يقولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: ما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أفضل من أداء ما افترضتُ عليْهِ، وما يزالُ يتقرَّبُ عبدي إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أحبَّهُ، فإذا أحببتُهُ كنتُ سمعَهُ الَّذي يسمعُ بِهِ، وبصرَهُ الَّذي يبصرُ بِهِ، ويدَهُ الَّتي يبطشُ بِها، ولئن سألني لأعطينَّهُ، ولئن دعاني لأجيبنه، ولئن استعاذَني لأعيذنَّهُ، وما تردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُهُ تردُّدي عن نفسِ المؤمنِ، يَكرَهُ الموتَ وأَكرَهُ مساءتَهُ
أخرجه البخاري (6502)، والبيهقي (6466) باختلاف يسير.
إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ.
الراوي : أبو هريرة المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 6502 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : من أفراد البخاري على مسلم حرَّمَ اللهُ إيذاءَ المُؤمِنِ بغيْرِ حقٍّ، وتَوعَّدَ المُجترئَ على ذلك بالعِقابِ الأليمِ في الدُّنيا والآخِرةِ، ويَزدادُ التَّحريمُ شِدَّةً، ويَزدادُ الوعيدُ بالعقابِ خُطورةً؛ إذا كان الواقعُ عليه الإيذاءُ أحدَ الصَّالحينَ.
وفي هذا الحديثِ القُدسيِّ يُخبِرُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قال: «مَن عادى لي وَلِيًّا»، أي: ألحق الأذى بوَليٍّ مِنَ أولياءِ اللهِ، والوَلِيُّ: هو المُؤمِنُ التَّقيُّ، العالِمُ باللهِ تعالَى، المواظِبُ على طاعتِه، المُخلِصُ في عِبادتِه.
وهو أيضًا مَن يَتولَّى اللهُ سُبحانَه وتعالَى أمْرَه ولا يَكِلُه إلى نفْسِه لَحْظةً، بلْ يَتولَّى الحقُّ رِعايتَه، أو هو الذي يَتولَّى عِبادةَ اللهِ وطاعتَه، فعِباداتُه تَجْري على التَّوالي مِن غيْرِ أنْ يَتخلَّلَها عِصيانٌ.
فمن عادى وَلِيَّ اللهِ، فقدْ أعلَنَ اللهُ سُبحانَه الحربَ عليه، وهذا فيه الغايةُ القُصوى مِنَ التَّهديدِ؛ إذ مَن حارَبَه اللهُ وعامَلَه مُعاملةَ المحارِبِ، فهو هالكٌ لا مَحالةَ، ومَن يُطيقُ حرْبَ اللهِ؟! ثم قال الحَقُّ سُبحانَه: «وما تَقرَّبَ إليَّ عَبْدي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افترَضْتُه عليه»، أي: أوجَبْتُه عليه؛ فالصَّلَواتُ الخَمسُ أحَبُّ إلى اللهِ مِن قيامِ اللَّيلِ، وأحبُّ إلى اللهِ مِنَ النَّوافِلِ، وصِيامُ رَمَضانَ أحَبُّ إلى الله من صيامِ الاثنينِ والخميسِ، والأيَّامِ السِّتَّةِ مِن شَوَّالٍ، وما أشبَهَها؛ فالفَرائِضُ أحَبُّ إلى اللهِ وأوكَدُ.
«وما يَزالُ عَبْدي يَتقرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافلِ» مع الفرائضِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ، وغيرِهما من أعمالِ البِرِّ والطَّاعةِ التي ليست من الفريضةِ؛ فالنَّوافِلُ تُقَرِّبُ إلى اللهِ، وهي تُكَمِّلُ الفرائِضَ، فإذا أكثَرَ الإنسانُ مِنَ النَّوافِلِ مع قيامِه بالفرائِضِ، نال محبَّةَ اللهِ، فيُحِبُّه اللهُ، وإذا أحَبَّه كان اللهُ سُبحانَه سَمْعَه الَّذي يَسمَعُ به، وبَصَرُه الذي يُبصِرُ به، ويَدَهُ التي يَبطِشُ بها، ورِجْلَه التي يَمْشِي بها، يعني أنَّه يكونُ مُسَدِّدًا له في هذه الأعضاءِ الأربعةِ؛ يُسَدِّدُه في سمعِه، فلا يَسمَعُ إلَّا ما يُرضِي اللهَ، ويُسَدِّدُه في بَصَرِه، فلا يَنظُرُ إلَّا إلى ما يحِبُّ اللهُ النَّظَرَ إليه، ولا ينظُرُ إلى المحَرَّمِ، ويُسَدِّدُه في يَدِه، فلا يعمَلُ بيَدِه إلَّا ما يُرضي اللهَ؛ لأنَّ اللهَ يُسَدِّدُه، وكذلك رِجْلُه، فلا يمشي إلَّا إلى ما يُرضي الله؛ لأنَّ اللهَ يُسَدِّدُه، فلا يسعى إلَّا إلى ما فيه الخيرُ.
وإن سأل اللهَ شيئًا فإنَّ اللهَ يعطيه ما سأل، فيكونُ مُجابَ الدَّعوةِ، ولئنِ استعاذ باللهِ ولجأ إليه طلَبًا للحمايةِ، فإنَّ اللهَ سُبحانَه يُعيذُه ويحميه ممَّا يَخافُ.
«وما تردَّدتُ عن شَيءٍ أنا فاعلُه تَردُّدي عن نفْسِ المُؤمِنِ» وليْسَ هذا التَّردُّدُ مِن أجْلِ الشَّكِّ في المصلحةِ، ولا مِن أجْلِ الشَّكِّ في القُدرةِ على فِعلِ الشَّيءِ، بلْ هو مِن أجْلِ رَحمةِ هذا العبدِ المُؤمِنِ، ولهذا قال اللهُ تعليلًا لهذا الترَدُّدِ: «يَكْرَهُ المَوْتَ» لِمَا فيه من الألمِ العظيمِ، «وأنا أكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»؛ لِمَا يَلْقَى المُؤمِنُ مِن الموتِ وصُعوبتِه.
فالعَبدُ الذي صار محبوبًا للحَقِّ مُحِبًّا له، يتقرَّبُ إليه أولًا بالفرائِضِ، وهو يحِبُّها، ثمَّ اجتهد في النَّوافِلِ التي يحِبُّها ويحِبُّ فاعِلَها، فأتى بكُلِّ ما يقدِرُ عليه من محبوبِ الحَقِّ، فأحبَّه الحَقُّ لفِعْلِ محبوبِه من الجانِبَينِ بقَصْدِ اتفاقِ الإرادةِ؛ بحيث يحِبُّ ما يحِبُّه، ويكرَهُ ما يكرَهُه محبوبُه، والرَّبُ يكرَهُ أن يَسُوءَ عَبْدَه ومحبوبَه، فلَزِمَ مِن هذا أن يَكرَهَ الموتَ؛ ليزدادَ مِن محابِّ محبوبِه، واللهُ سُبحانَه وتعالى قد قضى بالموتِ، فكُلُّ ما قضى به فهو يريدُه، ولا بُدَّ منه؛ فالرَّبُّ مُريدٌ لِمَوتِه لِما سبق به قضاؤُه، وهو مع ذلك كارهٌ لمساءةِ عَبدِه، وهي المَساءةُ التي تحصُلُ له بالموتِ؛ فصار الموتُ مُرادًا للحَقِّ مِن وَجهٍ، مَكروهًا له من وجهٍ، وهذا حقيقةُ الترَدُّدِ.
وفي الحَديثِ: النَّهيُ عن إيذاءِ أولياءِ اللهِ.
وفيه: التَّرغيبُ في حُبِّ أولياءِ الرَّحمنِ، والاعترافِ بفَضْلِهم.
وفيه: أنَّ أحَبَّ الأعمالِ فِعلُ الفرائضِ، وأفضلُ القُرُبات بَعْدَها فِعلُ النَّوافلِ.
وفيه: دلالةٌ على شَرَفِ الأولياءِ ورِفعةِ مَنزِلَتِهم.
[مسند البزار = البحر الزخار] (15/ 270) :
8750- حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، قال: حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تبارك وتعالى: ما تقرب إلي عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه وما يزال يتقرب عبدي إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ولئن سألني لأعطينه ولئن دعاني لأجيبنه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أن فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته.
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
ورواه عمر بن إسحاق بن يسار عن عمه عطاء بن يسار عن ميمونة.
[صحيح البخاري] (8/ 105) :
6502 - حدثني محمد بن عثمان: حدثنا خالد بن مخلد: حدثنا سليمان بن بلال: حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مساءته.
السنن الكبير للبيهقي (7/ 72 ت التركي) :
6466 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكى إملاء، حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، أخبرنى شريك بن عبد الله بن أبى نمر، عن عطاء، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل قال: من عادى لى وليا فقد بارزنى بالحرب، وما تقرب إلى عبدى بشيء أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، ولئن سألنى عبدى أعطيته، ولئن استعاذنى لأعيذنه".
وذكر باقى الحديث.
قد أخرجته في كتاب "الأسماء والصفات" مع تأويله.
رواه البخارى في "الصحيح" عن محمد بن عثمان ابن كرامة