- لَمَّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَظَهَرَ عليهم نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أَمَرَ ببِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، وفي حَديثِ رَوْحٍ بأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، مِن صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ ، فَأُلْقُوا في طَوِيٍّ مِن أَطْوَاءِ بَدْرٍ وَسَاقَ الحَدِيثَ، بمَعْنَى حَديثِ ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ.
أخرجه البخاري (3976) باختلاف يسير
أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَرَ يَومَ بَدْرٍ بأَرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ رَجُلًا مِن صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا في طَوِيٍّ مِن أطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وكانَ إذَا ظَهَرَ علَى قَوْمٍ أقَامَ بالعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كانَ ببَدْرٍ اليومَ الثَّالِثَ أمَرَ برَاحِلَتِهِ، فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا، ثُمَّ مَشَى واتَّبَعَهُ أصْحَابُهُ، وقالوا: ما نُرَى يَنْطَلِقُ إلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حتَّى قَامَ علَى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بأَسْمَائِهِمْ وأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: يا فُلَانُ بنَ فُلَانٍ، ويَا فُلَانُ بنَ فُلَانٍ، أيَسُرُّكُمْ أنَّكُمْ أطَعْتُمُ اللَّهَ ورَسولَهُ؛ فإنَّا قدْ وجَدْنَا ما وعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟! قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يا رَسولَ اللَّهِ، ما تُكَلِّمُ مِن أجْسَادٍ لا أرْوَاحَ لَهَا! فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، ما أنتُمْ بأَسْمَعَ لِما أقُولُ منهمْ.
قَالَ قَتَادَةُ: أحْيَاهُمُ اللَّهُ حتَّى أسْمعَهُمْ قَوْلَهُ؛ تَوْبِيخًا، وتَصْغِيرًا، ونَقِيمَةً، وحَسْرَةً، ونَدَمًا.
الراوي : أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3976 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] غَزْوةُ بَدرٍ هي أوَّلُ مَعرَكةٍ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهي الفاصِلةُ بيْن الإيمانِ والكُفرِ، وسَمَّاها اللهُ تعالَى يومَ الفُرْقانِ، وكانت في رَمضانَ مِن السَّنةِ الثَّانيةِ مِن الهِجْرةِ، وفي هذه الغَزْوةِ نصَر اللهُ رَسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والصَّحابةَ على قُرَيشٍ.
وفي هذا الحَديثِ يَرْوي أبو طَلْحةَ الأنْصاريُّ رَضيَ اللهُ عنه جانِبًا ممَّا فعَلَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَقِبَ انْتِهاءِ غَزْوةِ بَدرٍ الكُبْرى، فيُخبِرُ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَرَ يَومَ بَدرٍ بأربَعةٍ وعِشْرينَ رَجلًا مِنَ الكُفَّارِ مِن صَناديدِ قُرَيشٍ، أي: مِن أشْرافِهم، وعُظَمائِهم، ورُؤَسائِهم ممَّن قَتَلَهمُ اللهُ عزَّ وجلَّ مِن السَّبْعينَ الَّذين قُتِلوا في هذه المَعرَكةِ، فحُمِلوا فطُرِحوا في بِئرٍ مَطْويَّةٍ، أي: مَبْنيَّةٍ ومُبَطَّنةٍ بالحِجارةِ، مِن آبارِ مِنطَقةِ بَدرٍ، وهذه البِئرُ كانت خَبيثةً مُخبِثةً، أي: غَيرَ طيِّبةٍ؛ بل فاسِدةٌ مُفسِدةٌ لِما يقَعُ فيها.
وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا غلَب قَومًا، وانتَصَرَ عليهم في القِتالِ، أقامَ بالعَرْصةِ -وهي ساحةُ القِتالِ وأرْضُه- ثَلاثَ ليالٍ، وهكذا فعَل ببَدرٍ، وهذا كان منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ ليُريحَ المقاتِلين والدَّوابَّ، وهذا إذا كان في أمْنٍ مِن عَدوٍّ طارِقٍ، وإنَّما كانت ثَلاثةَ أيَّامٍ؛ لأنَّها أكثَرُ ما يُريحُ المُسافِرَ، فلمَّا كان في اليومِ الثَّالِثِ ببَدرٍ، أمَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بتَجْهيزِ دابَّتِه، فوُضِعَ عليها رَحْلُها، والرَّحْلُ هو ما على ظَهرِ الدَّابَّةِ ممَّا يُركَبُ عليه، ثمَّ مَشى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، واتَّبَعه أصْحابُه رَضيَ اللهُ عنهم، حتَّى قام على شَفةِ الرَّكيِّ، أي: حافَةِ البِئرِ الَّذي دُفِنَ فيها أولئك الصَّناديدُ، فجَعَل صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُناديهم بأسْمائِهم، فنادَى كُلَّ واحِد منهم على حِدَةٍ باسْمِه واسمِ أبيهِ، وقدْ جاء في صَحيحِ مُسلِمٍ التَّصريحُ بأسْمائِهم: «يا أبا جَهلِ بنَ هِشامٍ، يا أُميَّةُ بنَ خَلَفٍ، يا عُتْبةُ بنَ رَبيعةَ، يَا شَيْبةُ بنَ رَبيعةَ»، وخصَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هؤلاء بالخِطابِ؛ لشدَّةِ عِنادِهم ووَطْأَتِهم على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصْحابِه، ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُخاطبًا الجَميعَ بعْدَ أنْ ذكَرَهم بأسْمائِهم: «أيَسُرُّكم»، أي: هلْ يوقِعُكمُ الآنَ في السُّرورِ ويُعجِبُكم لو أنَّكم كُنتم أطَعْتمُ اللهَ ورَسولَه؟ وهلْ تَتَمنَّوْنَ أنْ تَكونوا مُسلِمينَ بعْدَما وصَلْتُم إلى عَذابِ اللهِ؟ أتَحزَنونَ وتَتَحسَّرونَ على ما فاتَكم مِن طَاعةِ اللهِ ورَسولِه أمْ لا؟ وتَذكُرونَ قولَنا لكُم: إنَّ اللهَ سيُظهِرُ دِينَه على الدِّينِ كُلِّه، ويَنصُرُ أوْلياءَه، ويَخذُلُ أعْداءَه، فإنَّا قد وَجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ثابِتًا مِن غَلَبَتِنا عليكم؛ فهلْ وَجَدْتم ما وعَد رَبُّكم حَقًّا مِنَ العَذابِ؟! فتَعجَّبَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه، وقال للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا رَسولَ اللهِ، «ما تُكلِّمُ مِن أجْسادٍ لا أرْواحَ لها!» فهمْ أمْواتٌ لا يَسمَعون ولا يَتكلَّمون، فأقسَمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ باللهِ الَّذي رُوحُه بيَدِه يُصرِّفُها كيف يَشاءُ -وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَثيرًا ما يُقسِمُ بهذا القسَمِ-: «ما أنتمْ بأسْمَعَ لِما أقولُ منهم»، أي: كما أنَّكم تَسْمَعونَ قَولي، فكذلك همْ يَسمَعونَه لا فرْقَ بيْنهم وبيْنكم.
وقيلَ: مَعْناه: ما أنتمْ بأعلَمَ أنَّه حقٌّ منهم، واللهُ سُبحانَه يُسمِعُ مَن يَشاءُ مِن خَلْقِه ما شاءَ مِن كَلامِ خَلْقِه، ويُفهِمُ مَن يَشاءُ منهم ما يَشاءُ.
قال قَتادةُ بنُ دِعامةَ -أحَدُ رُواةِ الحَديثِ-: «أحْياهم اللهُ حتَّى أسْمَعَهم قولَه» صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ تَوْبيخًا وتَصغيرًا لهم، ونِقْمةً عليهم، وحَسْرةً، ونَدَمًا، فيَتحسَّرونَ، ويَندَمونَ على تَكْذيبِهم، وعلى كُفرِهم وعِنادِهم، ومُرادُ قَتادةَ بهذا الكلامِ الرَّدُّ على مَن أنكَرَ أنَّهم يَسمَعونَ كَلامَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفي الحَديثِ: أنَّ العاقِبةَ للمُتَّقينَ، وإنْ طالت سَطْوةُ الباطِلِ.
صحيح مسلم (4/ 2203 ت عبد الباقي) :
77 - (2874) حدثنا هداب بن خالد.
حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثا.
ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال "يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا" فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال: يا رسول الله! كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟ قال "والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.
ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا" ثم أمر بهم فسحبوا.
فألقوا في قليب بدر.
صحيح مسلم (4/ 2204 ت عبد الباقي) :
78 - (2875) حدثني يوسف بن حماد المعني.
حدثنا عبد الأعلى عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ عن أبي طلحة.
ح وحدثنيه محمد بن حاتم.
حدثنا روح بن عبادة.
حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة قال:لما كان يوم بدر، وظهر عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر ببضعة وعشرين رجلا.
(وفي حديث روح، بأربعة وعشرين رجلا) من صناديد قريش.
فألقوا في طوى من أطواء بدر.
وساق الحديث، بمعنى حديث ثابت عن أنس.
[صحيح البخاري] (5/ 76) :
3976 - حدثني عبد الله بن محمد: سمع روح بن عبادة: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا.
قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.
قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخا وتصغيرا ونقيمة وحسرة وندما.