أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، أَتَى علَى امْرَأَةٍ تَبْكِي علَى صَبِيٍّ لَهَا، فَقالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، فَقالَتْ: وَما تُبَالِي بمُصِيبَتي فَلَمَّا ذَهَبَ، قيلَ لَهَا: إنَّه رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فأخَذَهَا مِثْلُ المَوْتِ، فأتَتْ بَابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ علَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقالَ: إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ، أَوْ قالَ: عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ.[وفي رواية]: مَرَّ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ.

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - الصبر عند الصدمة الأولى# رقائق وزهد - الصبر على البلاء# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - تواضعه صلى الله عليه وسلم# جنائز وموت - زيارة القبور والأدب في ذلك# جنائز وموت - البكاء على الميت
المصدر: صحيح مسلم
الراوي: أنس بن مالك
المحدث: مسلم
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (1283)، وأبو داود (3124) كلاهما بالقصة مختصرا، والترمذي (988) والنسائي (1869) كلاهما مختصرا ببعض لفظه.

الشرح والتوضيح

سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يقولُ لِامْرَأَةٍ مِن أهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: فإنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَرَّ بهَا وهي تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقالَ: اتَّقِي اللَّهَ، واصْبِرِي، فَقالَتْ: إلَيْكَ عَنِّي، فإنَّكَ خِلْوٌ مِن مُصِيبَتِي، قالَ: فَجَاوَزَهَا ومَضَى، فَمَرَّ بهَا رَجُلٌ فَقالَ: ما قالَ لَكِ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قالَتْ: ما عَرَفْتُهُ؟ قالَ: إنَّه لَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: فَجَاءَتْ إلى بَابِهِ فَلَمْ تَجِدْ عليه بَوَّابًا، فَقالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، واللَّهِ ما عَرَفْتُكَ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ صَدْمَةٍ.

الراوي : أنس بن مالك المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 7154 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه أحمد (3554)، وأبو يعلى (3554) كلاهما باختلاف يسير، ومسلم (926) بنحوه.

كتَبَ اللهُ سُبحانَه وتعالَى على عِبادِه البَلاءَ في أنفُسِهم وأموالِهم وأولادِهم، ووعَدَ الصَّابرينَ على هذا البَلاءِ الأجرَ العظيمَ؛ فقال تعالى: {إِنَّمَا يوُفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ التابعيُّ ثابِتٌ البُنانيُّ أنَّه سمع أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه يُكَلِّمُ امْرَأَةً مِن أهْلِهِ، وسَأَلَها: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟ قالَتْ: نَعَمْ، فأخبرها أنَّه لَمَّا مرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على هذه المرأةِ ووجَدَها تَبْكي على القَبرِ لِفقْدِ أحدِ أحبَّائِها، وفي روايةِ مُسلِمٍ: «تبكي على صبيٍّ لها»؛ قال لها ناصحًا: «اتَّقِي اللهَ واصْبِري»، أي: لا تَجزَعِي الجَزَعَ الذى يُحبِطُ الأجرَ، واسْتشعِري الصَّبْرَ على المُصيبةِ بما وعَدَ اللهُ على ذلك؛ ليحصُلَ لك الثَّوابُ، وخافي غَضَبَ اللهِ إن لم تَصْبري، فقالتِ المرأةُ: ابتَعِدْ عنِّي؛ فإنَّك لمْ تُصَبْ بما أُصِبْتُ به، فَجاوزَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَضَى في طَريقِه، فعرَّفَها رجُلٌ بأنَّ مَن مَرَّ بها ونصحها بتقوى اللهِ والصَّبرِ على المصيبةِ هو النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقالت: إنها لم تكُنْ تَعرِفُ أنَّه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ إذ لو عرفَتْه لم تكُنْ لتخاطِبَه بهذا الخِطابِ، ثُمَّ جاءتْ إلى بَيتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلم تَجِدْ عليه بوَّابًا، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أكثرَ النَّاسِ تَواضعًا؛ لا يَقِفُ على بابِه بوَّابٌ، أو حارسٌ، أو حاجِبٌ يمنعُ النَّاسَ من الدُّخولِ عليه، وفائِدةُ هذه الجُملةِ أنَّ المرأةَ لَمَّا استشعرت خوْفًا وهيبةً في نفسِها، تصَوَّرت أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِثلُ الملوكِ له حاجِبٌ أو بوَّابٌ يمنعُ النَّاسَ مِن الوصولِ إليه، فوجدت الأمرَ بخلافِ ما تصوَّرَتْه، فلمَّا أتَتْهُ قالتْ له: واللهِ ما عرَفْتُك، وكأنها تعتَذِرُ عن سوءِ قَولِها وسُوءِ رَدِّها عليه، فأخبرها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الصَّبرَ المحمودَ الذي يُؤجَرُ عليه الإنسانُ يكونُ عندَ صَدمةِ المُصيبةِ الأُولَى وبِدايتِها؛ لأنَّه هو الذي يَشُقُّ ويَعظُمُ تَحمُّلُه ومُجاهدةُ النَّفْسِ عليه، وأمَّا بعْدَ الصَّدمةِ الأُولى ومُرورِ الأيامِ فكلُّ أحدٍ يَصبِرُ ويَنسَى المُصيبةَ.

وفي الحَديثِ: بَيانُ تَواضُعِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه: مَوعظةُ المصابِ ونُصحُه عِندَ البُكاءِ على الميِّتِ.

وفيه: رِفقُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكريمُ خُلقِه؛ حيثُ لم يَنتهِرِ المرأةَ لَمَّا ردَّتْ عليه قولَه، بل عذَرَها بمُصيبتِها.

أحاديث ذات صلة