خطبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال : يا أيها الناسُ ! كتبَ اللهُ عليكمُ الحجَّ ، فقام مِحْصَنٌ الأسديُّ ، فقال : أفي كلِّ عامٍ يا رسولَ اللهِ ؟ ! فقال : أما إني لو قلتُ : نعم لَوَجَبَتْ ، ولو وَجَبَتْ ثم تَرَكْتُمْ لضللتم ، اسكتوا عنِّي ما سكتُّ عنكم ، فإنَّما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فأنزل اللهُ تعالى : ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوْا لَا تَسْأَلُوْا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ? إلى آخرِ الآيةِ

الدلالات الموضوعية:# أيمان - كيف كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم# حج - وجوب الحج# تفسير آيات - سورة المائدة# قرآن - أسباب النزول# اعتصام بالسنة - الأمر بالتمسك بالكتاب والسنة# اعتصام بالسنة - ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه
المصدر: تفسير الطبري
الراوي: أبو هريرة
المحدث: ابن جرير الطبري
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (7288) مختصراً، ومسلم (1337) بنحوه، والطبري في ((تفسيره)) (12805) واللفظ له.

الشرح والتوضيح

قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الناسِ ، فقال : كُتِبَ عليكمُ الحجَّ ! فقام رجلٌ من الأعرابِ ، فقال : أفي كلِّ عامٍ ؟ قال : فغَلِقَ كلامُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأسكتَ واستَغْضَبَ ، فمكثَ طويلًا ، ثم تكلَّمَ فقال : من السائلُ ؟ فقال الأعرابيُّ : أنا ذا ، فقال : ويحكَ ماذا يُؤْمِنُكَ أن أقولَ : نعم ، ولو قلتُ : نعم لوجبتْ ، ولو وجبتْ لكفرتم ! ألا إنَّهُ إنَّما أهلك الذين قبلكم أئمةُ الحرجِ ، واللهِ لو أني أحللتُ لكم جميعَ ما في الأرضِ ، وحَرَّمْتُ عليكم منها موضعَ خُفٍّ لوقعتم فيهِ ! قال : فأنزل اللهُ تعالى عند ذلك : ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوْا لَا تَسْأَلُوْا عَنْ أَشْيَاءَ? .

.

.

إلى آخرِ الآيةِ الراوي : أبو أمامة الباهلي المحدث : ابن جرير الطبري المصدر : تفسير الطبري الصفحة أو الرقم: 5/1/109 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه الطبري في ((التفسير)) (12807) واللفظ له، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (1474)، والطبراني (8/186) (7671) أمَر الشَّرعُ المُطهَّرُ بالوُقوفِ عندَ توجيهاتِ اللهِ ورَسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكَرِهَ كثْرَةَ الأسئلةِ التي قد يكونُ في جوابُها حَرَجٌ للأُمَّةِ وتَشْديدٌ عليها، كما حَدَثَ مع الأُمَمِ السابقةِ.

وفي هذا الحَديثِ يقولُ أبو أُمامَةَ الباهِليُّ رضِي اللهُ عنه: "قامَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الناسِ"، أي: قامَ فيهم خَطيبًا، "فقال: كُتِبَ عليكم الحَجُّ"، أي: فَرَضَ اللهُ عليكم الحجَّ بِقَولِهِ تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] ، "فقامَ رَجُلٌ من الأعْرابِ"، والأعْرابيُّ: ساكِنُ الصَّحْراءِ من العَرَبِ، "فقال: أَفِي كلِّ عامٍ؟"، أي: هل فرَضه اللهُ علينا في كلِّ عامٍ؟ قياسًا على الزَّكاةِ والصِّيامِ، "فغَلِقَ كلامُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأسْكَتَ واسْتَغْضَبَ"، أي: امْتنعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن الكلامِ، وسكَتَ غضبًا من سؤالِ الأعْرابيِّ؛ لِمَا يُسبِّبُه من تَشْديدِ على الأُمَّةِ في هذا الرُّكْنِ، "فمَكَثَ طويلًا"، أي: طالَ سُكوتُهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "ثم تكَلَّم فقال: مَنِ السائِلُ؟ فقال الأعْرابيُّ: أنا ذا"، أي: أنا هذا الذي سَأَلَ السؤالَ، "فقال: وَيْحَكَ!" وهي كلمةُ ترحُّمٍ وتوجُّعٍ تُقال لِمَن وقَعَ في هَلَكَةٍ لا يستحِقُّها، "ماذا يُؤَمِّنُك أنْ أقولَ: نعم؟"، أي: ما الذي يَضْمنُ لك أنَّني لنْ أقولَ: نعمْ؟ "ولو قُلْتُ: نعمْ، لوَجَبَتْ"، أي: لو أجَبْتُك بقولِ: نعَمْ لأصبَحَ الأمرُ فَرْضًا واجبًا لازمًا أن يَحُجَّ المسلِمُ كلَّ عامٍ، "ولو وَجَبَتْ لكَفَرْتُم" يعني: بتَرْكِ ما فَرَضَ اللهُ عليكم، وإطلاقُ الكُفْرِ إمَّا على مَنْ جَحَدَ الوُجوبَ؛ فهو على ظاهِرِهِ، وإمَّا على مَنْ تَرَكَ مع الإقْرارِ، فهو على سَبيلِ الزَّجْرِ والتَّغْليظِ.

قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "أَلَا إنَّه إنَّما أهْلَكَ الذين قبلَكم أَئِمَّةُ الحَرَجِ"، أي: من أسْبابِ هَلَكَةِ الأُمَمِ قَبْلنا أنَّهم كان فيهم أُناسٌ يُكْثِرون الأسئلةَ فيما لا يُفيدُ ممَّا يتَرتَّب عليه فرْضُ أمورٍ شاقَّةٍ وصَعبةٍ عليهم، فصاروا أئِمَّةً غيْرَ مَسْبوقين في إحْراجِ الأئِمَّةِ كلِّها.

ثم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "واللهِ لو أنِّي أحْلَلْتُ لكم جميعَ ما في الأرضِ، وحَرَّمْتُ عليكم منها مَوْضِعَ خُفِّ"، أي: قدْرَ مِساحةِ خُفِّ الجَمَلِ أو قدْرَ مِساحَةِ خُفٍّ يَلْبَسُهُ الإنسانُ في قَدَمِهِ "لوقعْتُم فيه"؛ وذلك لأنَّ الممنوعَ مرغوبٌ، والشَّيْطانُ يُوسْوِسُ للإيقاعِ في المحظورِ، وقد أقْسَمَ النَّبيُّ على ذلك لعِلْمِهِ بشِدَّةِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، قال أبو أُمامَةَ رضِي اللهُ عنه: "فأَنْزَلَ اللهُ تعالى عندَ ذلك"، أي: كانت هذه القِصَّةُ سببًا في نُزولِ قوْلِهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة: 101] ، فنَهى اللهُ عزَّ وجلَّ عن كثْرَةِ السؤالِ في غيرِ حاجةٍ أو الذي قد يكونُ سببًا في التَّشْديدِ على المُسْلِمين.

وفي الحديثِ: أنَّ سُكوتَ الشَّرْعِ عن أشْياءَ، إنَّما هو رحْمةٌ من اللهِ بنا، ورفْعٌ للحَرَجِ وليس نِسْيانًا أو نقصًا( ).

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (9/ 94) 7288- حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)).

[صحيح مسلم] (2/ 975 ) ((412- (‌1337) وحدثني زهير بن حرب.

حدثنا يزيد بن هارون.

أخبرنا الربيع بن مسلم القرشي عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة .

قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال

(( أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا)) فقال رجل: أكل عام؟ يا رسول الله! فسكت.

حتى قالها ثلاثا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم(())لو قلت: نعم.

لوجبت.

ولما استطعتم((.

ثم قال))ذروني ما تركتكم.

فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم.

فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم.

وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه(()).

130- (‌1337) حدثني حرملة بن يحيى التجيبي.

أخبرنا ابن وهب.

أخبرني يونس عن ابن شهاب.

أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب.

قالا: كان أبو هريرة يحدث؛

أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول))ما نهيتكم عنه فاجتنبوه.

وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم.

فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم((.

130- م- (1337) وحدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف.

حدثنا أبو سلمة، وهو منصور بن سلمة الخزاعي.

أخبرنا ليث عن يزيد بن الهاد، عن ابن شهاب ، بهذا الإسناد، مثله سواء.

131- (1337) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب.

قالا: حدثنا أبو معاوية.

ح وحدثنا ابن نمير.

حدثنا أبي.

كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.

ح وحدثنا قتيبة بن سعيد.

حدثنا المغيرة (يعني الحزامي).

ح وحدثنا ابن أبي عمر.

حدثنا سفيان.

كلاهما عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.

ح وحدثناه عبيد الله بن معاذ.

حدثنا أبي.

حدثنا شعبة عن محمد بن زياد.

سمع أبا هريرة.

ح وحدثنا محمد بن رافع.

حدثنا عبد الرزاق.

أخبرنا معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة .

كلهم قال

عن النبي صلى الله عليه وسلم))ذروني ما تركتم((.

وفي حديث همام))ما تركتم.

فإنما هلك من قبلكم(( ثم ذكروا نحو حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة.

تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (11/ 105) 12805- حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، سمعت أبي قال، أخبرنا الحسين بن واقد، عن محمد بن زياد قال، سمعت أبا هريرة يقول: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس، كتب الله عليكم الحج.

فقام محصن الأسدي فقال: أفي كل عام، يا رسول الله؟ فقال:((أما إني لو قلت))نعم(( لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عنى ما سكت عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم! فأنزل الله تعالى:))يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم((، إلى آخر الآية.

أحاديث ذات صلة