إِنَّي ذاكرٌ لكِ أمرًا ولا عليكِ أنْ تعْجَلِى حتَّى تستأْمِرِي أبويْكِ ، إِنَّ اللهَ تعالى قال : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّأَزْوِاجِكَ إِلَى قولِه عَظِيمًا

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة الأحزاب# طلاق - تخيير الزوجة# طلاق - الإشارة بالطلاق والأمور# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - أمهات المؤمنين وما يتعلق بهن من أحكام# مناقب وفضائل - فضائل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
المصدر: صحيح الجامع
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: الألباني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (4785)، ومسلم (1475)، والترمذي (3204) واللفظ لهم جميعا مطولا.

الشرح والتوضيح

دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا ببَابِهِ، لَمْ يُؤْذَنْ لأَحَدٍ منهمْ، قالَ: فَأُذِنَ لأَبِي بَكْرٍ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ له، فَوَجَدَ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا، قالَ: فَقالَ: لأَقُولَنَّ شيئًا أُضْحِكُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، لو رَأَيْتَ بنْتَ خَارِجَةَ، سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ إلَيْهَا، فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وَقالَ: هُنَّ حَوْلِي كما تَرَى، يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إلى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُما يقولُ: تَسْأَلْنَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ما ليسَ عِنْدَهُ؟! فَقُلْنَ: وَاللَّهِ لا نَسْأَلُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ شيئًا أَبَدًا ليْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا، أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عليه هذِه الآيَةُ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} حتَّى بَلَغَ {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28-29] ، قالَ: فَبَدَأَ بعَائِشَةَ، فَقالَ: يا عَائِشَةُ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لا تَعْجَلِي فيه حتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ، قالَتْ: وَما هو يا رَسولَ اللهِ؟ فَتَلَا عَلَيْهَا الآيَةَ، قالَتْ: أَفِيكَ -يا رَسولَ اللهِ- أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟! بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسولَهُ، وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِن نِسَائِكَ بالَّذِي قُلتُ، قالَ: لا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ منهنَّ إلَّا أَخْبَرْتُهَا، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا.

الراوي : جابر بن عبدالله المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 1478 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه أحمد (14515)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (9164)، وأبو يعلى (2253) جمعيهم باختلاف يسير.

كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم كَريمَ النَّفْسِ مع زَوجاتِه، وقدْ كانَ يُنفِقُ عليهِنَّ ممَّا آتاهُ اللهُ، ولكِنَّه كانَ كَثيرَ النَّفَقةِ في سَبيلِ اللهِ، وفي مَصالِحِ النَّاسِ، حتَّى إنَّه كانَ لا يُبقي إلَّا القَليلَ لِنَفْسِه وأهلِه، ممَّا تَرتَّبَ عليه بَعضُ ما يَقَعُ على الزَّوجاتِ مِنَ التَّضرُّرِ، ولكِنَّ اللهَ سُبحانَه خَيَّرهُنَّ بيْنَ الصَّبرِ على العَيشِ وبيْنَ الطَّلاقِ والفِراقِ بالمَعروفِ.

وفي هذا الحديثِ يَرْوي جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضِي اللهُ عنهما أنَّ أبا بَكرٍ رَضِي اللهُ عنه دخَل يَستأذِنُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ذاتَ مرَّةٍ، فوجَدَ النَّاسَ جالِسين بِبابِه لم يُؤذَنْ لأحدٍ منهم بالدُّخولِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، ثمَّ أَذِن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لأبي بَكرٍ رَضِي اللهُ عنه، فدخَل عليه، ثمَّ أقبَل عُمرُ رَضِي اللهُ عنه وجاء إلى بَيتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فاستأذَن ليَدخُلَ، فأَذِن له، فلمَّا دَخَل عمرُ رَضِي اللهُ عنه وَجَد النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم جالسًا وحوْلَه نساؤُه، وكان صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قدِ اشتَدَّ حُزنُه حتَّى أمسَكَ عن الكلامِ، فقال عُمرُ رَضِي اللهُ عنه في نفْسِه -وقيل: إنَّ القائلَ هو أبو بَكرٍ رَضِي اللهُ عنه-: «لأَقولَنَّ شيئًا أُضحِكُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، لو رأيْتَ»، أي: لو عَلِمْتَ، أنَّ زَوجَتي بنتَ خارجةَ، سَألَتْني وطَلَبت منِّي الزِّيادةَ في النَّفقةِ على العادةِ، أو فوْقَ الحاجةِ، فقُمْتُ إليها «فوجَأْتُ عُنقَها»، أي: ضَرَبْتُ عُنقَها بكَفِّي، فضَحِك صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لتَشابُهِ حالِه مع حالِ عُمرَ، وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «هنَّ» إشارةً إلى نِسائهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، يَجلِسْنَ «حَوْلي كما ترَى، يَسأَلْنَنِي النَّفقةَ»، ويَطلُبْنَ منِّي الزِّيادةَ في النَّفقةِ عن عادتِها، فلمَّا قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ذلك، قام أبو بكرٍ رَضِي اللهُ عنه إلى ابنتِه عائشةَ رَضِي اللهُ عنها ليَضرِبَ عُنقَها تأديبًا لها، وقام عُمرُ رَضِي اللهُ عنه إلى ابنتِه حَفصةَ رَضِي اللهُ عنها ليَضرِبَ عُنقَها تأديبًا لها، كِلاهما يَقولُ لبِنتِه: «تَسأَلْنَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ما ليْس عنده؟!»، وهذا تَوبيخٌ وتَأنيبٌ لَهُما على طلَبِ زِيادةِ النَّفقةِ، وهي لا تَتوفَّرُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، «فقُلْنَ: واللهِ لا نَسأَلُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم» بعْدَ هذا «شَيئًا أبدًا ليْس عنده»، وقدْ غَضِب النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لذلك، فاعتزَل نِساءَه ثَلاثين أو تِسعًا وعِشرين يومًا، لم يَدخُلْ بيوتَ أزواجِه وامتنَعَ عنهنَّ، ثمَّ نزَلَ قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28، 29] ، ومعنى الآيتينِ: يا أيُّها النَّبيُّ، قلْ لأزواجِك حين طلَبْنَ منك التَّوسعةَ في النَّفقةِ، ولم يكُنْ عندك ما تُوسِّعُ به عليهنَّ: إنْ كُنتنَّ تُرِدْنَ الحياةَ الدُّنيا وما فيها مِن زِينةٍ، فتَعالَيْن إلَيَّ أُمتِّعْكُنَّ بما تُمَتَّعُ به المُطلَّقاتُ، وأُطَلِّقْكنَّ طَلاقًا لا إضرارَ فيه ولا إيذاءَ، وإنْ كُنتنَّ تُرِدْنَ رِضا اللهِ ورِضا رَسولِه، وتُرِدْنَ الجنَّةَ في الدَّارِ الآخِرةِ، فاصبِرْنَ على حالِكنَّ؛ فإنَّ اللهَ أعدَّ لمَن أحسَنَ منكنَّ بالصَّبرِ وحُسنِ العِشرةِ أجْرًا عظيمًا.

فبدَأَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في التَّخييرِ بعائشةَ رَضِي اللهُ عنها؛ فَنادها وأخبَرَها أنَّه يُريدُ أنْ يُعرِضَ عليها أمرًا، وأنَّه يُحِبُّ ألَّا تتَعجَّلَ في جَوابِه مِن تلْقاءِ نفسِها، حتَّى تَأخُذَ رأْيَ أبوَيْها، ولعلَّ ذلك خوْفًا عليها مِن صِغَرِ سِنِّها المُقتضي إرادةَ زِينةِ الدُّنيا ألَّا تَختارَ الآخِرةَ، فسَألت النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عن هذا الأمرِ، فتلَا عليها الآيةَ، فأسرَعَتْ في قَبولِها أنْ تكونَ مع رسولِ اللهِ، وقالت: «أفيكَ»، أي: في فِراقِك، أو في وِصالِك، أو في حَقِّك «يا رسولَ اللهِ أسْتَشيرُ أبوَيَّ؟!» وأخبَرَتْه أنَّها تَختارُ اللهَ ورسولَه والدَّارَ الآخرةَ، وطَلَبَت منه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ألَّا يُخبِرَ امرأةً مِن نِسائِه بالَّذي أجابتْ به؛ وذلِك غَيْرةً منها، وحِرْصًا على التَّفرُّدِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، والاستكثارِ منه، فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «لا تَسأَلُني امرأةٌ منهنَّ إلَّا أخبَرْتُها»؛ لأُعِينَها به على الاختيارِ، وعلَّل ذلك بأنَّ أنَّ اللهَ لم يَبعَثْه مُعنِّتًا، أي: مُوقِعًا أحدًا في أمرٍ شَديدٍ، والعَنَتُ: المشقَّةُ والإثمُ أيضًا، «ولا مُتعنِّتًا»، أي: طالبًا لَزَلَّةِ أحدٍ، «ولكنْ بَعَثَني مُعلِّمًا» للنَّاسِ الخيرَ، ومُسهِّلًا للأمرِ، ووَجهُ التَّيسيرِ في هذا: أنَّه إذا أخبَرَ بذلك اقْتَدى بعائشةَ رَضِي اللهُ عنها غيرُها مِن أزواجِه، وسهُلَ عليها اختيارُ اللهِ تعالَى، ورسولِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، والدَّارِ الآخِرةِ.

وفي الحديثِ: أنَّ مِن هَدْيِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم الاستئذانَ.

وفيه: تَأديبُ الرَّجلِ ولَدَه وإنْ كَبِرَ.

وفيه: زُهدُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وتَقلُّلُه مِن الدُّنيا.

وفيه: أنَّ مِن فِعلِ الصَّحابةِ تَطييبَ نفْسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عندَ حُزنِه.

وفيه: فَضلُ أبي بَكرٍ وعُمرَ وعائشةَ رَضِي اللهُ عنهم.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (6/ 117) :

4785 - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن عائشة - رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمر الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن تستعجلي حتى ‌تستأمري ‌أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله قال: {يا أيها النبي قل لأزواجك} إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.

[صحيح مسلم] (4/ 194) :

35 - (1475) قال الزهري : فأخبرني عروة ، عن عائشة قالت: لما مضى تسع وعشرون ليلة دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بي، فقلت: يا رسول الله، إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن، فقال: إن الشهر تسع وعشرون، ثم قال: يا عائشة، إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى ‌تستأمري ‌أبويك، ثم قرأ علي الآية: {يا أيها النبي قل لأزواجك} حتى بلغ: {أجرا عظيما}، قالت عائشة: قد علم والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه.

قالت: فقلت: أوفي هذا أستأمر أبوي؟! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.

قال معمر : فأخبرني أيوب ، أن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله أرسلني مبلغا، ولم يرسلني متعنتا.

قال قتادة: {صغت قلوبكما}: مالت قلوبكما .

سنن الترمذي (5/ 350) :

3204 - حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا عثمان بن عمر، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة ، قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: يا عائشة، إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى ‌تستأمري ‌أبويك، قالت: وقد علم أن أبواي لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: " إن الله تعالى يقول: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين} [الأحزاب: 28]- حتى بلغ - {للمحسنات منكن أجرا عظيما} [الأحزاب: 29].

فقلت: في أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.

وفعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت: هذا حديث حسن صحيح وقد روي هذا أيضا عن الزهري، عن عروة، عن عائشة

أحاديث ذات صلة