لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ
الدر المنثور — جلال الدين السيوطي ، أخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ
قولِه تعالى: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [الدخان: 37] ، "كان لَعِينًا أمْ لا"، أي: مَطْرودًا مِن رَحمةِ اللهِ ومَغضوبًا عليهِ، أو ليسَ مَطرودًا؛ قيلَ: وهذا القولُ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُرجِّحُ أنَّه كانَ قبْلَ أنْ يُوحَى إليه شَيءٌ في أمْرِه؛ لأنَّه قدْ وَردَ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعديِّ وابنِ عبَّاسٍ رضِيَ الله عَنهما قالَا: قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "لا تَسبُّوا تُبَّعًا؛ فإنَّه كانَ قدْ أسلَمَ"، أي: كانَ قدْ أسلَمَ الوَجهَ للهِ بالتَّوحيدِ، و(تُبَّعٌ) قِيل: إنَّه كانَ مِن مُلوكِ اليَمنِ في الجاهِليَّةِ، وكانَ يَعبُدُ النَّارَ، فأسلَمَ ودَعا قَومَه- وهُم حِمْيرٌ- إلى الإسْلامِ، وفي رِوايةٍ للحاكمِ: "ما أدْري تُبَّعٌ أنَبيًّا كان أمْ لا"، قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "وما أدْري ذو القُرنينِ أنَبِيًّا كان أمْ لا" وذو القَرنينِ هو ملِكٌ آتاهُ اللهُ مُلْكَ المشرقِ والمغربِ، وآتاهُ مِن العلْمِ ما جعَلَه يَبْني سَدًّا حَصينًا يَحبِسُ خلْفَه يأْجوجَ ومأْجوجَ، وقد وردَتْ قِصَّتُه في سُورةِ الكهْفِ، "وما أدْري الحُدودُ" وهي العُقوباتُ الَّتي حدَّدَها اللهُ على الذُّنوبِ الكبيرةِ؛ كحَدِّ الزِّنا، وحَدِّ السَّرقةِ، "كفَّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا"، أي: تَمْحو عنهم ذنْبَهم الَّذي أُقِيمَ عليهم الحدُّ فيه أم لا، وقد ورَدَ في صَحيحِ مُسلمٍ عَن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ، قال: "كُنَّا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مَجْلسٍ، فقال: تُبايعُوني على ألَّا تُشرِكُوا باللهِ شيئًا، ولا تَزْنُوا، ولا تَسرِقُوا، ولا تَقتُلوا النَّفْسَ الَّتى حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحقِّ.
فمَنْ وَفَى مِنكُم فأَجْرُه على اللهِ، ومَن أصابَ شيئًا مِن ذلك؛ فعُوقِبَ بهِ، فهو كفَّارةٌ لهُ، ومَنْ أصابَ شيئًا مِن ذلك، فسَتَرَهُ اللهُ عليهِ، فأَمْرُه إلى اللهِ؛ إِنْ شاءَ عَفَا عنْه، وإنْ شاءَ عذَّبَهُ"، فذكَرَ الكبائرَ، ثمَّ ذكَرَ أنَّ مَن عُوقِبَ عليها وتابَ، فإنَّ الكبيرةَ تُكفَّرُ؛ فيَحتمِلُ قولُه: "وما أدْري الحُدودُ كفَّاراتٌ لِأَهْلِها أمْ لا" أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان لا يَدْري، ثمَّ بُيِّنَ له أنَّها كفَّاراتٌ، وإنَّما سمَّاها كفَّارةً؛ لأنَّها تُكفِّرُ الذُّنوبَ وتُغطِّيها.
وفي الحديثِ: التَّنبيهُ إلى عَدمِ القَولِ في أيِّ أمْرٍ بغيرِ عِلمٍ.
وفيه: أنَّه يَنْبغي التَّوقُّفُ عمَّا ليس للمرْءِ به عِلْمٌ مُحقَّقٌ.
قدْ وَردَ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعديِّ وابنِ عبَّاسٍ رضِيَ الله عَنهما قالَا: قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "لا تَسبُّوا تُبَّعًا؛ فإنَّه كانَ قدْ أسلَمَ"
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ سَبِّهِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ» .