مَن ترَك دابَّةً بمَهْلِكٍ، فأحياها رجُلٌ، فهِيَ لِمَن أحياها.
أخرجه أبو داود (3525)، والبيهقي (12473) واللفظ لهما، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (22830) باختلاف يسير
حرَصَ الإسلامُ على حِفْظِ حُقوق النَّاسِ، وحِفْظِ الأموالِ مِن الضَّياعِ، ووضَعَ الضَّوابِطَ لردِّ الأطماعِ، وفي هذا الحَديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "مَن ترَكَ دابَّةً" والتَّرْكُ هنا محمولٌ على مَن ترَكَها مختارًا "بمُهْلَكٍ"، أي: بأَرضٍ أو موضِعٍ يقَعُ فيها الهلاكُ، كالصَّحراءِ ونَحوِها، والمرادُ بالدابَّةِ هنا: ما كان في مَنافِعِ الإنسانِ مِن طَيرٍ أو حيوانٍ، "فأحياها رَجُلٌ" أي: أخَذَها بَعدَ صاحبِها- الذي ترَكَها في المَهلَكِ- رجلٌ ورَدَّها مِن مَهلكِها، فأحْياها بسَقْيِها وعَلْفِها وخِدمتِها، وعَمِلَ على رِعايتِها حتَّى صَحَّتْ عِندَه، "فهِيَ لِمَن أحياها"، أي: يَمتَلِكُها مَن أحْياهَا؛ لأنَّه لَمَّا أحْيَاها وأَنقذَها مِن الهَلاكِ، مَلَكها؛ حِفظًا للمالِ عن الضَّياعِ، ومُحافظةً على حُرمةِ الحيوانِ، وهذا إذا كان مالِكُها الأوَّل ترَكَها عن قَصْدٍ رَغبةً عنها، ولم تَكُن الدابَّةُ ضالَّةً وضائعةً، وقد وردتْ روايةٌ أخرى مُوضِّحة لهذه الرِّوايةِ، وفيها: "مَن وجَدَ دابَّةً قد عجَزَ عنها أهلُها أنْ يَعرِفوها فتَرَكوها فأخَذَها فأَحياها، فهي له "، ولو ذهبَتِ الدابَّةُ لأرضِ الهلاكِ عن غَيرِ قَصْدٍ مِن صاحبِها لَزِمَ على مَن قدَرَ عليها أنْ يَرُدَّها إلى صاحبِها إنْ جاءَ وذَكَر أوصافَها، وكذلك إنْ كان مَالِكُها ترَكَها ليَرجِعَ إليها أو ضَلَّتْ عنه؛ فهي لمالِكِها الأوَّل، ويَغرَمُ ما أَنْفَقَ عليها الآخِذُ، وقيل: إنَّها تكونُ في هذِه الحالةِ لُقطةً، فإذا جاءَ صاحبُها ردَّها الواجِدُ عليه، ولا يَضمَنُ صاحبُها الأوَّلُ ما أَنفَقَ عليها.