-  لَمَّا احْتَرَقَ البَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فَكانَ مِن أَمْرِهِ ما كَانَ؛ تَرَكَهُ ابنُ الزُّبَيْرِ حتَّى قَدِمَ النَّاسُ المَوْسِمَ يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ -أَوْ يُحَرِّبَهُمْ- علَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، قالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ في الكَعْبَةِ ، أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ ما وَهَى منها؟ قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فإنِّي قدْ فُرِقَ لي رَأْيٌ فِيهَا؛ أَرَى أَنْ تُصْلِحَ ما وَهَى منها، وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عليه، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ ابنُ الزُّبَيْرِ: لوْ كانَ أَحَدُكُمُ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، ما رَضِيَ حتَّى يُجِدَّهُ، فَكيفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ إنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ علَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمع رَأْيَهُ علَى أَنْ يَنْقُضَهَا، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فيه أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فألْقَى منه حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيءٌ، تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حتَّى بَلَغُوا به الأرْضَ، فَجَعَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ حتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ.

وَقالَ ابنُ الزُّبَيْرِ: إنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: لَوْلَا أنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بكُفْرٍ، وَليْسَ عِندِي مِنَ النَّفَقَةِ ما يُقَوِّي علَى بِنَائِهِ، لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فيه مِنَ الحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ منه، وَبَابًا يَخْرُجُونَ منه.

قالَ: فأنَا اليَوْمَ أَجِدُ ما أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ، قالَ: فَزَادَ فيه خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنَ الحِجْرِ حتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إلَيْهِ، فَبَنَى عليه البِنَاءَ، وَكانَ طُولُ الكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فيه اسْتَقْصَرَهُ، فَزَادَ في طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ له بَابَيْنِ: أَحَدُهُما يُدْخَلُ منه، وَالآخَرُ يُخْرَجُ منه.

فَلَمَّا قُتِلَ ابنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الحَجَّاجُ إلى عبْدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بذلكَ، وَيُخْبِرُهُ أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قدْ وَضَعَ البِنَاءَ علَى أُسٍّ نَظَرَ إلَيْهِ العُدُولُ مِن أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عبدُ المَلِكِ: إنَّا لَسْنَا مِن تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ في شَيءٍ ، أَمَّا ما زَادَ في طُولِهِ فأقِرَّهُ، وَأَمَّا ما زَادَ فيه مِنَ الحِجْرِ فَرُدَّهُ إلى بنَائِهِ، وَسُدَّ البَابَ الذي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إلى بِنَائِهِ.

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - أهل الجاهلية# حج - فضائل الكعبة والمسجد الحرام# حج - نقض الكعبة وبناؤها# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - بناء الكعبة ووضع الحجر# حج - جدر الكعبة وبابها# الكفر والشرك - أعمال الجاهلية# علم - السؤال للانتفاع وإن كثر# حج - حرمة البيت الحرام# حج - الحجر من الكعبة# مساجد ومواضع الصلاة - عمارة البيت الحرام وبناؤه وهدمه وما يتعلق بذلك# إمامة وخلافة - ما كان من أمر ابن الزبير ويزيد بن معاوية واستخلاف أبيه له وأيام الحرة وغير ذلك# أشراط الساعة - هدم الكعبة# حج - ما جاء في مال الكعبة وكسوتها# أنبياء - إبراهيم# حج - استلام الحجر الأسود وتقبيله# حج - استلام الركن اليماني
المصدر: صحيح مسلم
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: مسلم
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (1586)، ومسلم (1333).أخرجه البخاري (1585) بنحوهأخرجه البخاري (1584) باختلاف يسيرأخرجه البخاري (126) مختصراً بنحوهأخرجه البخاري (1585)، ومسلم (1333).أخرجه البخاري (1584) بلفظ مقاربأخرجه مسلم (1333)أخرجه البخاري (4484) باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

لَمَّا احْتَرَقَ البَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فَكانَ مِن أَمْرِهِ ما كَانَ؛ تَرَكَهُ ابنُ الزُّبَيْرِ حتَّى قَدِمَ النَّاسُ المَوْسِمَ يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ -أَوْ يُحَرِّبَهُمْ- علَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، قالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ في الكَعْبَةِ، أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ ما وَهَى منها؟ قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فإنِّي قدْ فُرِقَ لي رَأْيٌ فِيهَا؛ أَرَى أَنْ تُصْلِحَ ما وَهَى منها، وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عليه، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ ابنُ الزُّبَيْرِ: لوْ كانَ أَحَدُكُمُ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، ما رَضِيَ حتَّى يُجِدَّهُ، فَكيفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ إنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ علَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمع رَأْيَهُ علَى أَنْ يَنْقُضَهَا، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فيه أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فألْقَى منه حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيءٌ، تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حتَّى بَلَغُوا به الأرْضَ، فَجَعَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ حتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ.

وَقالَ ابنُ الزُّبَيْرِ: إنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: لَوْلَا أنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بكُفْرٍ، وَليْسَ عِندِي مِنَ النَّفَقَةِ ما يُقَوِّي علَى بِنَائِهِ، لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فيه مِنَ الحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ منه، وَبَابًا يَخْرُجُونَ منه.

قالَ: فأنَا اليَوْمَ أَجِدُ ما أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ، قالَ: فَزَادَ فيه خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنَ الحِجْرِ حتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إلَيْهِ، فَبَنَى عليه البِنَاءَ، وَكانَ طُولُ الكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فيه اسْتَقْصَرَهُ، فَزَادَ في طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ له بَابَيْنِ: أَحَدُهُما يُدْخَلُ منه، وَالآخَرُ يُخْرَجُ منه.

فَلَمَّا قُتِلَ ابنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الحَجَّاجُ إلى عبْدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بذلكَ، وَيُخْبِرُهُ أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قدْ وَضَعَ البِنَاءَ علَى أُسٍّ نَظَرَ إلَيْهِ العُدُولُ مِن أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عبدُ المَلِكِ: إنَّا لَسْنَا مِن تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ في شَيءٍ، أَمَّا ما زَادَ في طُولِهِ فأقِرَّهُ، وَأَمَّا ما زَادَ فيه مِنَ الحِجْرِ فَرُدَّهُ إلى بنَائِهِ، وَسُدَّ البَابَ الذي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إلى بِنَائِهِ.

الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 1333 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (126) مختصراً بنحوه الكَعبةُ هي بَيتُ اللهِ الحرامُ، وقِبلةُ المُسلِمينَ، وهي أوَّلُ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ، وقدْ بَناها إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السَّلامُ بأَمْرٍ مِنَ اللهِ تعالَى، وقدْ هُدِمَتْ وبُنِيَتْ أكثرَ مِن مرَّةٍ.

وفي هذا الحديثِ يَرْوي عَطاءُ بنُ أَبي رَباحٍ أنَّه لمَّا احترَقَ البيتُ الحَرامُ، وقدْ أُحرِقَ حِين حاصَرَ الحُصينُ بنُ نُمَيرٍ السَّكونيُّ عبْدَ اللهِ بنَ الزُّبيرِ رَضِي اللهُ عنهما في مكَّةَ بعْدَ وَقعةِ الحَرَّةِ بالمدينةِ سَنةَ ثلاثٍ وسِتِّينَ مِن الهجرةِ، بأمرِ يَزيدَ بنِ مُعاويةَ، وكان خَليفةً على الشَّامِ، وكان ابنُ الزُّبيرِ رَضِي اللهُ عنهما يُنازِعُه أمْرَ الخلافةِ حِينَها، فلمَّا قام أهلُ الشَّامِ بِدُخولِ البيتِ الحرامِ؛ لقِتالِ عبْدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ واحْتَرَقَتِ الكعبةُ، ومال جِدارُها مِن رَمْيِ المَنْجَنيقِ، وهو آلةٌ تُرْمى بها الحِجارةُ، وكان ذلك الحَرقُ والهدْمُ الَّذي حَصَلَ للكعبةِ غيْرَ مَقصودٍ لها، بلْ كان المقصودُ حِصارَ ابنِ الزُّبَيْرِ، فالضَّرْبُ بالمَنْجَنيقِ كان له لا للكَعبةِ.

وفي أثناءِ الحصارِ جاء خبرُ مَوتِ يَزيدَ بنِ مُعاوِيةَ سَنةَ أربعٍ وسِتِّينَ مِن الهجرةِ، فرجَعَ جَيشُ الشَّامِ إلى بِلادِه، وقام ابنُ الزُّبيرِ ثمَّ دعا إلى نفْسِه، فبُويِعَ بالخلافةِ، وأطاعَهُ أهلُ الحجازِ، ومِصرَ، والعراقِ، وخُراسانَ، وبعْدَ رُجوعِ جَيشِ الشَّامِ، تَرَكَ عبْدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ رَضِي اللهُ عنهما البيتَ على حالِهِ مِن التَّهدُّمِ، حتَّى جاء النَّاسُ مِن كلِّ الأقطارِ إلى مَوْسِمِ الحجِّ، واجتَمَعوا فيه، وكان ابنُ الزُّبيرِ رَضِي اللهُ عنهما يُريدُ «أنْ يُجَرِّئَهُمْ»، أي: يُشجِّعَهم على قِتالِ أهلِ الشَّامِ، «أو يُحَرِّبَهم»، أي: يُحرِّكَ الغَيْظَ في قُلوبِهم بِما يَرَوْنَهُ مِن حَرقِ البيتِ، فيُقاتِلوا أهلَ الشَّامِ، فلمَّا رجَعَ النَّاسُ إلى بُلدانِهم بعْدَ انقضاءِ أعمالِ الحجِّ، قال ابنُ الزُّبيرِ رَضِي اللهُ عنهما لأهلِ مكَّةَ أو الكُبراءِ منهم: «يا أيُّها النَّاسُ، أَشيروا علَيَّ في الكعبةِ»، أي: أعْطُوني رأْيَكم، هل أَهدِمُها، ثمَّ أُعيدُ بِناءَها مِن جديدٍ، أو أُصْلِحُ ما ضعُفَ وتَهدَّم منها؟ فقال ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عنهما: «فإنِّي قدْ فُرِقَ لي رأْيٌ فيها»، أي: كُشِفَ لي رأيٌ، واتَّضَحَ، وهو أنْ تُصْلِحَ ما ضعُفَ وتَهدَّمَ منها، فتُرجِعَه إلى ما كان عليه مِن هَيئةٍ، وتَترُكَ الكعبةَ على هَيْئَتِهِا الَّتي عَهِدها النَّاسُ حِين أسْلَموا، «وأحْجارًا أسْلَمَ النَّاسُ عليها» يعني أحجارَ الكعبةِ مِن غيرِ تَبديلٍ، وَبُعِثَ عليها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فلم يُغيِّرْها، فقال ابنُ الزُّبيرِ: «لوْ كان أحدُكم احترَقَ بَيتُهُ»، أي: أصابَهُ الحَريقُ، «ما رَضِيَ»، أي: صاحبُ البيتِ المُحْتَرِقِ، حتَّى يَجعَلَهُ جَديدًا، «فكيْف بَيتُ رَبِّكم؟!»، يعني أنَّ بَيتَ اللهِ تعالَى أوْلَى بالإصلاحِ والتَّجديدِ، ثمَّ قال لهم: «إنِّي مُستَخيرٌ ربِّي ثَلاثًا»، أي: أُصلِّي صَلاةَ الاستخارةِ، وأطلُبُ مِنَ اللهِ الخيرَ والعَوْنَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ أو ثلاثةَ أيَّامٍ، ثمَّ أُجْمِعُ أَمْري، فلمَّا انْتَهَت الثَّلاثةُ أيَّامٍ، بانَ له أنْ يَهدِمَها، ويُعيدَ بِناءَها، وعزَمَ على ذلك، فتَجنَّبَه النَّاسُ وبَعُدوا عنه؛ خَشْيَةَ أنْ يَنزِلَ عِقابٌ بأوَّلِ مَن يَطْلُعُ إلى البيتِ يُريدُ هَدْمَه، مِثلَما حدَثَ لأصحابِ الفيلِ، وظَلُّوا كذلك حتَّى ارْتَقَى رجُلٌ منهم الكعبةَ، وبدَأ بِنَقْضِ الحِجارةِ، فلمَّا رَأى النَّاسُ أنَّه لم يُصِبْهُ شَيءٌ مِنَ العِقابِ، تَتابَعوا وَأَقْبَلوا نَحْوَ البيتِ في إِثْرِ بعضٍ دونَ فَصْلٍ، فهَدَموه وأزالوا حِجارتَه، حتَّى ساوَوْهُ بالأرضِ، «فجَعَل ابنُ الزُّبيرِ أعمِدةً، فَسَتَرَ عليها السُّتورَ، حتَّى ارْتَفَعَ بِناؤُهُ»، والمقصودُ بهذه الأعمدةِ والسُّتورِ أنْ تَكونَ قِبلةً للمُصلِّينَ، وأنْ يَعرِفوا مِن خِلالِها مَوْضِعَ الكعبةِ، ولم تَزَلْ تِلك السُّتورُ حتَّى ارتَفَعَ البِناءُ، وصار مُشاهَدًا لِلنَّاسِ، فأزالها؛ لحُصولِ المقصودِ بالبِناءِ المُرتفِعِ مِنَ الكعبةِ.

ثمَّ ذَكَرَ ابنُ الزُّبيرِ رَضِي اللهُ عنهما حَديثًا سَمِعه مِن خالتِهِ عائشةَ رَضِي اللهُ عنها، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قال: «لوْلا أنَّ النَّاسَ حَديثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ»، أي: أنَّهم قَريبو العهدِ بالإسلامِ، والخروجِ مِنَ الكفرِ إلى الإسلامِ، «وليْس عِندي مِنَ النَّفقةِ»، أي: لسْتُ أَملِكُ أنْ أُنفِقَ مِنَ الأموالِ، ما يَجعَلُني قَويًّا وقادرا على بِنائِهِ، لَكُنْتُ أدخَلْتُ في البيتِ «مِنَ الحِجْرِ» وهو البِناءُ الدَّائريُّ الَّذي حَولَ الكَعبةِ مِنَ النَّاحيةِ المُقابِلةِ للحجَرِ الأسوَدِ والرُّكنِ اليَمانيِ، وهو على شَكلِ نِصفِ دائرةٍ يُلاصِقُ الرُّكنينِ الشاميَّ والعِراقيَّ، وهذا الحِجرُ جُزءٌ مِن الكعبةِ «خَمْسَ أَذْرُعٍ»، وفي رِوايةٍ أُخرى عندَ مُسلمٍ بلفظِ: «وزِدتُ فيها سِتَّةَ أذرُعٍ مِن الحِجرِ»؛ وسَببُ ذلك أنَّ قُريشًا لمَّا قَصُرَتْ بهم النَّفقةُ، وكانت لا تَكْفي لِبِناءِ الكعبةِ، بَنَوْا على قدْرِ نَفَقتِهم، وجعَلوا الباقيَ خارجًا، وَسَمَّوْهُ حِجْرًا، فأرادَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنْ يُدْخِلَهُ ضِمْنَ البيتِ، ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «وَلَجَعَلْتُ لها بابًا يَدخُلُ النَّاسُ منه» وهو البابُ الشَّرقيُّ، «وبابًا يَخرُجون منه» وهو البابُ الغَربيُّ، فَتَرَكَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم نَقْضَ الكعبةِ وإدخالَ الحِجْرِ فيها؛ خَشيةَ وُقوعِ الفِتنةِ، فأبْقاها على ما هي عليه، فقال ابنُ الزُّبيرِ بعْدَ أنْ رَوى الحديثَ: «فأنا اليومَ أجِدُ ما أُنفِقُ»، فعِندي مِنَ الأموالِ والنَّفقةِ ما يَفِي بذلك، ولسْتُ أخاف على النَّاسِ مِنَ الفِتنةِ؛ لتَمكُّنِ الإيمانِ في قُلوبِهم، فزاد في البيتِ الحرامِ وأدخَلَ فيه خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنَ الحِجْرِ، وحَفَر مِن أرضِ الحِجْرِ تلك المسافةَ إلى أنْ بَلَغ أساسَ البيتِ الَّذي أَسَّسَ عليه إبراهيمُ عليه السَّلامُ، حتَّى رَأى النَّاسُ أساسَهُ، ونَظَروا إليه، فَبَنَى ابنُ الزُّبيرِ عليه البِناءَ، «وكان طُولُ الكعبةِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ ذِراعًا، فلمَّا زاد فيه اسْتَقْصَرَهُ»، أي: عَدَّه قصيرًا، فزادَ ابنُ الزُّبيرِ في طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، والذِّراعُ (69) سم تَقريبًا، «وجَعَلَ له بابَيْنِ: أحدُهما يُدخَلُ منه، والآخَرُ يُخرَجُ منه»، فجعَلَ ابنُ الزُّبيرِ الكعبةَ على الرَّسمِ الَّذي أرادهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

فلمَّا قُتِلَ ابنُ الزَّبيرِ في ذي الحِجَّةِ سَنةَ ثَلاثٍ وسَبعينَ مِن الهجرةِ، واستَقرَّتِ الخِلافةُ لِبني أُمَيَّةَ، أَرْسَلَ الحَجَّاجُ بنُ يُوسُفَ الثَّقفيُّ إلى عبْدِ الملِكِ بنِ مَرْوانَ -وكان الخليفةَ في الشَّامِ- يُخبِرُه «أنَّ ابنَ الزُّبيرِ قدْ وَضَعَ البِناءَ على أُسٍّ»، أي: على أساسِ إبراهيمَ الَّذي أظهَرَه حِين حُفِرَ الحِجرُ، «نَظَرَ إليه»، أي: شاهَدَ هذا الأساسَ ورآهُ «العُدولُ» وهمْ مَن تُقبَلُ شَهادتُهم، «مِن أهلِ مَكَّةَ»، فهلْ يَترُكُه على بناءِ ابنِ الزُّبيرِ أمْ يَهدِمُه ويُعيدُ بِنائهِ على شَكلِه القديمِ؟ فأرسَلَ عبدُ الملِكِ إلى الحَجَّاجِ: «إنَّا لَسْنَا مِن تَلْطيخِ ابنِ الزُّبيرِ في شَيءٍ»، أي: إنَّا لسْنا في شَيءٍ مِن المُؤاخَذةِ بما اقتَرَفه واجتَرَمه ابنُ الزُّبيرِ مِن هدْمِ الكعبةِ؛ يَعني إنَّا بُرآءُ ممَّا تَلطَّخَه مِن جَريمةِ هدْمِ البيتِ، «أمَّا ما زاد في طُولِهِ فأقِرَّهُ»، أي: فَأَبْقِهِ على ما هو عليه، «وأمَّا ما زاد فيه مِنَ الحِجْرِ فَرُدَّهُ إلى بِنائِهِ»، أي: فاهدِمْهُ، وأَعِدْهُ إلى بِنائِهِ الأوَّلِ كما كان على عهْدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، «وسُدَّ البابَ الَّذي فَتَحَهُ» وهو البابُ الثَّاني الَّذي زادهُ ابنُ الزُّبيرِ، فهَدَم الحجَّاجُ البيتَ، وأعادهُ إلى بِنائِهِ الأوَّلِ.

وفي الحَديثِ: أهمِّيَّةُ استشارةِ أُولِي الرَّأْيِ والخِبرةِ.

وفيه: إصلاحُ ما تَلِف مِن البيتِ الحرامِ.

وفيه: ترْكُ المُستحَبِّ والمشروعِ مَخافةَ أنْ يَقصُرَ فَهْمُ بعضِ النَّاسِ عنه.

وفيه: ترْكُ المصلحةِ؛ لأمنِ الوقوعِ في المَفسدةِ.

وفيه: تألُّفُ قُلوبِ الرَّعيةِ، وحُسنُ حِياطتِهم.

وفيه: حِرصُ الصَّحابةِ على امتثالِ ما يُريدُه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

وفيه: الاستخارةُ في الأمورِ الهامَّةِ.

الأصول والأحكام

صحيح مسلم (2/ 971 ت عبد الباقي) :

403 - (1333) حدثني محمد بن حاتم.

حدثنا محمد بن بكر.

أخبرنا ابن جريج.

قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير والوليد بن عطاء يحدثان عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة.

قال عبد الله ابن عبيد: وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته.

فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب (يعني ابن الزبير) سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها.

قال الحارث: بلى! أنا سمعته منها.

قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"‌إن ‌قومك ‌استقصروا ‌من ‌بنيان البيت.

ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه.

فإن بدا لقومك، من بعدي، أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه".

فأراها قريبا من سبعة أذرع.

هذا حديث عبد الله بن عبيد.

وزاد عليه الوليد بن عطاء: قال النبي صلى الله عليه وسلم

"ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقيا وغربيا.

وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ " قالت: قلت: لا.

قال " تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا.

فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي.

حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط".

قال عبد الملك للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم.

قال: فنكت ساعة بعصاه ثم قال: وددت أني تركته وما تحمل.

[صحيح البخاري] (2/ 146) :

‌1585 - حدثنا عبيد بن إسماعيل: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت، ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام، فإن قريشا استقصرت بناءه، وجعلت له خلفا قال أبو معاوية: حدثنا هشام: خلفا، يعني بابا.

[صحيح البخاري] (2/ 146) 1584- حدثنا مسدد: حدثنا أبو الأحوص: حدثنا أشعث، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدر، أمن البيت هو؟ قال: نعم.

قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة.

قلت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم، أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض)).

[صحيح مسلم] (2/ 969 ) 400- (1333) حدثني أبو الطاهر.

أخبرنا عبد الله بن وهب عن مخرمة.

ح وحدثني هارون بن سعيد الأيلي.

حدثنا ابن وهب.

أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه، قال: سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول: سمعت عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة، يحدث عبد الله ابن عمر عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

((لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية (أو قال بكفر) لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت ‌فيها ‌من ‌الحجر))

[صحيح البخاري] (6/ 20) 4484- حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر: أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألم تري أن قومك بنوا الكعبة واقتصروا عن قواعد إبراهيم، فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر)).

فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم.

[صحيح البخاري] (2/ 147) 1586- حدثنا بيان بن عمرو: حدثنا يزيد: حدثنا جرير بن حازم: حدثنا يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم فذلك الذي حمل ابن الزبير رضي الله عنهما على هدمه.

قال يزيد: وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم، حجارة كأسنمة الإبل.

قال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: ها هنا، قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها))

[صحيح مسلم] (2/ 969 ) 401- (1333) وحدثني محمد بن حاتم.

حدثني ابن مهدي.

حدثنا سليم بن حيان عن سعيد (يعني ابن ميناء) قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي (يعني عائشة ) قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

((يا عائشة! لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة.

فألزقتها بالأرض.

وجعلت لها بابين ‌بابا ‌شرقيا وبابا غربيا.

وزدت فيها ستة أذرع من الحجر.

فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة))

صحيح مسلم (2/ 970 ت عبد الباقي) :

402 - (1333) حدثنا هناد بن السري.

حدثنا ابن أبي زائدة.

أخبرني ابن أبي سليمان عن عطاء.

قال:‌لما ‌احترق ‌البيت ‌زمن زيد بن معاوية، حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير.

حتى قدم الناس الموسم.

يريد أن يجرئهم (أو يحر بهم) على أهل الشام.

فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس! أشيروا علي في الكعبة.

أنقضها ثم أبني بناءها.

أو أصلح ما هو منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها.

أرى أن تصلح ما وهى منها.

وتدع بيتا أسلم الناس عليه.

وأحجارا أسلم الناس عليها وبعث عليها النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته.

ما رضي حتى يجده.

فكيف بيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثا.

ثم عازم على أمري.

فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها.

فتحاماه الناس أن ينزل، بأول الناس يصعد فيه، أمر من السماء.

حتى صعد رجل فألقى منه حجارة.

فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوه.

فنقضوه حتى بلغوا به الأرض.

فجعل ابن الزبير أعمدة.

فستر عليها الستور.

حتى ارتفع بناؤه.

وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقوي على بنائه.

لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع، ولجعلت لها بابا يدخل الناس منه، وبابا يخرجون منه".

قال فأنا اليوم أجد ما أنفق.

ولست أخاف الناس.

قال: فزاد فيه خمس أذرع من الحجر.

حتى أبدى أسا نظر الناس إليه.

فبنى عليه البناء.

وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا.

فلما زاد فيه استقصره.

فزاد في طوله عشر أذرع.

وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه.

فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك.

ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة.

فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء.

أما ما زاد في طوله فأقره.

وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه.

وسد الباب الذي فتحه.

فنقضه وأعاده إلى بنائه.

[صحيح البخاري] (1/ 37) :

‌126 - حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك كثيرا، فما حدثتك في الكعبة؟ قلت: قالت لي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم - قال ابن الزبير بكفر - لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين باب يدخل الناس، وباب يخرجون.

ففعله ابن الزبير.

أحاديث ذات صلة