كانَ كعبُ بنُ الأشرَفِ يَهْجو النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ويحرِّضُ عليهِ كفَّارَ قُرَيْشٍ وَكانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ قدمَ المدينةَ وأهْلُها أخلاطٌ منهمُ المسلمونَ والمشرِكونَ يعبُدونَ الأوثانَ واليَهودُ وَكانوا يؤذونَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابَهُ فأمرَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ نبيَّهُ بالصَّبرِ والعفوِ فَفيهم أنزلَ اللَّهُ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ الآيةَ فلمَّا أبى كعبُ بنُ الأشرَفِ أن ينزعَ عن أذى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أمرَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ سعدَ بنَ معاذٍ أن يبعثَ رَهْطًا يقتُلونَهُ فبعثَ محمَّدَ بنَ مَسلمةَ وذكرَ قصَّةَ قتلِهِ فلمَّا قتلوهُ فزِعَتِ اليَهودُ والمشرِكونَ فغَدَوا علَى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالوا طُرِقَ صاحبُنا فقُتلَ فذكرَ لَهُمُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الَّذي كانَ يقولُ ودعاهمُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إلى أن يَكْتبَ بينَهُ وبينَهُم كتابًا ينتَهونَ إلى ما فيهِ فَكَتبَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بينَهُ وبينَهُم وبينَ المسلمينَ عامَّةً صَحيفةً
أخرجه أبو داود (3000)، واللفظ له، والبيهقي (18666)، بلفظ مقارب مطولا، وابن أبي حاتم في ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1083)، مختصرا.
كان كَعبُ بنُ الأشرَفِ شاعِرًا مِن يَهودِ العرَبِ وعُرِفَ بأذيتِه لرسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى أمَر النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بقَتْلِه، وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ كعبُ بنُ مالكٍ رضِيَ اللهُ عنه بقِصَّة قَتْلِ كَعبِ بنِ الأشرفِ، فيقول: "كان كَعبُ بنُ الأشرَفِ يَهْجو النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم"، أي: يَذُمُّه ويَسُبُّه في شِعرِه، "ويُحرِّضُ عليه كُفَّارَ قُريشٍ"، أي: يَحُثُّهم على إيذاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم، "وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم حينَ قَدِمَ المدينةَ"، أي: بعد هِجرَتِه إليها، "وأهلُها أخلاطٌ"، أي: مُتنوِّعون؛ "مِنهم المسلِمون، والمشرِكون يَعبُدون الأوثانَ، واليهودُ، وكانوا يُؤْذون النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم وأصحابَه، فأمَر اللهُ عزَّ وجلَّ نبيَّه بالصَّبرِ والعفوِ؛ ففيهِم أنزَل اللهُ"، أي: فيمَن أشارَ إليهِم مِن المشرِكين وأهلِ الكِتابِ قولَه تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .
"فلمَّا أبَى كَعْبُ بنُ الأشرَفِ أن يَنزِعَ"، أي: يَمتنِعَ ويَنتهِيَ، "عن أذى النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم"، أي: مِن السَّبِّ والتَّحريضِ، "أمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم سعْدَ بنَ مُعاذٍ" رضي الله عنه؛ وذلك لأنَّه كان سيِّدَ الأوسِ "أن يَبعَثَ رهطًا يَقتُلونه"، والرَّهطُ: المجموعةُ من الرِّجالِ يَبلُغُ عدَدُها ما يُقارِبُ العشَرةَ، "فبَعَث محمَّدَ بنَ مَسْلَمةَ، وذكَر قصَّةَ قتلِه"، وفيها: أنَّ محمَّدَ بنَ مَسلَمةَ قد دخَل على كَعبِ بنِ الأشرَفِ ليلًا، فاستَمْكَن منه فقَتَله محمَّدُ بنُ مَسلَمةَ ورَجُلانِ آخَرانِ معَه.
"فلمَّا قتَلوه فَزِعَت"، أي: خافَت، "اليَهودُ والمشركونَ، "فغَدَوْا على النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم"، أي: ذهَب وفدٌ مِنهُم صَباحًا عَقِبَ يومِ مَقتَلِ كعبٍ، "فقالوا: طُرِقَ صاحِبُنا"، أي: دُخِل عليه في اللَّيلِ، فقُتِل، "فذَكَر لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم الَّذي كان يَقولُ"، أي: أَذاه مِن هِجاءٍ وتَحريضٍ، "ودعاهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم إلى أن يَكتُبَ بينَه وبينَهم كِتابًا"، أي: دَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم المشرِكين واليهودَ أن يَكونَ بينَهم عهدٌ وميثاقٌ، "ينتَهون إلى ما فيه"، أي: يَكونُ وثيقةً حاكِمةً بين الطَّرَفَين، ومضمونُه الانتِهاءُ عَنِ الإيذاءِ وغيرِه، ويَكونون هم في مَأمَنٍ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم، "فكتَب النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم بينَه وبينَهم وبينَ المُسلِمين عامَّةً"، أي: إنَّ المُعاهَدةَ شَمِلَت النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم والمسلِمين وليسَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم وحدَه، "صحيفةً"، أي: فكُتِبَت تلك المعاهدةُ في صَحيفةٍ، والصَّحيفةُ: الورقةُ المكتوبةُ أيًّا كان نَوعُها؛ مِن جِلدٍ أو جَريدٍ أو ما شابهَ.
سنن أبي داود (3/ 154 ت محيي الدين عبد الحميد) :
3000 - حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، أن الحكم بن نافع، حدثهم قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه ، وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وكان كعب بن الأشرف يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، وأهلها أخلاط، منهم المسلمون، والمشركون يعبدون الأوثان، واليهود وكانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأمر الله عز وجل نبيه بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [[آل عمران: 186]] الآية، فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطا يقتلونه، فبعث محمد بن مسلمة، وذكر قصة قتله، فلما قتلوه، فزعت اليهود والمشركون فغدوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: طرق صاحبنا فقتل، فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول، ودعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينه كتابا، ينتهون إلى ما فيه فكتب النبي صلى الله عليه وسلم، بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة
السنن الكبير للبيهقي (19/ 8 ت التركي) :
18666 - أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان، حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا أبو اليمان، أخبرني شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أظنه عن أبيه - وكان ابن أحد الثلاثة الذين تيب عليهم - أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط؛ منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان، ومنهم اليهود وهم أهل الحلقة والحصون، وهم حلفاء للحيين الأوس والخزرج، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم، وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشرك، والرجل يكون مسلما وأخوه مشرك، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم، ففيهم أنزل الله جل ثناؤه: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} إلى آخر الآية [[آل عمران: 186]].
وفيهم أنزل الله جل ثناؤه: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا} [[البقرة: 109]].
فلما أبي كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطا ليقتلوه، فبعث إليه سعد بن معاذ محمد بن مسلمة الأنصاري وأبا عبس الأنصاري والحارث ابن أخي سعد بن معاذ في خمسة رهط.
وذكر الحديث في قتله، قال: فلما قتلوه فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبحوا فقالوا: إنه طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من سادتنا فقتل.
فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول في أشعاره وينهاهم به، ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينه وبينهم وبين المسلمين كتابا ينتهوا إلى ما فيه، فكتب النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم وبين المسلمين عاما صحيفة كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت العذق الذي في دار بنت الحارث، فكانت تلك الصحيفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
[تفسير ابن أبي حاتم] (1/ 204) :
1083 - حدثنا أبي ثنا أبو اليمان، أنبأ شعيب بن أبي حمزة عن الزهري أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه ، أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو النبي- صلى الله عليه وسلم وفيهم أنزل الله ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا إلى قوله: فاعفوا واصفحوا