2492) باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

نَقْلُ السُّنةِ النَّبويَّةِ والتَّحديثُ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ أمْرٌ جَليلٌ ومَسؤوليةٌ خَطيرةٌ، وقد كان الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم يَتحرَّون الدِّقَّةَ والتَّثبُّتَ في تلك المَرْويَّاتِ، وكان منهم المُكثِرُ والمُقِلُّ في الرِّوايةِ، كلٌّ حسْبَ الوقتِ الَّذي صاحَبَ فيه رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وما تَحمَّلَ منه، وكان أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه مِن أكثَرِ أصحابِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رِوايةً لِلأحاديثِ، ولَمَّا شَعَرَ أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه بِتَعجُّبِ البَعضِ وسُؤالِهم عَن كَثْرةِ حَديثِه عنِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ ذَكَرَ الأسبابَ الَّتي جَعَلَتْه يُحدِّثُ أكثرَ مِنْ غَيرِه مِنَ المهاجرِينَ والأنصارِ، والمرادُ بهم عُمومُ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم، فأخْبَرَ أنَّ إخوانَه في الدِّينِ مِنَ المهاجِرِينَ كان يَشغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواقِ، أي: البيعُ والشِّراءُ والتِّجارةُ، بيْنما كان هو يُلازِمُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُقتنِعًا ومُكتفِيًا بالقُوتِ الَّذي يَسُدُّ جُوعَه فَقط، ولذلك فإنَّه كان مُتواجِدًا أكثَرَ الأوقاتِ، فيَحضُرُ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا غابوا، ويَحفَظُ الحديثَ إذا نَسُوا؛ لِكَثرةِ مُلازمتِه لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

ثُمَّ أخبَرَ أنَّ الأنصارَ كان يَشغَلُهم ما يَتعلَّقُ بإصلاحِ أموالَهُم مِن مَزارِعَ ونحْوِها، بيْنما كان هو رجُلًا مِسكينًا مِن مَساكينِ الصُّفَّةِ، لا شَيءَ له ليُتاجِرَ به أو يَشغَلَه إصلاحُه، والصُّفَّةُ: مَوضعٌ مُظلَّلٌ في المسجدِ النَّبويِّ، كان يَأْوي إليه الغُرباءُ وفُقراءُ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم ومَن ليس له مَنزِلٌ منهم؛ ولذلك فإنَّه كان في مَوضعِ سَماعِ العِلمِ والحديثِ دائمًا، فيَتذكَّرُ مِنَ الحديثِ ما يَنسَوْنَه هم، ثُمَّ أخبَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَنَّه قال: «لَنْ يَبسُطَ أحدٌ ثَوبَه حتَّى أَقضِي مَقالتي هذه، ثُمَّ يَجمَعَ إليه ثَوبَه؛ إلَّا وَعَى ما أقولُ»، أي: إلَّا حَفِظَ ما أقولُه، فبَسَطَ أبو هَرَيْرَةَ رَضيَ اللهُ عنه نَمِرةً كان يَلبَسُها، وهي كِساءٌ مُخطَّطٌ أو مُلوَّنٌ، وظلَّ باسِطًا رِداءَهُ إلى أنِ انْتَهى النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن حَديثِه، فمَا نَسِيَ بعدَ ذلك مَقالةً ولا حَديثًا مِمَّا قالَه النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في ذلك الموضِعِ.

ولعلَّ مِن بَرَكةِ هذه الدَّعوةِ أنَّه ظلَّ حافظًا لكلِّ ما تَعلَّمَه وسَمِعَه مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خِلالَ مُكوثِه الطَّويلِ معه.

وفي الحَديثِ: مُعجِزةٌ ظاهرةٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وفيه: فَضيلةٌ ظاهرةٌ لأبي هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه.

وفيه: الحِرْصُ على التَّعَلُّمِ.

وفيه: ذِكرُ الإنسانِ مَحاسِنَه؛ ليَرُدَّ الشُّبهةَ عن نفْسِه، وليس مِن بابِ التَّزكيةِ.

وفيه: عَمَلُ كِبارِ الصَّحابةِ بالتِّجارةِ والتَّكَسُّبِ لمَعاشِهم.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (3/ 52) :

2047 - حدثنا أبو اليمان: حدثنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن : أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: ‌إنكم ‌تقولون: ‌إن ‌أبا ‌هريرة ‌يكثر ‌الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي هريرة، وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة، أعي حين ينسون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يحدثه: أنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمع إليه ثوبه، إلا وعى ما أقول، فبسطت نمرة علي، حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك من شيء.

صحيح مسلم (4/ 1939 ت عبد الباقي) :

159 - (2492) حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب.

جميعا عن سفيان.

قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن الأعرج.

قال: سمعت أبا هريرة يقول:إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والله الموعد.

كنت رجلا مسكينا.

أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني.

وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق.

وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئا سمعه مني" فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه.

ثم ضممته إلي.

فما نسيت شيئا سمعته منه.

صحيح مسلم (4/ 1940 ت عبد الباقي) :

159 - م - (2492) حدثني عبد الله بن جعفر بن يحيي بن خالد.

أخبرنا معن.

أخبرنا مالك.

ح وحدثنا عبد بن حميد.

أخبرنا عبد الرزاق.

أخبرنا معمر.

كلاهما عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة ، بهذا الحديث.

غير أن مالكا انتهى حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة.

ولم يذكر في حديثه الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم "من يبسط ثوبه" إلى آخره.

أحاديث ذات صلة