- كُنْتُ مع النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في سَفَرٍ، فَكُنْتُ علَى جَمَلٍ ثَفَالٍ إنَّما هو في آخِرِ القَوْمِ، فَمَرَّ بي النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: مَن هذا؟ قُلتُ: جَابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قالَ: ما لَكَ؟ قُلتُ: إنِّي علَى جَمَلٍ ثَفَالٍ ، قالَ: أَمعكَ قَضِيبٌ؟ قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: أَعْطِنِيهِ، فأعْطَيْتُهُ، فَضَرَبَهُ، فَزَجَرَهُ، فَكانَ مِن ذلكَ المَكَانِ مِن أَوَّلِ القَوْمِ، قالَ: بِعْنِيهِ، فَقُلتُ: بَلْ هو لكَ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: بَلْ بِعْنِيهِ، قدْ أَخَذْتُهُ بأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، ولَكَ ظَهْرُهُ إلى المَدِينَةِ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ، قالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً قدْ خَلَا منها ، قالَ: فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وتُلَاعِبُكَ، قُلتُ: إنَّ أَبِي تُوُفِّيَ وتَرَكَ بَنَاتٍ، فأرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ امْرَأَةً قدْ جَرَّبَتْ خَلَا منها، قالَ: فَذلكَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، قالَ: يا بلَالُ، اقْضِهِ وزِدْهُ، فأعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وزَادَهُ قِيرَاطًا.
قالَ جَابِرٌ: لا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
فَلَمْ يَكُنِ القِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ.
أخرجه البخاري (2309)، ومسلم (715)
كان مِن أخلاقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في السَّفَرِ أنْ يَتأخَّرَ عن الرَّكْبِ حتَّى يَرْفُقَ بمَن معه، ويَحمِلَ الضَّعيفَ، ويَحُثَّ المُتأخِّرَ.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضِي اللهُ عَنْهما أنَّه كان مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في سَفَرٍ، قيل: كان ذَلَك في فَتْحِ مكَّةَ، وإنَّهم كانوا راجِعينَ منها إلى المدينةِ، وكان يَركَبُ على جَمَلٍ ثَفالٍ، أي: ثَقِيلٍ بَطيءِ السَّيرِ، وكان مُتأخِّرًا عن الرَّكبِ بسَببِ ذلك الجَمَلِ، فمَرَّ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو في هذه الحالِ، فسَأَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن هذا المُتأخِّرُ عن الرَّكْبِ؟ فأخبَرَه أنَّه جابرُ بنُ عبدِ الله، فسَأَلَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما سَببُ تَأخُّرِكَ في المَسيرِ؟ فأخْبَرَه أنَّه يَركَبُ على جَملٍ ثَقيلٍ لا يَنبعِثُ إلَّا كَرْهًا، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أَمَعكَ قَضِيبٌ؟» أي: عَصًا أو سَوطٌ، فأجابَه جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه بنَعَمْ، فأمَرَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُعطِيَه إيَّاهُ، فأَعْطى جابرٌ تِلك العَصا التي كانت معه للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فضَرَبَ بها ذلك الجَمَلَ البَطِيءَ يَزجُرُه ويَحُثُّه على السَّيرِ، فأَسْرَعَ الجَمَلُ مِن المَوضِعِ الَّذي ضَرَبه وزَجَره فيه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأَصْبَح في أوَّلِ الرَّكْبِ بَعْدَ أنْ كان في آخِرِهم، وذلك ببَركةِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فطَلَبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن جابرٍ شِراءَ هذا الجَملِ الَّذي يَركَبُه، فقال جابرٌ: «بَلْ هو لكَ يا رَسولَ اللهِ» مِن غَيرِ بَيعٍ، فلم يَقْبَلْه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منه إلَّا بَيعًا، فاشْتَراه منه بأربعةِ دَنانيرَ على أنْ يَبقَى راكبًا عليه ومُنتفِعًا به إلى أنْ يَأتِيَ المدينةَ، فيَقْبِضَه منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
فلمَّا اقتَرَبوا مِن المدينةِ أخَذَ جابرٌ في الانفصالِ عن القومِ مُتوجِّهًا إلى مَنْزلِه مُسرِعًا، فسَأَلَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن وِجهَتِه، فقال للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّه كان قدْ تَزوَّجَ امرأةً ماتَ عنها زَوجُها، إشارةً إلى أنَّها ثَيِّبٌ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «فهَلَّا جاريةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ» أي: بِكْرًا، والمرادُ بها التي لم يَسبِقْ لها الزَّواجُ؛ فإنَّ الثَّيِّبَ قدْ تكونُ مُتعلِّقةَ القَلْبِ، بخِلافِ الصَّغيرةِ التي لم يَسْبِقْ لها الزَّواجُ؛ فإنَّ قَلْبَها غالبًا ما يَتعلَّقُ بأوَّلِ زَوْجٍ لها، فتَنْشَطُ له وتَسْعى في سَعادتِه، وغيرِ ذلك مِن المواصَفاتِ التي تُعرَفُ بها البِكْرُ، وتَتَقدَّمُ بها على الثَّيِّبِ، فأخْبَرَه جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ السَّببَ في تَزوُّجِه ثَيِّبًا ما له مِن عُذْرٍ؛ وهُنَّ الأخواتُ الصِّغارُ اللَّائي مات أبوهُ وتَرَكَهنَّ له، ويَحْتجْنَ إلى الرِّعايةِ والتَّربيةِ، والتي لا تَقدِرُ البنتُ البِكْرُ على تَحمُّلِ ذلك، ولا تَعرِفُه؛ ولذلك فقدْ تَزوَّجَ امرأةً سَبَق لها مِن التَّجارِبِ التي تَقْوَى بها على رِعايتِهنَّ وتَربيتِهنَّ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «فذلك»، أي: يُبارِكُ له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على زَواجِه، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ مَن أرادَ الزَّواجَ يَحسُنُ به أنْ يَجعَلَ اختيارَه في المرأةِ التي تَصلُحُ فيه وفي أهْلِه.
فلمَّا رَجَعوا إلى المدينةِ دَفَعَ جابرٌ بالجَملِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليُسلِّمَه له، فأَمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِلالًا أنْ يَدْفَعَ له ثَمَنَ الجَمَلِ الَّذي اشْتَراه مِنْه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأنْ يَزيدَه، فأَعْطى بِلالٌ لجابرٍ أربعةَ دَنانيرَ، وزادَهُ قِيراطًا؛ وذلك لأنَّ بلالًا كان يَتولَّى نَفَقاتِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والقِيراطُ: نَصْفُ عُشْرِ الدِّينارِ، وقيل غيرُ ذلك، قال جابرٌ: «لا تُفارِقني زِيادةُ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ»، فاحْتَفَظَ بالقِيراطِ ولم يَصْرِفْهُ.
قال عَطاءُ بنُ أَبِي رَباحٍ: «فلم يَكُن القِيراطُ يُفارِقُ جِرابَ جابرِ بنِ عبدِ الله»، والجِرابُ: ما يُحمَلُ فيه مِن مَتاعٍ.
وفي الحديثِ: بَيانٌ لجانبٍ مِن تَواضُعِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وحُسنِ عِشرتِه لأصحابِه، وتَفقُّدِه لأحوالِهم، ورِعايتِه لمَصالحِهم.
وفيه: تَفضيلُ زَواجِ البِكرِ على الثَّيِّبِ.
وفيه: فَضيلةٌ لجابرٍ رَضيَ اللهُ عنه، وشَفقتُه على أخواتِه، وإيثارُه مَصلحتَهنَّ على حَظِّ نفْسِه.
وفيه: خِدمةُ المرأةِ لأهلِ زَوجِها، ورِعايتُها لأَخواتِه.
[صحيح البخاري] (3/ 100) :
2309 - حدثنا المكي بن إبراهيم: حدثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح وغيره، يزيد بعضهم على بعض، ولم يبلغه كلهم، رجل واحد منهم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكنت على جمل ثفال، إنما هو في آخر القوم، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من هذا، قلت: جابر بن عبد الله، قال: ما لك، قلت: إني على جمل ثفال، قال: أمعك قضيب، قلت: نعم، قال: أعطنيه، فأعطيته فضربه فزجره، فكان من ذلك المكان من أول القوم، قال: بعنيه، فقلت: بل هو لك يا رسول الله، قال: بعنيه، قد أخذته بأربعة دنانير، ولك ظهره إلى المدينة، فلما دنونا من المدينة أخذت أرتحل، قال: أين تريد، قلت: تزوجت امرأة قد خلا منها، قال: فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك، قلت: إن أبي توفي وترك بنات، فأردت أن أنكح امرأة قد جربت، خلا منها، قال: فذلك، فلما قدمنا المدينة، قال: يا بلال، اقضه وزده، فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا، قال جابر: لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلم يكن القيراط يفارق جراب جابر بن عبد الله.
صحيح مسلم (3/ 1221 ت عبد الباقي) :
110 - (715) حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم (قال إسحاق: أخبرنا.
وقال عثمان: حدثنا جرير) عن مغيرة، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله .
قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فتلاحق بي.
وتحتي ناضح لي قد أعيا ولا يكاد يسير.
قال: فقال لي (ما لبعيرك؟) قال قلت: عليل.
قال: فتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجره ودعا له.
فما زال بين يدي الإبل قدامها يسير.
قال: فقال لي (كيف ترى بعيرك؟) قال قلت: بخير.
قد أصابته بركتك.
قال: (أفتبيعنيه؟) فاستحييت.
ولم يكن لنا ناضح غيره.
قال فقلت: نعم.
فبعته إياه.
على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة.
قال فقلت له: يا رسول الله! إني عروس فاستأذنته.
فأذن لي.
فتقدمت الناس إلى المدينة.
حتى انتهيت.
فلقيني خالي فسألني عن البعير.
فأخبرته بما صنعت فيه.
فلامني فيه.
قال: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي حين استأذنته (ما تزوجت؟ أبكرا أم ثيبا؟) فقلت له: تزوجت ثيبا.
قال (أفلا تزوجت بكرا تلاعبك وتلاعبها؟) فقلت له: يا رسول الله! توفي والدي (أو استشهد) ولي أخوات صغار.
فكرهت أن أتزوج إليهن مثلهن.
فلا تؤدبهن ولا تقوم عليهن.
فتزوجت ثيبا لتقوم عليهن وتؤدبهن.
قال: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، غدوت إليه بالبعير، فأعطاني ثمنه، ورده علي.
صحيح مسلم (3/ 1222 ت عبد الباقي) :
111 - (715) حدثنا عثمان بن أبي شيبة.
حدثنا جرير عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر .
قال: أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فاعتل جملي.
وساق الحديث بقصته.
وفيه: ثم قال لي (بعني جملك هذا).
قال قلت: لا.
بل هو لك.
قال (لا.
بل بعنيه).
قال قلت: لا.
بل هو لك.
يا رسول الله! قال (لا.
بل بعنيه).
قال قلت: فإن لرجل علي أوقية ذهب.
فهو لك بها.
قال (قد أخذته.
فتبلغ عليه إلى المدينة).
قال: فلما قدمت المدينة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال (أعطه أوقية من ذهب.
وزده).
قال: فأعطاني أوقية من ذهب.
وزادني قيراطا.
قال فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فكان في كيس لي.
فأخذه أهل الشام يوم الحرة.
صحيح مسلم (3/ 1223 ت عبد الباقي) :
112 - (715) حدثنا أبو كامل الجحدري.
حدثنا عبد الواحد بن زياد.
حدثني الجريري عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله .
قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر.
فتخلف ناصحي.
وساق الحديث.
وقال فيه: فنخسه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال لي (اركب باسم الله) وزاد أيضا: قال: فما زال يزيدني ويقول (والله يغفر لك).