كان أبو لهب وابنه عتيبة قد تجهزا إلى الشام وتجهزت معهما فقال ابنه عتيبة والله لأنطلقن إليه فلأوذينه في ربه ، فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، هو يكفر بالذي دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم ابعث عليه كلبا من كلابك " ثم انصرف عنه ، فرجع إليه فقال : أي بني ما قلت له ؟ قال : كفرت بإلهه الذي يعبد ، قال فماذا قال لك ؟ قال : قال اللهم ابعث عليه كلبا من كلابك ، فقال : أي بني ، والله ما آمن عليك دعوة محمد ، قال فسرنا حتى نزلنا الشراة وهي مأسدة ، فنزلنا إلى صومعة راهب ، فقال : يا معشر العرب ما أنزلكم هذه البلاد وإنها مسرح الضيغم ؟ فقال لنا أبو لهب إنكم قد عرفتم حقي ، قلنا : أجل يا أبا لهب ، فقال : إن محمدا قد دعا على ابني دعوة ، والله ما آمنها عليه ، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة ، ثم افرشوا لابني عتيبة ثم افرشوا حوله ، قال : ففعلنا ، جمعنا المتاع حتى ارتفع ، ثم فرشنا له عليه ، وفرشنا حوله ، فبينا نحن حوله وأبو لهب معنا أسفل ، وبات هو فوق المتاع ، فجاء الأسد فشم وجوهنا ، فلما لم يجد ما يريد تقبض ثم وثب ، فإذا هو فوق المتاع ، فجاء الأسد فشم وجهه ثم هزمه هزمة ففضخ رأسه ، فقال سيفي يا كلب ، لم يقدر على غير ذلك ، ووثبنا ، فانطلق الأسد وقد فضخ رأسه ، فقال له أبو لهب : قد عرفت والله ما كان لينفلت من دعوة محمد .
ورواه أبو نعيم في "الدلائل" (220) وسماه عتبة بن أبي لهبب ، وفيه : ( اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ). والحديث حسنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (4 /39) ، والعيني في "عمدة القاري" (16 /51) ، والشوكاني في "نيل الأوطار" (5 /80) ، والصنعاني في "سبل السلام" (2 /195) .
وينبغي أن يعلم أنه قد يكون من المناسب الدعاء على الكافر بالهلاك ، وقد يكون الأنسب الدعاء له بالهداية ، وذلك حسب شدة عداوته للمسلمين .
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
هل يُدعى على المرتد والكافر بالموت والهلاك والعذاب ، أم يدعى له بالهداية ؟ ومتى يدعى له ؟ ومتى يدعى عليه ؟
فأجاب : " إذا كان هذا المرتد مؤذياً لعباد الله مجرما في حقهم فلا حرج من الدعاء عليه بالهلاك اتقاء لشره ، وإن لم يكن كذلك فالأحسن أن يدعي له بالهداية بدلا من أن يدعى عليه بالهلاك ، مع أن الواجب على ولاة الأمر تجاه المرتدين أن يدعوهم إلى الإسلام ، وأن ينذروهم مهلة لا تزيد على ثلاثة أيام ولهم الخيار أن يدعوا هذه المهلة إذا رأوا المصلحة في تنجيز قتله ، ثم إذا مضت المهلة وأصر المرتد على ما هو عليه من الردة فيجب قتله ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (من بدل دينه فاقتلوه) " انتهى .
"فتاوى إسلامية" (4 /232) .
دلائل النبوة لأبي نعيم
أبو نعيم الأصبهاني - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني
صفحة 455 جزء 2
قصة عتيبة بن أبي لهب :
380 - حدثنا أبو نصر منصور بن محمد بن منصور الأصبهاني ثنا إسحاق بن أحمد الفارسي ثنا محمد بن حميد ثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن عثمان بن عروة بن الزبير عن أبيه عن هبار بن الأسود قال :
قِصَّةُ عُتْيْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ :
380 - حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ مَنْصُورُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْأَصْبَهَانِيُّ ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ :
[ ص: 455 ] كَانَ أَبُو لَهَبٍ وَابْنُهُ عُتَيْبَةُ قَدْ تَجَهَّزَا إِلَى الشَّامِ وَتَجَهَّزْتُ مَعَهُمَا فَقَالَ ابْنُهُ عُتَيْبَةُ وَاللَّهِ لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَيْهِ فَلَأُوذِيَنَّهُ فِي رَبِّهِ ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هُوَ يَكْفُرُ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ " ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّ مَا قُلْتَ لَهُ ؟ قَالَ : كَفَرْتُ بِإِلَهِهِ الَّذِي يَعْبُدُ ، قَالَ فَمَاذَا قَالَ لَكَ ؟ قَالَ : قَالَ اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ ، فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّ ، وَاللَّهِ مَا آمَنُ عَلَيْكَ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ، قَالَ فَسِرْنَا حَتَّى نَزَلْنَا الشَّرَاةَ وَهِيَ مَأْسَدَةٌ ، فَنَزَلْنَا إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ مَا أَنْزَلَكُمْ هَذِهِ الْبِلَادَ وَإِنَّهَا مَسْرَحُ الضَّيْغَمِ ؟ فَقَالَ لَنَا أَبُو لَهَبٍ إِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ حَقِّي ، قُلْنَا : أَجَلْ يَا أَبَا لَهَبٍ ، فَقَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ دَعَا عَلَى ابْنِي دَعْوَةً ، وَاللَّهِ مَا آمَنُهَا عَلَيْهِ ، فَاجْمَعُوا مَتَاعَكُمْ إِلَى هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ ، ثُمَّ افْرِشُوا لِابْنِي عُتَيْبَةَ ثُمَّ افْرِشُوا حَوْلَهُ ، قَالَ : فَفَعَلْنَا ، جَمَعْنَا الْمَتَاعَ حَتَّى ارْتَفَعَ ، ثُمَّ فَرَشْنَا لَهُ عَلَيْهِ ، وَفَرَشْنَا حَوْلَهُ ، فَبَيْنَا نَحْنُ حَوْلَهُ وَأَبُو لَهَبٍ مَعَنَا أَسْفَلَ ، وَبَاتَ هُوَ فَوْقَ الْمَتَاعِ ، فَجَاءَ الْأَسَدُ فَشَمَّ وُجُوهَنَا ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مَا يُرِيدُ تَقَبَّضَ ثُمَّ وَثَبَ ، فَإِذَا هُوَ فَوْقَ الْمَتَاعِ ، فَجَاءَ الْأَسَدُ فَشَمَّ وَجْهَهُ ثُمَّ هَزَمَهُ هَزْمَةً فَفَضَخَ رَأْسَهُ ، فَقَالَ سَيْفِي يَا كَلْبُ ، لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَوَثَبْنَا ، فَانْطَلَقَ الْأَسَدُ وَقَدْ فُضِخَ رَأْسُهُ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ : قَدْ عَرَفْتُ وَاللَّهِ مَا كَانَ لِيَنْفَلِتَ مِنْ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ .
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد
الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي
صفحة 217 جزء 10
روى البيهقي وأبو نعيم عن أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه والبيهقي عن قتادة وأبو نعيم وابن عساكر عن عروة عن هبار بن الأسود وأبو نعيم عن طاوس وابن إسحاق وأبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي يزيد بعضهم على بعض أن عتبة بن أبي لهب قال : يا محمد هو يكفر بالذي دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى كذا في حديث هبار وفي حديث طاوس وأبو الضحى ويكفر برب النجم إذا هوى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سلط عليه كلبا من كلابك» .
وكان أبو لهب يحتمل البز إلى الشام ويبعث بولده مع غلمانه ووكلائه ويقول : إنكم قد عرفتم سني وحقي وإن محمدا قد دعا على ابني دعوة والله ما آمنها عليه فتعاهدوه فكانوا إذا نزلوا المنزل ألزقوه إلى الحائط وغطوا عليه الثياب والمتاع حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له الزرقاء ليلا فطاف بهم الأسد فجعل عتبة يقول : يا ويل أمي هو والله آكلي كما دعا محمد علي قتلني محمد وهو بمكة وأنا بالشام لا والله ما أظلت السماء على ذي لهجة أصدق من محمد ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه ثم جاء النوم فحاطوا أنفسهم بمتاعهم ووسطوه بينهم وناموا فجاء الأسد يهمس يستنشق رؤوسهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه وقال هبار : فجاء الأسد فشم وجوهنا فلما*EP* لم يجد ما يريد تقابض ثم وثب فإذا هو فوق المتاع فشم وجهه ثم هزمه هزمة ففضخ رأسه فقال وهو بآخر رمق : ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس ؟ ومات فبلغ ذلك أبا لهب فقال : ألم أقل لكم إني أخاف عليه دعوة محمد ؟ قد والله عرفت ما كان لينفلت من دعوة محمد .