بينا نحن مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، إذ جاءه رجلٌ من اليهودِ ، وكانوا قد تشاوروا في صاحبٍ لهم زنَى بعدما أُحصِن ، فقال بعضُهم لبعضٍ : إنَّ هذا النَّبيَّ قد بُعِث ، وقد علمتم أن قد فُرِض عليكم الرَّجمُ في التَّوراةِ ، فكتمتموه ، واصطلحتم بينكم على عقوبةٍ دونه ، فانطلِقوا نسألُ هذا النَّبيَّ ، فإن أفتانا بما فُرِض علينا في التَّوراةِ من الرَّجمِ تركنا ذلك ، فقد تركنا ذلك في التَّوراةِ ، فهي أحقُّ أن تُطاعَ وُتصدَّقَ ، فأتَوْا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فقالوا : يا أبا القاسمِ ! إنَّه زنَى صاحبٌ لنا قد أُحصِن ، فما ترَى عليه من العقوبةِ ؟ قال أبو هريرةَ : فلم يرجعْ إليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى قام وقُمنا معه ، فانطلق يؤُمُّ مدراسَ اليهودِ ، حتَّى أتاهم ، فوجدهم يتدارسون التَّوراةَ في بيتِ المدراسِ ، فقال لهم : يا معشرَ اليهودِ ، أنشُدُكم باللهِ الَّذي أنزل التَّوراةَ على موسَى ، ماذا تجِدون في التَّوراةِ من العقوبةِ على من زنَى وقد أُحصِن ؟ قالوا : إنَّا نجِدُه يُحمَّمُ ويُجلدُ ، وسكت حبرُهم في جانبِ البيتِ ، فلمَّا رأَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صمتَه ، ألظَّ ينشدُه ، فقال حبرُهم : اللَّهمَّ إذ نشدتَنا ، فإنَّا نجِدُ عليهم الرَّجمَ ، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : فماذا كان أوَّلَ ما ترخَّصتُم به أمرَ اللهِ ؟ قال : زنَى ابنُ عمِّ ملكٍ فلم يرجُمْه ، ثمَّ زنَى رجلٌ آخرُ في أسرةٍ من النَّاسِ ، فأراد ذلك الملكُ رجْمَه ، فقام دونه قومُه ، فقالوا : واللهِ لا ترجمُه حتَّى ترجمَ فلانًا ابنَ عمِّ الملكِ ! فاصطلحوا بينهم عقوبةً دون الرَّجمِ ، وتركوا الرَّجمَ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : فإنِّي أقضي بما في التَّوراةِ ، فأنزل اللهُ في ذلك : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ .
.
.
} إلى قولِه : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }
أنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم برَجُلٍ منهمْ وامْرَأَةٍ قدْ زَنَيَا، فَقَالَ لهمْ: كيفَ تَفْعَلُونَ بمَن زَنَى مِنكُمْ؟ قالوا: نُحَمِّمُهُما ونَضْرِبُهُمَا، فَقَالَ: لا تَجِدُونَ في التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ؟ فَقالوا: لا نَجِدُ فِيهَا شيئًا، فَقَالَ لهمْ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، فَأْتُوا بالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَوَضَعَ مِدْرَاسُهَا الذي يُدَرِّسُهَا منهمْ كَفَّهُ علَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَطَفِقَ يَقْرَأُ ما دُونَ يَدِهِ وما ورَاءَهَا، ولَا يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ، فَنَزَعَ يَدَهُ عن آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَالَ: ما هذِه؟! فَلَمَّا رَأَوْا ذلكَ قالوا: هي آيَةُ الرَّجْمِ، فأمَرَ بهِما فَرُجِما قَرِيبًا مِن حَيْثُ مَوْضِعُ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا يَحْنِي عَلَيْهَا يَقِيهَا الحِجَارَةَ.
الراوي : عبدالله بن عمر المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4556 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (1699) باختلاف يسير حرَّفَ أهلُ الكتابِ مِنَ اليهودِ والنَّصارى كُتبَهمُ المُنْزَلةَ عليهم، فحَذَفوا وغيَّروا وأدْخَلوا فيها ما ليس منْها، وما بَقِيَ منه لم يَعمَلُوا به، وأخفَوْه وكتَمُوه وهمْ يَعلَمونَ.
وفي هذا الحديثِ صُورةٌ مِن صُوَرِ جُحودِ اليهودِ وكِتمانِهم ما أنْزَلَ اللهُ تعالى عليهم مِنَ التَّوراةِ؛ فيُخبرُ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ جماعةً من اليهودِ -وكانوا من يهودِ خَيبرَ- جاؤوا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِرجُلٍ وامرأةٍ منْهم قدْ زَنَيَا، فسألهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كيف تَفعَلونَ بِمَنْ زَنى منكم؟ فقالوا: نُحَمِّمُهما ونَضْرِبُهما، أي: نُسوِّدُ وُجوهَهما بالحُممِ -وهو الفَحْمُ- ونَضرِبُهما.
فسألهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الرَّجمِ -ويكونُ للزَّاني المحصَنِ، وهو الذي سبق له الزَّواجُ- أليس مَكتوبًا عندكم في التَّوراةِ أنَّ مَن زَنى بعد إحصانٍ يُرجَمُ؟ فقالوا: لا نَجدُ فيها شَيئًا.
وإنما سألهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليُلزِمَهم بما يعتَقِدونَه في كتابِهم الموافِقِ لحُكمِ الإسلامِ إقامةً للحُجَّةِ عليهم، لا لتقليدِهم ومَعرفةِ الحُكمِ منهم.
وكان عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ رضِي اللهُ عنه مِن عُلمائِهم قبْلَ إسلامِه، فرَدَّ عليهم، وقال لهمْ: كذبْتُم، فَأْتوا بِالتَّوراةِ فَاتْلُوها إنْ كُنتُم صادقِينَ؛ فإنَّ ذلك موجودٌ فيها لم يُغَيَّرْ.
فأَتَوا بالتوراةِ ونشَروها، فوضَعَ الَّذي يَدْرُسُ التَّوراةَ عندَهم -وهو عبدُ اللهِ بنُ صوريا، وكان أعلَمَ من بَقِيَ مِن الأحبارِ بالتوراةِ- كَفَّه على ما يَخُصُّ الرَّجْمَ فيها، وبدَأَ هذا الرَّجلُ يَقرَأُ ما قبْلَ آيةِ الرَّجْمِ وما بعْدَها ولا يَقرؤُها، فَأزاحَ عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ رضِي اللهُ عنه يَدَه عَن آيةِ الرَّجمِ وقال له: ما هذه؟! فلمَّا رأى اليهودُ ذلك قالوا: هي آيةُ الرَّجْمِ، فَأمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِالرَّجلِ والمرأةِ، فَرُجِما بالقُرْبِ مِن مَوضعِ الجنائزِ عندَ المسجدِ النَّبويِّ.
فلمَّا بدَأَ النَّاسُ بالرَّجْمِ رأى عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ رضِي اللهُ عنهما الرَّجلَ الذي زنى بالمرأةِ يَحْنِي عَلَيْهَا، أي: يَميلُ ويَكُبُّ على المرأةِ؛ لِيحمِيَها مِنَ الحجارةِ.
وفي الحديث: إقامةُ الحُدودِ على غيرِ المُسلِمين المقيمين في بلادِنا.
وفيه: أنَّ غيرَ المُسلِمين إذا تحاكَموا إلى المسلِمين حكم القاضي بينهم بحُكْمِ شَرْعِنا.