عن يزيد بن الأصم.

قال: أتيت ابنَ عباسٍ فقلت : تزوج فلانٌ فقرَّب إلينا طعامًا فأكلنا ثم قرَّب إلينا ثلاثَ عشرةَ ضبًّا فبين آكلٍ وتاركٍ فقال بعضُ مَن عندَ ابنِ عباسٍ : لا آكلُه ولا أحرمُه ولا آمرُ به ولا أنهي عنه فقال ابنُ عباسٍ : بئسَ ما تقولونَ ما بُعِث رسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ إلا محلًّا ومحرمًا قُرِّب لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فمد يدَه ليأكلَ منه فقالت ميمونةُ : يا رسولَ اللهِ إنه لحمُ ضبٍّ فكفَّ يدَه وقال : هذا لحم لم آكلْه قطُّ فكلوا فأكل الفضلُ بنُ عباسٍ وخالدُ بنُ الوليدِ وامرأةٌ كانت معهم وقالت ميمونةُ : لا آكلُ مما لم يأكلْ منه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم

الدلالات الموضوعية:# حج - الدفع من مزدلفة# حج - وقت الرمي# حج - حجة النبي صلى الله عليه وسلم# حج - رمي جمرة العقبة# أطعمة - الوليمة# نكاح - وليمة النكاح# أطعمة - ما يحل من الأطعمة# أطعمة - التقذر# أطعمة - أكل الضب
المصدر: تخريج المسند لشاكر
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: أحمد شاكر
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (1941)، والترمذي (893)، والنسائي (3065) باختلاف يسير. وتقديمه صلى الله عليه وسلم ضعفة أهله ليلة المزدلفة أخرجه البخاري (1678)، ومسلم (1293)أخرجه أحمد (3009)

الشرح والتوضيح

عن يزيد بن الأصم.

قال: دعانا رجلٌ فأتى بخَوَانٍ عليهِ ثلاثةَ عشرَ ضَبًّا قال : وذاكَ عشاءٌ فآكلٌ وتاركٌ فلمَّا أصبحنا غدونا على ابنِ عباسٍ فسألتُهُ فأكثرَ في ذلك جلساؤُهُ حتى قال بعضهم : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : لا آكلُهُ ولا أُحَرِّمُهُ قال : فقال ابنُ عباسٍ : بئسما قلتم إنما بُعِثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُحِلًّا ومُحَرِّمًا ثم قال : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عند ميمونةَ وعندَهُ الفضلُ بنُ عباسٍ وخالدُ بنُ الوليدِ وامرأةٌ فأتي بخَوَانٍ عليهِ خبزٌ ولحمُ ضَبٍّ قال : فلمَّا ذهب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يتناولُ قالت لهُ ميمونةُ : إنَّهُ يا رسولَ اللهِ لحمُ ضَبٍّ فكفَّ يدَهُ وقال : إنَّهُ لحمٌ لم آكلُهُ ولكن كُلُوا قال : فأكلَ الفضلُ بنُ عباسٍ وخالدُ بنُ الوليدِ والمرأةُ ، قال : وقالت ميمونةُ : لا آكُلُ من طعامٍ لم يأكلْ منهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الراوي : عبدالله بن عباس.

المحدث : أحمد شاكر المصدر : تخريج المسند لشاكر الصفحة أو الرقم: 4/238 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه مسلم (1948)، وابن أبي شيبة (24348)، وأبو عوانة (8149) واللفظ لهم.

أحَلَّ اللهُ سُبحانَه للنَّاسِ الطَّيِّباتِ وحَرَّمَ عليهمُ الخَبائِثَ، وكانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعافُ أكْلَ الضَّبِّ، ولكِنَّه لم يُحرِّمْه.

وفي هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابِعيُّ يَزيدُ بنُ الأصَمِّ أنَّه قدْ دَعاهم رَجلٌ مع جَماعةٍ مِن النَّاسِ للطَّعامِ، فأتى «بخِوانٍ» وهو مائدةٌ مُرتفِعةٌ عنِ الأرضِ ولها أرْجُلٌ، وعليه طَعامٌ ثَلاثةَ عَشَرَ ضبًّا، والضَّبُّ حَيوانٌ مِن جِنسِ الزَّواحِفِ يَكثُرُ في الصَّحارِي العَربيَّةِ، وهو مَعروفٌ عندَ العَربِ واعْتادوا أكْلَه، وكان هذا الطَّعامُ عَشاءً، فانقسَمَ النَّاسُ بيْنَ آكِلٍ مِن الطَّعامِ، وبيْن تارِكٍ للأكْلِ منه.

فلمَّا أصْبَحوا ذَهَبوا إلى عبْدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهم، ثمَّ سَألَه يَزيدُ بنُ الأصَمِّ عن حُكمِ أكْلِ الضَّبِّ، وأكثَرَ جُلساؤُه مِن النَّاسِ الكَلامَ في حُكمِه، حتَّى قال بَعضُهم: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «لا آكُلُه ولا أُحرِّمُه»، يُريدونَ بذلك أنَّ عدَمَ أكلِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للضَّبِّ أنَّ نَفْسَه تَعَافُه، لا مِن أجْلِ أنَّه حَرامٌ، وهنا تَكلَّمَ ابنُ عبَّاسٍ فذَمَّ كلامَهم وقال: «بِئسَما قُلتم؛ إنَّما بُعِثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُحلًّا ومُحرِّمًا»، فيُحِلُّ ما أحَلَّه اللهُ، ويُحرِّمُ ما حرَّمَه اللهُ، وليْس ذلك كلُّه مِن عندِ نَفْسِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

ثمَّ أخبَرَهمُ ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما قِصَّةَ ذلك، وأنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان عندَ زَوجتِه مَيمونةَ بنتِ الحارِثِ رَضيَ اللهُ عنها، وعندَه الفَضلُ بنُ عبَّاسٍ، وخالدُ بنُ الوَليدِ، وتَكونُ مَيمونةُ خالَتَهما، وكانت معَهمُ امرأةٌ أُخْرى، فأُتيَ بخِوانٍ عليه خُبزٌ ولَحمُ ضَبٍّ، وكان قدْ أُهديَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولم يكُنْ يَعرِفْ أنَّه لحْمُ ضَبٍّ، فلمَّا ذهَب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى الطَّعامِ، وأرادَ أنْ يَأخُذَ منه لِيَأكُلَ، قالت له مَيمونةُ رَضِي اللهُ عنها: إنَّه -يا رسولَ اللهِ- لَحمُ ضَبٍّ، فأعْلَمَتْه حَقيقةَ اللَّحمِ، فكَفَّ يدَه، وأبْعَدَها عنِ الطَّعامِ، وقال: «إنَّه لَحمٌ لم آكُلْه» أي: لم آكُلْه مِن قبْلُ، ولم أتَعوَّدْ عليه، فامتَنَعَ عنه؛ لِكَراهيةِ نَفْسِه له، لا لِكَراهيةِ الشَّرعِ، وقال لهم: «كُلوا»، فسَمَح لهم بالأكْلِ منه أمامَه؛ لأنَّهم مُعتادونَ عليه، فأكَل الفَضلُ بنُ عبَّاسٍ، وخالدُ بنُ الوَليدِ، والمَرأةُ.

ولكنَّ مَيمونةَ بنتَ الحارِثِ رَضِي اللهُ عنها قالت: «لا آكُلُ مِن طَعامٍ لم يَأكُلْ منه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ»، وهذا مِن حُبِّها للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وحُبِّها لاتِّباعِه في عاداتِه، ولا يَعْني أنَّه حرامٌ؛ لأنَّه أُكِلَ أمامَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعلى مائدَتِه.

وهذا مِن رَحمتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالنَّاسِ؛ لأنَّ الضَّبَّ هو طَعامُ عامَّةِ الرِّعاءِ الَّذين يَرعَوْنَ الأنْعامَ في الصَّحْراءِ؛ لأنَّهم يَصْطادونَه ويَأكُلونَه.

وفي الحَديثِ: بَيانُ أدَبِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الطَّعامِ، وأنَّه كان إذا كَرِهَ طَعامًا تَرَكَه ولم يَعِبْه.

وفيه: أنَّ مِن الأطْعمةِ المُباحةِ غيْرِ المُحرَّمةِ: ما عافَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأنِفَتْ منه نَفْسُه مِن أنْواعِ الطَّعامِ بسَبَبِ عَدَمِ اعْتيادِه عليه.

أحاديث ذات صلة