- أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ خاصَمَ الزُّبَيْرَ في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ يَسْقِي بها النَّخْلَ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، فأمَرَهُ بالمَعروفِ، ثُمَّ أرْسِلْ إلى جارِكَ فقالَ الأنْصارِيُّ: أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، ثُمَّ قالَ: اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ، يَرْجِعَ الماءُ إلى الجَدْرِ، واسْتَوْعَى له حَقَّهُ فقالَ الزُّبَيْرُ: واللَّهِ إنَّ هذِه الآيَةَ أُنْزِلَتْ في ذلكَ: {فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بيْنَهُمْ} [النساء: 65] قالَ لي ابنُ شِهابٍ: فَقَدَّرَتِ الأنْصارُ والنَّاسُ قَوْلَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حتَّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ وكانَ ذلكَ إلى الكَعْبَيْنِ.

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# مساقاة - سقي الأعلى قبل الأسفل وإلى كم يسقي# أقضية وأحكام - قضايا حكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم# تفسير آيات - سورة النساء# مساقاة - سكر الأنهار وإغلاقها
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: عروة بن الزبير
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه محمد بن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (705) والبيهقي (11976) باختلاف يسير وابن منده في ((الإيمان)) (254) مختصرا.

الشرح والتوضيح

أنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ قدْ شَهِدَ بَدْرًا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في شِرَاجٍ مِنَ الحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ به كِلَاهُمَا، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أرْسِلْ إلى جَارِكَ، فَغَضِبَ الأنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، آنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟! فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حتَّى يَبْلُغَ الجَدْرَ، فَاسْتَوْعَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَئِذٍ حَقَّهُ لِلزُّبَيْرِ، وكانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَبْلَ ذلكَ أشَارَ علَى الزُّبَيْرِ برَأْيٍ سَعَةٍ له ولِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أحْفَظَ الأنْصَارِيُّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ.

قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: واللَّهِ ما أحْسِبُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ إلَّا في ذلكَ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] الآيَةَ.

الراوي : الزبير بن العوام المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2708 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2357)، وأبو داود (3637)، والترمذي (3027) جميعهم باختلاف يسير.

كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الإمامَ والحاكِمَ والقاضيَ، الَّذي يَحْكُمُ بيْن المسلمينَ في الخُصوماتِ ويَحُلُّ النِّزاعاتِ.

وفي هذا الحديثِ يَحكِي الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه خاصَمَ رجلًا مِن الأنصارِ، وهذا الرَّجُلُ قدْ شَهِد غَزوةَ بدْرٍ، فشَكاهُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في «شِرَاجِ مِن الحَرَّةِ»، وهي مَجاري الماءِ التي يَسيلُ منها، والتي كانوا يَسْقُونَ بها النَّخلَ في منطقة الحَرَّةِ بالمدينةِ، وهي أرضٌ بظاهرِ المدينةِ وخارجِها بها حِجارةٌ سَوداءُ، وكانَا يَسْقِيانِ كلاهُما مِن هذا المَسيلِ، وكان الماءَ يَمُرُّ بأرضِ الزُّبيرِ رَضيَ اللهُ عنه قبْل أرضِ الأنصاريِّ، فيَحبِسُه الزُّبيرُ رَضيَ اللهُ عنه لإكمالِ سَقْيِ أرضْه أوَّلًا، ثمَّ يُرسِلُه إلى أرضِ جارِه، فأمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الزُّبيرَ رَضيَ اللهُ عنه أنْ يَسقِيَ أرْضَه بالمعروفِ، ثمَّ يُمرِّرَ الماءَ إلى جارِه الأنصاريِّ، فغَضِب الأنصاريُّ، فقال: «آنْ كان ابنَ عمَّتِك؟!» يَقصِدُ صَفيَّةَ بنتَ عبدِ المطَّلبِ رَضيَ اللهُ عنها، أي: حكَمْتَ له لقَرابَتِكَ منه، «فتَلَوَّنَ»، أي: تَغيَّرَ وجْهُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن الغضَبِ؛ لانتهاكِ حُرُماتِ النُّبوَّةِ، وقَبيحِ كَلامِ هذا الرَّجلِ، وكان ذلك زَلَّةً مِن الأنصاريِّ رَضيَ اللهُ عنه، ثمَّ قال: اسقِ يا زُبيرُ، ثمَّ احبِسِ الماءَ حتَّى يَصِيرَ الماءُ إلى الجَدْرِ، وهي الحواجزُ التي تَحبِسُ الماءَ، والمعنى: حتَّى تَبلُغَ تَمامَ الشُّربِ.

فاسْتوفَى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينئذٍ حَقَّه للزُّبيرِ رَضيَ اللهُ عنه كاملًا بحيث لم يَترُكْ من حَقِّه شَيئًا.

وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَبْلَ ذلك أشارَ على الزُّبيرِ برأيٍ فيه مُسامحةٌ وتَوسيعٌ عليهما على سَبيلِ الصُّلحِ والمجامَلةِ، وهو أمْرُه للزُّبَيرِ أنْ يَسقِيَ ويَأخُذَ بأيسرَ ما يَكفيهِ مِن الماءِ، ثمَّ يُرسِلَه إلى جارِه الأنصاريِّ، ولكنَّ جارَه الأنصاريَّ أبَى ذلِك، وقالَ ما قالَ.

فلمَّا أغْضَبَ الأنصاريُّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، استَوفى للزُّبيرِ حَقَّه كاملًا، حيثُ أمَرَ الزُّبيرَ أنْ يَسْقيَ ويُمسِكَ الماءَ حتَّى يَبلُغَ إلى مُنتهَى حاجتِه، ولم يَحمِلْه غَضَبُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن الأنصاريِّ على أكثرَ مِن أنَّه استوعَى للزُّبَيرِ حقَّه كاملًا، وقولُه: «في صَريحِ الحُكمِ»، يَعني في حَقيقتِه.

فقال الزُّبيرُ رَضيَ اللهُ عنه: واللهِ إنِّي لَأَظُنُّ أنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ في ذلك: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أقسَم تعالَى بنفْسِه فقال: فلا ورَبِّك يا محمَّدُ، لا يُؤمِنُ أحدٌ إيمانًا يُقبَلُ منه حتَّى يُحكِّمَكَ في جميعِ الأمورِ الَّتي يَحدُثُ فيها التَّنازعُ، ثمَّ لا يَجِدَ في نفْسِه ضِيقًا وحرَجًا مِن الحُكمِ الَّذي يَصدُرُ منكَ، ويَنقادَ له، ويُسلِّمَ تَسليمًا كليًّا.

وهذا تَوبيخٌ مِن اللهِ تعالَى في كِتابِه لمَن لا يَحتكِمُ بأمْرِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، بأنْ نفَى عنهم الإيمانَ حتَّى يَرْضَوا بالحكْمِ.

وفي الحديثِ: حُكْمُ الإمامِ على الخَصْمِ بِما ظَهَر لَه مِن الحقِّ البيِّنِ، بعْدَ إشارتِه بالصُّلْحِ وامتناعِ الخَصمِ مِن الصُّلحِ.

وفيه: الاقتداءُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَضبِه ورِضاه، وجَميعِ أحوالِه، وأنْ يَكظِمَ المؤمنُ غَيظَه، ويَملِكَ نفْسَه عندَ غَضَبِه، ولا يَحمِلَه الغضبُ على التَّعدِّي والجَورِ، بلْ يَعْفو ويَصْفَحُ.

وفيه: الإشارةُ بالصُّلحِ والأمرُ به.

وفيه: أنَّ للحاكمِ أنْ يَستوفِيَ لكلِّ واحدٍ مِن المتخاصمَين حقَّه إذا لم يَرَ منهما قَبولًا للصُّلحِ ولا رِضًا بما أشارَ به.

وفيه: تَوبيخُ مَن جَفا على الإمامِ والحاكمِ، ومُعاقَبتُه بما يَستحِقُّه دونَ ظُلمٍ له.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (3/ 111) :

2362 - حدثنا محمد: أخبرنا مخلد قال: أخبرني ابن جريج قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أنه حدثه: أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج من الحرة، يسقي بها النخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‌اسق ‌يا ‌زبير ‌فأمره ‌بالمعروف ‌ثم ‌أرسل ‌إلى ‌جارك، ‌فقال ‌الأنصاري: أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: اسق ثم احبس، حتى يرجع الماء إلى الجدر واستوعى له حقه، فقال الزبير: والله إن هذه الآية أنزلت في ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} قال لي ابن شهاب: فقدرت الأنصار والناس قول النبي صلى الله عليه وسلم: اسق ثم احبس حتى يرجع إلى الجدر وكان ذلك إلى الكعبين.

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (2/ 653) 705 - حدثنا إسحاق، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: خاصم رجل من الأنصار الزبير في شرج من الحرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك فقال الأنصاري: يا رسول الله أو أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك قال: وكان أشار عليهم قبل ذلك بأمر كان لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [[النساء: 65]] " قال معمر: وسمعت غير الزهري يقول: نظر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: حتى يرجع الماء إلى الجدر فكان ذلك إلى الكعبين

[الإيمان - ابن منده] (1/ 408) :

254 - أنبأ محمد بن الحسين بن الحسن، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر بن راشد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير ، أن الزبير بن العوام، رضي الله عنه خاصم رجلا في شراج من الحرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسق الماء يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك ، فقال الأنصاري: يا رسول الله وأن كان ابن عمتك، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك ، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعب للزبير حينئذ حقه في صريح الحكم حين أحب الأنصاري، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أشار عليهم قبل ذلك بأمر كان لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب نزلت هذه الآية إلا في ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم "} [[النساء: 65]]

السنن الكبير للبيهقي (12/ 239 ت التركي) :

11976 - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا معمر، عن الزهرى، عن عروة بن الزبير قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شرج الحرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك".

فقال الأنصارى: يا رسول الله، وأن كان ابن عمتك؟! فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "‌اسق ‌يا ‌زبير، ‌ثم ‌احبس ‌الماء ‌حتى ‌يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك".

فقال: واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصارى، وكان أشار عليهما قبل ذلك بأمر كان لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}.

قال: فسمعت غير الزهرى يقول: نظر في قول النبى صلى الله عليه وسلم: "ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" فكان ذلك إلى الكعبين.

رواه البخارى في "الصحيح" عن عبدان عن ابن المبارك مختصرا، وأخرجه من حديث ابن جريج عن الزهرى بطوله.

وفى آخره: قال ابن شهاب: فقدرت الأنصار والناس ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسق، ثم احبس حتى ورجع الماء إلى الجدر".

كان ذلك إلى الكعبين.

أحاديث ذات صلة