- كُنَّا في مَسِيرٍ لنا فَنَزَلْنا، فَجاءَتْ جارِيَةٌ، فقالَتْ: إنَّ سَيِّدَ الحَيِّ سَلِيمٌ ، وإنَّ نَفَرَنا غَيْبٌ، فَهلْ مِنكُم راقٍ؟ فَقامَ معها رَجُلٌ ما كُنَّا نَأْبُنُهُ برُقْيَةٍ، فَرَقاهُ فَبَرَأَ ، فأمَرَ له بثَلاثِينَ شاةً، وسَقانا لَبَنًا، فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنا له: أكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً - أوْ كُنْتَ تَرْقِي؟ - قالَ: لا، ما رَقَيْتُ إلَّا بأُمِّ الكِتابِ ، قُلْنا: لا تُحْدِثُوا شيئًا حتَّى نَأْتِيَ - أوْ نَسْأَلَ - النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا قَدِمْنا المَدِينَةَ ذَكَرْناهُ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالَ: وما كانَ يُدْرِيهِ أنَّها رُقْيَةٌ؟ اقْسِمُوا واضْرِبُوا لي بسَهْمٍ
أخرجه مسلم (2201) باختلاف يسير
انْطَلَقَ نَفَرٌ مِن أَصْحَابِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حتَّى نَزَلُوا علَى حَيٍّ مِن أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فأبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذلكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا له بكُلِّ شَيءٍ، لا يَنْفَعُهُ شَيءٌ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لو أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا؛ لَعَلَّهُ أَنْ يَكونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيءٌ، فأتَوْهُمْ، فَقالوا: يا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا له بكُلِّ شَيءٍ، لا يَنْفَعُهُ؛ فَهلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنكُم مِن شَيءٍ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إنِّي لَأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَما أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ علَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عليه، وَيَقْرَأُ: (الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ)، فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَما به قَلَبَةٌ، قالَ: فأوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذي صَالَحُوهُمْ عليه، فَقالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقالَ الَّذي رَقَى: لا تَفْعَلُوا حتَّى نَأْتِيَ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَنَذْكُرَ له الَّذي كَانَ، فَنَنْظُرَ ما يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَذَكَرُوا له، فَقالَ: وَما يُدْرِيكَ أنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قالَ: قدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لي معكُمْ سَهْمًا.
فَضَحِكَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
الراوي : أبو سعيد الخدري المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2276 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (2276)، ومسلم (2201) مختصراً.
كان الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم يَحرِصون على أخْذِ رَأيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في كلِّ ما يَستجِدُّ مِن أُمورِهم، حتَّى ولو كان عمَلًا صالحًا في ظاهرِه، حتَّى يُقِرَّه أو يَنْهى عنه.
وفي هذا الحديثِ يَرْوي أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ جَماعةً مِن الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم انْطَلَقوا في أحَدِ أسفارِهم، وكان معَهم أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رَضيَ اللهُ عنه، كما في الصَّحيحَينِ، فمَرُّوا أثناءَ سَفَرِهم على قَبيلةٍ، فسَأَلُوهم الضِّيافةَ المُعتادةَ، فامتَنَعوا مِن ضِيافتِهم، فبيْنما همْ في دِيارِهم، إذا برَئيسِ القَبيلةِ تَلسَعُه عَقْرَبٌ فتَسمَّمَ جِسمُه، واشتَدَّتْ عليه آلامُه، فسَعَت جَماعتُه في عِلاجِه وتَطْبِيبِه، فلم يُفلِحْ عِلاجُهم معه، فقال أحدُهم: «لو أَتَيْتُمْ هؤلاءِ الرَّهْطَ الَّذينَ نَزَلُوا» يَقصِدُ بذلك الصَّحابةَ رَضيَ اللهُ عنهم -والرَّهطُ: الجَماعةُ مِن الرِّجالِ ما دُونَ العَشرةِ، وقيلَ: ما دُونَ الأَربعينَ- لعلَّ عندَهم شَيءٌ يَنفَعُ في العِلاجِ، فأخْبَرَهم أحدُ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم أنَّه سيُعالِجُه بالرُّقيةِ، بشَرْطِ أنْ يُعْطوهم أُجرةً على عِلاجِه؛ وذلك لمَنْعِهم ضِيافتَهم لهم، فاتَّفَقُوا معه على قَطيعٍ مِن الغَنَمِ يُدفَعُ إليهم مُقابلَ عِلاجِهم لمَريضِهم، وفي رِوايةٍ: «ثلاثينَ شاةً»، فذهَبَ معهم إلى المريضِ، وأخَذَ يَتْفِلُ عليه مِن رِيقِهِ وهو يَقرَأُ فاتحةَ الكِتابِ، قال أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ رَضيَ اللهُ عنه: «فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقَالٍ»، أي: انقطَعَتْ آلامُه فَورًا كأنَّما كان مَربوطًا بحَبْلٍ وأُطلِقَ منه، فانطَلَقَ يَمْشي وما به قَلَبَةٌ، أي: داءٌ وعِلَّةٌ؛ سُمِّيَ به لأنَّ صاحبَه يُقلَبُ مِن أجْلِه؛ ليُعلَمَ مَوضِعُ الدَّاءِ مِنه، فأَعطَوْهم القَطيعَ مِن الغَنمِ الَّذي تَعاقَدوا معهم عليه، فقال بعضُ الصَّحابةِ: نَقسِمُ هذا القطيعَ بيْننا، ونَأكُلُه، فنَهاهمُ الرجُلُ الَّذي رَقَى المَريضَ -وهو أبو سَعيدٍ رَضيَ اللهُ عنه، كما في مُسنَدِ أحمَدَ- حتَّى يَصِلوا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ويُخبِروه بقِصَّتِهم، فلمَّا جاؤوا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وحَكَوا له ما حَدَثَ لهمْ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للرَّاقي: ما يُدْريكَ أنَّ الفاتحةَ رُقيةٌ عَظيمةٌ، وشِفاءٌ مِن الأَدْواءِ والأَسْقامِ؟ وكان جَوابُ أبي سَعيدٍ رَضيَ اللهُ عنه -كما في رِوايةِ أحمَدَ في المسنَدِ-: «أُلْقِيَ في رُوعي»، أي: فِراسةٌ وإلهامٌ مِن اللهِ تعالَى، وعَمِلْتُ بمُقتضاهُ، وهذا تَوفيقٌ مِن اللهِ تعالَى.
ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قد أَصبتُم ووُفِّقْتُم فيما أُلْهِمتُم به، وفي عِلاجِكم لهذا الرَّجلِ اللَّديغِ؛ حيث كُنتُم سَببًا في نَجاتِه، ثمَّ أمَرَهم أنْ يَقسِموا تلك الأغنامَ، وشارَكَهم فيها صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، تَطْييبًا لقُلوبِهم؛ لِيَعلَموا أنَّه خالٍ مِن كلِّ شُبْهةٍ.
وفي الحديثِ: الرُّقيةُ بِشَيْءٍ مِن كِتابِ اللهِ تعالَى، وأنَّ سُورةَ الفاتِحَةِ فيها شِفَاءٌ؛ ولِهَذا مِن أسمائِها (الشَّافيةُ).
وفيه: دَليلٌ على أنَّ القرآنَ وإنْ كان كلُّه مَرجُوَّ البَرَكةِ، ففيه ما يَختَصُّ بالرُّقيةِ دونَ جَميعِه.
وفيه: أخْذُ الأُجرَةِ على الرُّقيةِ.
وفيه: تَورُّعُ الصَّحابةِ عن أخْذِ شَيءٍ قبْلَ مَعرِفةِ الحكْمِ الشَّرعيِّ فيه.
[صحيح البخاري] (6/ 187) :
5007 - حدثني محمد بن المثنى، حدثنا وهب ، حدثنا هشام، عن محمد، عن معبد، عن أبي سعيد الخدري قال: كنا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، وإن نفرنا غيب، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئا حتى نأتي، أو نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم.
وقال أبو معمر: حدثنا عبد الوارث: حدثنا هشام: حدثنا محمد بن سيرين: حدثني معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري بهذا.
صحيح مسلم (4/ 1727 ت عبد الباقي) :
65 - (2201) حدثنا يحيى بن يحيى التميمي.
أخبرنا هشيم عن أبي بشر، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري ؛أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا في سفر.
فمروا بحي من أحياء العرب.
فاستضافوهم فلم يضيفوهم.
فقالوا لهم: هل فيكم راق؟ فإن سيد الحي لديغ أو مصاب.
فقال رجل منهم: نعم.
فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب.
فبرأ الرجل.
فأعطي قطيعا من غنم.
فأبى أن يقبلها.
وقال: حتى أذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له.
فقال: يا رسول الله.
والله.
ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب.
فتبسم وقال "وما أدراك أنها رقية؟ ".
ثم قال "خذوا منهم.
واضربوا لي بسهم معكم".
صحيح مسلم (4/ 1727 ت عبد الباقي) :
65 - م - (2201) حدثنا محمد بن بشار وأبو بكر بن نافع.
كلاهما عن غندر، محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي بشر ، بهذا الإسناد.
وقال في الحديث: فجعل يقرأ أم القرآن، ويجمع بزاقه، ويتفل.
فبرأ الرجل.