لَمَّا قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ: لا تُنْفِقُوا علَى مَن عِنْدَ رَسولِ اللَّهِ، وقالَ أيضًا: لَئِنْ رَجَعْنَا إلى المَدِينَةِ، أخْبَرْتُ به النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلامَنِي الأنْصَارُ، وحَلَفَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ما قالَ ذلكَ، فَرَجَعْتُ إلى المَنْزِلِ فَنِمْتُ، فَدَعَانِي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأتَيْتُهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قدْ صَدَّقَكَ، ونَزَلَ: {هُمُ الَّذِينَ يقولونَ لا تُنْفِقُوا} الآيَةَ
أخرجه مسلم (2772)، والترمذي (3312)، وأحمد (19334) واللفظ لهم باختلاف يسير.
خَرَجْنَا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَفَرٍ أصَابَ النَّاسَ فيه شِدَّةٌ، فَقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ لأصْحَابِهِ: لا تُنْفِقُوا علَى مَن عِنْدَ رَسولِ اللَّهِ حتَّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، وقالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ، فأتَيْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخْبَرْتُهُ، فأرْسَلَ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ ما فَعَلَ، قالوا: كَذَبَ زَيْدٌ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَوَقَعَ في نَفْسِي ممَّا قالوا شِدَّةٌ، حتَّى أنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ تَصْدِيقِي فِي: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ}، فَدَعَاهُمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِيَسْتَغْفِرَ لهمْ، فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ، وقَوْلُهُ: {خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} [المنافقون: 4] ، قالَ: كَانُوا رِجَالًا أجْمَلَ شَيءٍ.
الراوي : زيد بن أرقم المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4903 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2772)، وأحمد (19334) واللفظ لهما، والترمذي (3313) بنحوه.
حَفَلتِ السِّيرةُ النَّبويَّةُ بالأحداثِ الكاشِفَةِ لحَقيقةِ إيمانِ كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ، وميَّزتْ أهلَ النِّفاقِ، وأظهَرتْ ما أخْفَوه في قُلوبِهم؛ مِن غِلٍّ وحِقدٍ للإسلامِ، كما بيَّنَتْ جَوْهَرَ إيمانِ المؤمنينَ حَقًّا، وما وَقَرَ في قُلوبِهم مِن حُبِّ اللهِ ونُصْحٍ لِرسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ الصَّحابيُّ زَيدُ بنُ أرقَمَ رَضِيَ اللهُ عنه أنهم خَرَجوا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَفَرٍ أصابَهُم فيه شِدَّةٌ مِن قِلَّةِ الزَّادِ وغيرِه، والمرادُ به غَزوةُ بني المُصطَلِقِ، وتُسَمَّى المُرَيسِيعَ، فأمر رأسُ المنافِقين عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ أصحابَه ألَّا يُنفِقوا على مَن عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الصَّحابةِ الكِرامِ حتَّى يتفَرَّقوا مِن حَولِه ويَتْركوه، وقال: «لَئِن رَجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ»، يعني: أنَّ العزيزَ من الطَّرفَينِ سيُخرِجُ الذَّليلَ مِن المدينةِ ويَطرُدُه منها، ويُريدُ بالأعزِّ نفْسَه، وبالذَّليلِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فذهَبَ زَيْدُ بنُ أَرْقَمَ رضِيَ اللهُ عنه إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأَخْبَرَه بالذي قاله هذا المنافِقُ، فأَرْسَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى عبدِ الله بنِ أُبَيٍّ، فسَأَله عن ذلك، فحلف وأكَّد الأيمانَ وبَذَل وُسْعَه وبَالَغ في القَسَمِ أنَّه ما قال ذلك.
فقالت الأنصارُ: كَذَب زَيْدٌ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ وذلك بأن أخبر عن الأمرِ بخِلافِ ما هو عليه.
فحَزِنَ زَيدٌ رَضِيَ اللهُ عنه من ذلك ووقع في كَربٍ شديدٍ، حتَّى أنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ تَصديقَ زيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه فيما قال، وتكذيبَ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلُولَ في سورةِ المنافِقين، فاستدعى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المنافِقين الذين يترأسُهم عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ لِيَسْتَغْفِرَ لهم مِمَّا قالوا، فلَوَّوْا رُؤُوسَهم، أي: أمالوها إعراضًا واستكبارًا عن استغفارِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لهم.
وقولُه تعالَى: {خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} [المنافقون: 4] ، قال زَيْدٌ رضِيَ اللهُ عنه: كانوا رِجَالًا أجْمَلَ شيءٍ، أي: في الصُّورةِ الظَّاهِرةِ، لكنْ قلوبُهم خَرِبَةٌ، والعِياذُ باللهِ! وفي الحَديثِ: بَيانُ صِفَةِ المُنافقينَ من الكذِبِ في الحَديثِ، وإظهارِ الإيمانِ وإضمارِ الكُفْرِ.
وفيه: مَنقَبةٌ وفضْلٌ لزَيدِ بنِ أرقَمَ رضِيَ اللهُ عنه.
[صحيح البخاري] (6/ 152) :
4902 - حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، قال: سمعت زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: لما قال عبد الله بن أبي: لا تنفقوا على من عند رسول الله، وقال أيضا: لئن رجعنا إلى المدينة، أخبرت به النبي صلى الله عليه وسلم فلامني الأنصار، وحلف عبد الله بن أبي ما قال ذلك، فرجعت إلى المنزل فنمت، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته، فقال: " إن الله قد صدقك، ونزل: {هم الذين يقولون لا تنفقوا} [المنافقون: 7] " الآية وقال ابن أبي زائدة، عن الأعمش، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى، عن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم
[صحيح مسلم] (4/ 2140 ) :
1 - (2772) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا زهير بن معاوية، حدثنا أبو إسحاق، أنه سمع زيد بن أرقم ، يقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، قال زهير: وهي قراءة من خفض حوله، وقال: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل، فقال: كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى أنزل الله تصديقي {إذا جاءك المنافقون} [المنافقون: 1] قال: ثم دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، قال: فلووا رءوسهم، وقوله {كأنهم خشب مسندة} [المنافقون: 4] وقال: كانوا رجالا أجمل شيء
سنن الترمذي (5/ 415) :
3312 - حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم ، قال: كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول، يقول لأصحابه: {لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} [المنافقون: 7] و {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] فذكرت ذلك لعمي، فذكر ذلك عمي للنبي صلى الله عليه وسلم، فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه، فأصابني شيء لم يصبني شيء قط مثله، فجلست في البيت، فقال عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك، فأنزل الله تعالى {إذا جاءك المنافقون} [المنافقون: 1] فبعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها، ثم قال: إن الله قد صدقك: هذا حديث حسن صحيح
[مسند أحمد] (32/ 83 ط الرسالة) :
19334 - حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، أنه سمع زيد بن أرقم يقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصاب الناس شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبي، فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، فقالوا: كذب زيدا، رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فوقع في نفسي مما قالوا.
حتى أنزل الله عز وجل تصديقي في: {إذا جاءك المنافقون} [المنافقون: 1] .
قال: " ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم "، فلووا رءوسهم، وقوله تعالى: {كأنهم خشب مسندة} [المنافقون: 4] قال: كانوا رجالا أجمل شيء