كنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في سفرٍ فانطلق لحاجته فرأينا حمَّرةً معها فرخان فأخذْنا فرخَيها فجاءت الحُمَّرةُ فجعلت تفرشُ فجاء النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال من فجع هذه بولدِها ؟ رُدُّوا ولدَها إليها .
ورأى قريةَ نملٍ قد حرقناها، فقال : من حرقَ هذه ؟ قلنا : نحن، قال : إنه لا ينبغي أن يعذِّبَ بالنارِ إلا ربُّ النارِ
أخرجه أبو داود (5268) واللفظ له، وأحمد (3835) باختلاف يسير مختصراً
جاء الإسلامُ بالرَّحمةِ لكلِّ الخَلْقِ إِنْسًا وجِنًّا وحيوانًا وطيرًا وغيرَ ذلك، ومِن مظاهر تلك الرحمة: النَّهي عنْ أنْ تُعذَّبَ الحيواناتُ بالنَّارِ أو أنْ تُفْجَعَ بأَخْذِ صِغارِها أو بَيضِها، كما في هذا الحديثِ، الذي يقولُ عبدُ الله بنُ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه: "كُنَّا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَفَرٍ فانْطَلَق لحاجتِه"، أي: تَرَكَ المسيرَ لقضاءِ حاجتِه مِن البولِ أو الغائطِ، "فرَأَينا حُمَّرةً"، وهو طائرٌ صغيرٌ يُشْبِه العُصفورَ، "معَها فَرْخانِ فأَخَذْنا فَرْخَيْها"، والفَرْخُ هو الصَّغيرُ مِنْ أولادِ الطَّيْرِ، "فجاءتُ الحُمَّرةُ فجَعَلتْ تُفرِّشُ"، أي: تَطيرُ وتُرفْرِفُ فزعًا؛ لفَقْدِ فَرْخَيْها وصَغِيرَيْها، "فجاء النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: مَنْ فَجَعَ هذه بولَدِها؟" أي: مَنْ أَحْزَنَها وخوَّفَها بأَخْذِ صِغارِها؟ "رُدُّوا ولَدَها إليها"، أي: وأَمَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بردِّ الصِّغارِ إليها، وهذا مِنْ رحمتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
ثم قال: "ورَأى"، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، "قريةَ نَمْلٍ قَدْ حرَّقْنَاها"، أي: حُرِّقَتْ بالنَّارِ، والمُرادُ بالقَريةِ: هي مَساكِنُها، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "مَنْ حَرَّقَ هذه؟" قال بعضُ أصحابِه رَضِيَ اللهُ عَنْهم: "نَحْنُ"، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّه لا يَنْبَغي أنْ يُعذِّبَ بالنَّارِ إلَّا ربُّ النَّارِ"، أي: ليس لأيِّ إنسانٍ أن يُعذِّب أيَّ رُوحٍ إنسانًا كانتْ أو حيوانًا؛ لأنَّه لا يُعذِّبُ بالنِّارِ إلَّا خالِقُها، وهو اللهُ عزَّ وجلَّ، وهذا نَهْيٌ صريحٌ عَن الحَرْقِ بالنَّارِ أو التَّعْذيبِ بِها؛ لأنَّه أَمْرٌ مُخْتَصٌّ باللهِ فَقَط.
وفي الحديثِ: النَّهيُ عن تفزيعِ الطُّيورِ بأَخْذِ صِغارِها.
وفيه: والنَّهيُ عن الحرقِ بالنَّارِ أو التَّعذيبِ بها
[سنن أبي داود] (4/ 367) 5268- حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى، أخبرنا أبو إسحاق الفزاري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن ابن سعد، قال أبو داود: ((وهو الحسن بن سعد)) عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه ، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها)) ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: ((من حرق هذه؟)) قلنا: نحن، قال: ((إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار)).
[مسند أحمد] (6/ 385 ط الرسالة) ((3835- حدثنا أبو قطن، حدثنا المسعودي، عن الحسن بن سعد، عن عبد الرحمن عن عبد الله ، قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا، فانطلق إنسان إلى غيضة، فأخرج منها بيض حمرة، فجاءت الحمرة ترف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ورءوس أصحابه، فقال: (( أيكم فجع هذه؟)) فقال رجل من القوم: أنا أصبت لها بيضا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اردده)).