قولُهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه: إنِّي خُيِّرْتُ فاختَرْتُ، قدْ قيلَ لي: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]، لو أعلَمُ أنِّي لو زِدْتُ على السَّبعينَ غُفِرَ له لزِدْتُ.
أخرجه البخاري (1366) بنحوه، والترمذي (3097) باختلاف يسير.
لَمَّا تُوُفِّيَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، جاءَ ابنُهُ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَسَأَلَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فيه أباهُ، فأعْطاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أنْ يُصَلِّيَ عليه، فَقامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِيُصَلِّيَ عليه، فَقامَ عُمَرُ فأخَذَ بثَوْبِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، تُصَلِّي عليه وقدْ نَهاكَ رَبُّكَ أنْ تُصَلِّيَ عليه؟! فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّما خَيَّرَنِي اللَّهُ فقالَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة: 80] ، وسَأَزِيدُهُ علَى السَّبْعِينَ، قالَ: إنَّه مُنافِقٌ! قالَ: فَصَلَّى عليه رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأنْزَلَ اللَّهُ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] .
الراوي : عبدالله بن عمر المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4670 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2774) باختلاف يسير كان عَبدُ اللهِ بنُ أبَيٍّ ابنُ سَلولَ رَأسَ المنافقِينَ في المدينةِ، وكان يُبطِنُ عَداوةَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلِمينَ، ولكِنْ لم يَمنَعْ ذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يُكافِئَه على بَعضِ الأُمورِ؛ من رَحْمَتِه، ولبَعضِ الحِكَمِ الأُخرى، كما في هذا الحديثِ؛ حيث يروي عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما: أنَّه لَمَّا تُوُفِّيَ عبدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ المنافِقُ، جاء ابنُه عبدُ اللهِ رَضِي اللهُ عنه -واسمُه مِثلُ اسمِ أبيه، وكان مِن المُخلِصين وفُضَلاءِ الصَّحابةِ- إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَأَلَه أنْ يُعطِيَه قَمِيصَه يُكفِّنُ فيه أباه، فأعطاهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَميصَه، ثُمَّ سَأَلَه أنْ يُصلِّيَ عليه صلاةَ الجِنازةِ، فقام صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِيُصَلِّيَ عليه؛ لكَمالِ شَفقتِه على مَن تَعلَّقَ بطَرَفٍ مِن الدِّينِ، ولتَطْييبِ قلْبِ وَلدِه الصَّالحِ عبْدِ اللهِ، ولتَألُّفِ قَومِه لرِياستِه؛ فاسْتعمَلَ أحْسَنَ الأمرينِ في السِّياسةِ، فقام عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه، فأَمْسَكَ ثَوبَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، تُصَلِّي عليه وقد نَهَاكَ ربُّك أنْ تُصلِّيَ عليه؟! قيل: لعَلَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه فَهِمَ ذلك من قَولِه تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] ، أو مِن قَولِه: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ} كأنَّه فهم أن «أو» ليست للتخييرِ، بل للتسويةِ في عَدَمِ الوَصفِ المذكورِ، أي: إنَّ الاستغفارَ لهم وعَدَمَ الاستغفارِ سواءٌ.
فرَدَّ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّما خَيَّرَنِي اللهُ» بيْنَ الاستغفارِ وعدَمِه «فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ}، وسَأَزِيدُه على السَّبْعِين»؛ طَمَعًا أنْ يكونَ له عندَ الموتِ إنابةٌ، فحَمَلَه مَحْمَلَ المُؤمنين؛ رَجاءَ رَحمةِ اللهِ له بذلك، ومَنْفعتِه، وتَطْييبًا لقلبِ ابنِه وبِرًّا به، فقال عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: إنَّه مُنافِقٌ! ولكِنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذهب فصلَّى عليه، فأنزَل اللهُ تعالَى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}، فأَوضَحَ اللهُ تعالَى له الأمْرَ ورفَعَ الاحتمالَ، وقطَعَ منه الرَّجاءَ، بنَهْيِه عن الصَّلاةِ عليه وعلى أمثالِه ممَّن ظَهَر نِفاقُه، والقيامِ على قُبورهم للدُّعاءِ لهم، وأعْلَمَه بأنَّهم كَفروا باللهِ وماتوا على ذلِك.
وفي الحَديثِ: ما كان عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الصَّفحِ والعَفْوِ عمَّن يُظهِرُ الإسلامَ ولو كان باطنُه على خِلافِ ذلك؛ لمَصْلحةِ الاستئلافِ وعدَمِ التَّنفيرِ عنه، وذلك قبْلَ نُزولِ النَّهيِ الصَّريحِ عن الصَّلاةِ على المنافقِين وغيرِ ذلك ممَّا أُمِر فيه بمُجاهرتِهم.
وفيه: مَشروعيَّةُ تَكفينِ المَيتِ في القَميصِ.
[صحيح البخاري] (2/ 97) 1366- حدثنا يحيى بن بكير حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أنه قال: ((لما مات عبد الله بن أبي بن سلول، دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أبي، وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أخر عني يا عمر.
فلما أكثرت عليه، قال: إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين فغفر له لزدت عليها.
قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} إلى {وهم فاسقون} قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، والله ورسوله أعلم)).
[سنن الترمذي] (5/ 279) 3097- حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب ، يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره.
فقلت: يا رسول الله، أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا وكذا كذا وكذا؟- يعد أيامه- قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: (( أخر عني يا عمر إني قد خيرت فاخترت، قد قيل لي: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت))، قال: ثم صلى عليه ومشى معه، فقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجب لي وجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] إلى آخر الآية، قال: فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله: ((هذا حديث حسن صحيح غريب)).