أنَّ سليمانَ بنَ داودَ لما بنى بيتَ المقدسِ سأل اللهَ تعالى خلالًا ثلاثةً : حُكمًا يصادفُ حكمَه ، فأُوتيَه ، وسأل اللهَ تعالى ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدِه ، فأوتيه ، وسأل اللهَ تعالى حين فرغ من بنائِه المسجدَ ألا يأتيَه أحدٌ لا ينهزُه إلا الصلاةَ فيه أن يخرجَ من خطيئَتِه كيومَ ولدتْه أمُّه

الدلالات الموضوعية:# مساجد ومواضع الصلاة - عمارة المساجد وبناؤها وهدمها وما يتعلق بذلك# أنبياء - خصائص وفضائل# مناقب وفضائل - فضائل المسجد الأقصى# أنبياء - سليمان# أنبياء - عام
المصدر: تفسير القرطبي
الراوي: عبدالله بن عمرو
المحدث: القرطبي المفسر
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه النسائي (693)، وابن ماجه (1408) باختلاف يسير، وأحمد (6644) مطولاً باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

لمَّا فرغَ سُلَيْمانُ بنُ داودَ من بناءِ بيتِ المقدِسِ سألَ اللَّهَ ثلاثًا حُكْمًا يصادفُ حُكْمَهُ وملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدِهِ وألَّا يأتيَ هذا المسجدَ أحدٌ لا يريدُ إلَّا الصَّلاةَ فيهِ إلَّا خرجَ من ذنوبِهِ كيومِ ولدتْهُ أمُّهُ فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أمَّا اثنتانِ فقد أُعْطيَهُما وأرجو أن يَكونَ قد أُعْطيَ الثَّالثةَ الراوي : عبدالله بن عمرو المحدث : الألباني المصدر : صحيح ابن ماجه الصفحة أو الرقم: 1164 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه ابن ماجه (1408) واللفظ له، وأخرجه النسائي (693) باختلاف يسير، وأحمد (6644) مطولاً باختلاف يسير فضَّلَ اللهُ سُبحانَه بعضَ الأنبياءِ على بعضٍ، وأعطَى لكلٍّ منهم ما يُمَيِّزُه عن غيرِه، وقد أعطى اللهُ سُبحانَه لنَبِيِّه سُليمانَ بْنِ داودَ عليهما السَّلامُ مُلْكًا وحُكْمًا، كما أخبَرَ في قولِه تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 16- 17] ، وفي هذا الحديثِ يُخْبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: "لمَّا فرَغَ سُليمانُ بنُ داودَ مِن بِناءِ بيتِ المقدِسِ، سأَلَ اللهَ ثلاثًا"، أي: دعا وطلَبَ مِن اللهِ ثلاثةَ أُمورٍ؛ الأُول: سألَه "حُكْمًا يُصادِفُ حُكْمَه"، أي: يوافِقُ حُكْمَ اللهِ، والمُرادُ: التَّوفيقُ للصَّوابِ في الاجتهادِ وفصْلِ الخُصوماتِ بين النَّاسِ.

والثَّاني: "ومُلْكًا لا ينْبَغي لأحدٍ مِن بعدِه"، أي: طلَبَ مُلْكًا لا يكونُ مثلُه لغيرِه مِن البشَرِ بعدَه، ولعلَّ مُرادَه: أنْ يكونَ هذا المُلْكُ لعظمتِه مُعجزةً له؛ فيكونُ سببًا للإيمانِ والهدايةِ، ولكونِه مَلِكًا أراد أنْ تكونَ مُعجزتُه ما يُناسِبُ حالَه، أو كأنَّه سأَلَ اللهَ منْعَ الخلْقِ مِن سُؤالِ وطلَبِ هذا المُلْكِ مِن بعدِه؛ حتَّى لا يتعلَّقَ به أمَلُ أحَدٍ، ولم يسأَلْ منْعَ الإجابةِ.

وقيل: طلَبَ ذلك ليكونَ مَحلُّه وكرامتُه مِن اللهِ ظاهرًا في خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ؛ فإنَّ الأنبياءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ لهم تنافُسٌ في المَحَلِّ عنده؛ فكلٌّ يُحِبُّ أنْ تكونَ له خُصوصيَّةٌ يُسْتَدَلُّ بها على مَحَلِّه عنده، فلو أُعْطِيَ أحدٌ بعدَه مثلَه ذهَبَتِ الخُصوصيَّةُ، فسخَّرَ اللهُ تعالى له الرِّيحَ تحمِلُه بعسكَرِه وجُنودِه إلى حيث أراد، وسخَّرَ له الشَّياطينَ يجْعَلونَ له ما يشاء مِن مَحاريبَ وتماثيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ، وقُدورٍ راسياتٍ، وسخَّرَ له آخرينَ مُتمرِّدينَ، يقرُنُهم في السَّلاسِلِ وقُيودِ الحديدِ؛ تعذيبًا لهم حتَّى يرْجِعوا عن تمرُّدِهم، ثمَّ امْتَنَّ اللهُ تعالى عليه، حيث قال: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39] ، أي: هذا المُلْكُ عطاؤنا، فأعْطِ مَن شئْتَ، وامنَعْ مَن شئْتَ، فلا حسابَ عليك.

والثَّالث: "وألَّا يأتِيَ هذا المسجِدَ أحدٌ"، أي: المسجِدَ الأقصى، "لا يُريدُ إلَّا الصَّلاةَ فيه"، أي: لا يَقصِدُه إلَّا للصَّلاةِ، "إلَّا خرَجَ مِن ذُنوبِه كيومِ ولدَتْه أُمُّه"، أي: يُغْفَرُ له كلُّ ذُنوبِه ويُطَهَّرُ منها لا يشوبُه منها شيءٌ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "أمَّا اثنتانِ فقد أُعْطِيَهما"، أي: استجابَ اللهُ عزَّ وجلَّ له، "وأرجو أنْ يكونَ قد أُعْطِيَ الثَّالثةَ" أي: أنْ يستجيبَ اللهُ لسُليمانَ في طلَبِ المغفرةِ لمَن قصَدَ المسجِدَ الأقصى بالصَّلاةِ، كما استجاب اللهُ دعاءَه في أمْرِ الدُّنيا.

وفي الحديثِ: بيانُ فَضيلةِ نَبِيِّ اللهِ سُليمانَ عليه السَّلامُ.

الأصول والأحكام

[سنن النسائي] (2/ 34) ‌693- أخبرنا عمرو بن منصور، قال: حدثنا أبو مسهر، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن ابن الديلمي، عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أن سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم لما بنى بيت المقدس، سأل الله عز وجل خلالا ثلاثة؟ سأل الله عز وجل: حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل: ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد: أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه، أن يخرجه من خطيئته، كيوم ولدته أمه))

[سنن ابن ماجه] (1/ 452 ) ‌1408- حدثنا عبيد الله بن الجهم الأنماطي قال: حدثنا أيوب بن سويد، عن أبي زرعة السيباني يحيى بن أبي عمرو قال: حدثنا عبد الله بن الديلمي، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس، سأل الله ثلاثا: حكما يصادف حكمه، وملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة))

[مسند أحمد] (11/ 219 ط الرسالة) ‌6644- حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن الديلمي، قال: دخلت على عبد الله بن عمرو، وهو في حائط له بالطائف، يقال له: الوهط، وهو مخاصر فتى من قريش، يزن بشرب الخمر، فقلت: بلغني عنك حديث: أنه من شرب شربة خمر لم يقبل الله له توبة أربعين صباحا، وأن الشقي من شقي في بطن أمه، وأنه من أتى بيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة فيه، خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه.

فلما سمع الفتى ذكر الخمر، اجتذب يده من يده، ثم انطلق، ثم قال عبد الله بن عمرو : إني لا أحل لأحد أن يقول علي ما لم أقل، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من شرب من الخمر شربة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد))- قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة- (( فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة)).

قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ، فمن أصابه من نوره يومئذ، اهتدى، ومن أخطأه، ضل)) فلذلك أقول: جف القلم على علم الله عز وجل.

وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن سليمان بن داود عليه السلام سأل الله ثلاثا، أعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون له الثالثة: فسأله حكما يصادف حكمه، فأعطاه الله إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله عز وجل قد أعطاه إياه))

أحاديث ذات صلة