- لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلَّا ثَلاثَةٌ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وكانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عابِدًا، فاتَّخَذَ صَوْمعةً، فَكانَ فيها، فأتَتْهُ أُمُّهُ وهو يُصَلِّي، فقالَتْ: يا جُرَيْجُ فقالَ: يا رَبِّ أُمِّي وصَلاتِي، فأقْبَلَ علَى صَلاتِهِ، فانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كانَ مِنَ الغَدِ أتَتْهُ وهو يُصَلِّي، فقالَتْ: يا جُرَيْجُ فقالَ: يا رَبِّ أُمِّي وصَلاتِي، فأقْبَلَ علَى صَلاتِهِ، فانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كانَ مِنَ الغَدِ أتَتْهُ وهو يُصَلِّي فقالَتْ: يا جُرَيْجُ فقالَ: أيْ رَبِّ أُمِّي وصَلاتِي، فأقْبَلَ علَى صَلاتِهِ، فقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حتَّى يَنْظُرَ إلى وُجُوهِ المُومِساتِ، فَتَذاكَرَ بَنُو إسْرائِيلَ جُرَيْجًا وعِبادَتَهُ وكانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بحُسْنِها ، فقالَتْ: إنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ، قالَ: فَتَعَرَّضَتْ له، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْها، فأتَتْ راعِيًا كانَ يَأْوِي إلى صَوْمعتِهِ، فأمْكَنَتْهُ مِن نَفْسِها، فَوَقَعَ عليها فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا ولَدَتْ قالَتْ: هو مِن جُرَيْجٍ، فأتَوْهُ فاسْتَنْزَلُوهُ وهَدَمُوا صَوْمعتَهُ وجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فقالَ: ما شَأْنُكُمْ؟ قالوا: زَنَيْتَ بهذِه البَغِيِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فقالَ: أيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجاؤُوا به، فقالَ: دَعُونِي حتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ في بَطْنِهِ، وقالَ: يا غُلامُ مَن أبُوكَ؟ قالَ: فُلانٌ الرَّاعِي، قالَ: فأقْبَلُوا علَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ ويَتَمَسَّحُونَ به، وقالوا: نَبْنِي لكَ صَوْمعتَكَ مِن ذَهَبٍ، قالَ: لا، أعِيدُوها مِن طِينٍ كما كانَتْ، فَفَعَلُوا،
وبيْنا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِن أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ راكِبٌ علَى دابَّةٍ فارِهَةٍ، وشارَةٍ حَسَنَةٍ، فقالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هذا، فَتَرَكَ الثَّدْيَ وأَقْبَلَ إلَيْهِ، فَنَظَرَ إلَيْهِ، فقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ علَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ.
قالَ: فَكَأَنِّي أنْظُرُ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وهو يَحْكِي ارْتِضاعَهُ بإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ في فَمِهِ، فَجَعَلَ يَمُصُّها.
قالَ: ومَرُّوا بجارِيَةٍ وهُمْ يَضْرِبُونَها ويقولونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، وهي تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، فقالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَها، فَتَرَكَ الرَّضاعَ ونَظَرَ إلَيْها، فقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فَهُناكَ تَراجَعا الحَدِيثَ، فقالَتْ: حَلْقَى مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ فَقُلتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ومَرُّوا بهذِه الأمَةِ وهُمْ يَضْرِبُونَها ويقولونَ زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، فَقُلتُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَها فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها.
قالَ: إنَّ ذاكَ الرَّجُلَ كانَ جَبَّارًا، فَقُلتُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وإنَّ هذِه يقولونَ لها زَنَيْتِ ولَمْ تَزْنِ، وسَرَقْتِ ولَمْ تَسْرِقْ فَقُلتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها.
أخرجه البخاري (3436)، ومسلم (2550).أخرجه أحمد (6902)، وأبو عوانة في ((المستخرج)) (11121)، والبيهقي في ((الشعب)) (7494) واللفظ لهم.
لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى، وَكانَ في بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ له: جُرَيْجٌ، كانَ يُصَلِّي، جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ، وَكانَ جُرَيْجٌ في صَوْمعتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ له امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فأبَى، فأتَتْ رَاعِيًا فأمْكَنَتْهُ مِن نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقالَتْ: مِن جُرَيْجٍ، فأتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمعتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ، فَقالَ: مَن أَبُوكَ يا غُلَامُ؟ قالَ: الرَّاعِي، قالوا: نَبْنِي صَوْمعتَكَ مِن ذَهَبٍ؟ قالَ: لَا، إِلَّا مِن طِينٍ.
وَكَانَتِ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَرَّ بهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ، فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ علَى الرَّاكِبِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ علَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ -قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَمَصُّ إِصْبَعَهُ- ثُمَّ مُرَّ بأَمَةٍ، فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هذِه، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا، فَقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَقالَتْ: لِمَ ذَاكَ؟ فَقالَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، وَهذِه الأَمَةُ يقولونَ: سَرَقْتِ، زَنَيْتِ، وَلَمْ تَفْعَلْ.
الراوي : أبو هريرة المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3436 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (3436)، ومسلم (2550) أقام اللهُ سُبحانَه الحياةَ على جُملةٍ مِن القَوانينِ الثَّابتةِ التي لا تَتغيَّرُ، وأحيانًا يَخرِقُ اللهُ عزَّ وجلَّ هذه القوانينَ؛ ليُعلِمَ الإنسانَ أنَّ مِن وَراءِ هذا الثَّباتِ ربًّا قادرًا يقولُ للشَّيءِ: كُن، فيكونُ، ومِن ذلك نُطْقُ بَعضِ الأطفالِ الرُّضَّعِ على غيرِ ما جَرَت به العادةِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لَمْ يَتكلَّمْ في المَهْدِ إلَّا ثَلاثةٌ، أي: لم يَتكلَّمْ في حالِ الصِّغَرِ التي لا يَتكلَّمُ فيها الأطفالُ إلَّا ثَلاثةٌ، والمهْدُ: الفِراشُ الَّذي يُهيَّأُ للرَّضيعِ أنْ يُربَّى فيه.
وقد وَرَدَ في رِواياتٍ أُخرى كلامُ غيرِ هؤلاء الثَّلاثةِ، وأُجِيبَ عن الحصْرِ في هذا الحديثِ باحتمالِ أنْ يكونَ المعنى: لم يَتكلَّمْ في بَني إسرائيلَ، أو أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَه قبْل أنْ يَعلَمَ الزِّيادةَ.
أوَّلُ هؤلاءِ الثَّلاثةِ: نَبيُّ اللهِ عِيسى ابنُ مَريمَ عليهِ السَّلامُ، حيثُ أنطَقهُ اللهُ عزَّ وجلَّ عِندما اتَّهَمَ القومُ أُمَّه مَريمَ في حَمْلِها به، فنَفى التُّهَمةَ عنها، كما في قولِه تعالَى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 29- 33] .
والثَّاني: الغُلامُ الَّذي اتُّهِمُ به جُريجٌ راهبُ بَني إسرائيلَ، وكان بعْدَ نَبيِّ اللهِ عِيسى عليه السَّلامُ، وكانَ جُريجٌ عابِدًا يُصلِّي مُعتزِلًا النَّاسَ، فجاءَتْه أُمُّه في يومٍ ونادَتْه وهوَ يُصلِّي، فاحتارَ في نفْسِه وتَردَّدَ: هلْ يَقطَعُ صَلاتَه ويُجيبُ نِداءَ أُمِّهِ، أمْ يُكمِلُ الصَّلاةَ تاركًا نِداءَ أُمِّه؟ ففَضَّلَ أنْ يُكمِلَ الصَّلاةَ، وفي رِوايةٍ أُخرى في الصَّحيحينِ: أنَّ أُمَّه كرَّرَت نِداءَها عليه ثَلاثَ مرَّاتٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ يَتردَّدُ قائلًا: رَبِّ أُمِّي وصَلاتي؟ ويَمْضي في صَلاتِه، وعدَمُ إجابتِه لها مع تَرديدِ نِدائِها له يُفهِمُ ظاهرُه أنَّ الكلامَ عندَه يَقطَعُ الصَّلاةَ، وإنَّما سَأَل أنْ يُلقيَ اللهُ في قلْبِه الأفضلَ، ويَحمِلَه على أَوْلى الأمْرَينِ به، فحمَلَه على الْتزامِ مُراعاةِ حقِّ اللهِ تعالَى على حقِّ أمِّه، ولَمَّا لم يُجِبْها في الثَّالثةِ، وآثَرَ استمرارَه في صَلاتِه ومُناجاتِه على إجابتِها، واختار الْتزامَ مُراعاةِ حقِّ اللهِ على حَقِّها؛ غَضِبَتْ أُمُّه ودَعَتْ عليهِ أنْ يَرَى قبْلَ مَوتِهِ المومِساتِ، وهُنَّ النِّساءُ البَغايا اللَّاتي يمارِسْنَ الرَّذِيلةَ والزِّنا ويُعرَفْنَ بذلكَ.
وقد كان مِن كَرامةِ اللهِ تعالَى لجُريجٍ أنْ ألْهَمَ اللهُ أُمَّهُ الاقتِصادَ في الدَّعوةِ، فلم تَدْعُ عليه بالفِتنةِ بهِنَّ، بلْ دَعَتْ فقطْ بمُجرَّدِ النَّظرِ في وُجوهِهنَّ، فلمْ تَقتَضِ الدَّعوةُ إلَّا كَدَرًا يَسيرًا، بلْ أعْقَبَتْ سُرورًا كَثيرًا، وفي رِوايةِ مُسلِمٍ: «ولو دَعَت عليه أنْ يُفتَنَ لَفُتِنَ».
وكانَ جُرَيجٌ في صَوْمَعتِه لا يَخرُجُ منها إلَّا لحاجةٍ، والصَّوْمعةُ: بَيتٌ مِثلُ الدَّيْرِ والكَنيسةِ يَنقطِعُ فيها رُهبانُ النَّصارى للعِبادةِ، فأتَتْه امْرأةٌ وأرادتْ أنْ تُمكِّنَه مِن نفْسِها بالزِّنا، فامتَنَعَ جُرَيجٌ، «فأتَتْ راعيًا فأمكَنَتْه مِن نفْسِها»، أي: فزنَى بها راعٍ يَرْعى الماشيةَ، وقدَّرَ اللهُ عزَّ وجلَّ الأسبابَ التي ستُحقِّقُ في جُريجٍ دَعوةَ أُمِّه عليه، فحَمَلتْ تلك المرأةُ الزَّانيةُ مِن هذا الرَّاعي، حتَّى انقَضَتْ أيَّامُها، فولَدَتْ غُلامًا، ولَمَّا سُئِلتْ عن والدِ الغُلامِ، قالتْ: إنَّه ابنُ جُرَيجٍ صاحبِ الصَّومعةِ؛ إشارةً إلى اتِّهامِه بالزِّنا معها، فذَهبَ إليهِ النَّاسُ فهَدَموا الصَّوْمعةَ وأخرَجوهُ مِنها، وجَعَلوا يُؤذُونَه بالسَّبِّ والشَّتمِ، فتَوضَّأَ جُرَيجٌ وصلَّى، ودَعا اللهَ في صَلاتهِ، ثمَّ أقْبَلَ على الولدِ الَّذي اتُّهِم فيهِ، وسَأَلَه: مَن أبوكَ يا غلامُ؟ فقال: أبِي الرَّاعي، فأنطَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ الطِّفلَ بأنَّ الرَّاعي هو أبوهُ، فظَهَرَ للنَّاسِ كَرامةُ جُريَحٍ وبَراءَتُه، فلمَّا عَلِموا بَراءتَه أرادوا أنْ يُعيدوا بِناءَ صَوْمعتِه مِن ذَهبٍ، فرَفَضَ جُريجٌ ذلك، وأمَرَهم أنْ يُعيدوا بِناءَها مِن الطِّينِ، وهذا مِن تَواضُعِه رَحِمه اللهُ.
وأمَّا الغلامُ الثَّالثُ: فهو رَضيعُ امرأةٍ مِن بَني إسْرائيلَ، قدْ مَرَّ بها رجُلٌ راكبٌ لهُ هَيْبةٌ وهَيْئةٌ حَسنةٌ يُشارُ إليه بها، فقالَتِ الأُمُّ -لمَّا ظَهَرَ لها مِن عَظيمِ شَأنِ هذا الرَّجلِ-: «اللَّهمَّ اجْعَلِ ابْني مِثلَه»، فدَعَتِ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ يَجعَلَ ولَدَها مِثلَ هذا الرَّجلِ في عُلوِّ الشَّأنِ والمَكانةِ، فتَركَ الطِّفلُ الرَّضاعةَ مِن ثَدْيِ أُمِّهِ وتَوجَّهَ بنَظَرِه إلى الرَّاكبِ، فقالَ: «اللَّهمَّ لا تَجعلْني مِثلَه»، أي: فيما يُبطِنُ مِن التَّجبُّرِ والتَّكبُّرِ، وهذهِ كرامةٌ للغُلامِ؛ حيثُ نطَقَ في المهْدِ، ثمَّ عادَ الطِّفلُ مرَّةً أُخرى للرَّضاعةِ.
فأخبَرَ أبو هُرَيرَة رَضيَ اللهُ عنه كأنَّه يَنظُرُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصِفُ حالةَ رَضاعِ الطِّفلِ، فمَصَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إِصْبعَه تَوضيحًا وتَصويرًا، ثمَّ أكمَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِكايةَ الطِّفلِ معَ أُمِّه وهوَ يَرضَعُ، فأخبَرَ أنَّه مرَّ قومٌ بأَمَةٍ -أي: بامْرأةٍ مَملوكةٍ- يَظهَرُ عليها أثرُ الإذلالِ، فقالتِ الأمُّ: «اللَّهُمَّ لا تَجعَلِ ابْني مِثلَ هذِهِ»، لمَّا ظَهَرَ لها مِن إذْلالِ الممْلوكةِ وإهانتِها، دَعتِ اللهَ ألَّا يَجعَلَ ابْنَها مِثلَ تلكَ المرأةِ، فتَرَكَ الطِّفلُ ثَدْيَ أُمِّه مرَّةً ثانيةً ودَعا: اللَّهمَّ اجْعَلْني مِثلَ هذه الجاريةِ المملوكةِ.
فسَأَلتِ المرأةُ ابْنَها لِمَا ظَهَرَ لها أنَّ كلامَه في مَهدِه لم يكُنْ عَبثًا: لِمَ دَعَوتَ اللهَ بعَكسِ ما ظهَرَ لي وبَعكسِ ما دَعَوتُ لكَ؟ فأجاب الغلامُ مُخاطِبًا أُمَّه ومُوضِّحًا لها أنَّ الرَّاكبَ إنَّما هو جبَّارٌ ظالمٌ مُتكَبِّرٌ، فلا أُحِبُّ أنْ أكونَ مِثلَه، وأمَّا الأَمةُ التي تَظهَرُ بمَظهَرِ الذُّلِّ والهَوانِ، حيث يَتَّهِمونها بالسَّرقةِ والزِّنا، لكنَّها في حَقيقةِ أمْرِها مَظلومةٌ؛ لم تَسرِقْ ولم تَزنِ، واللهُ معَ المظلومِ وناصرُهُ، وهيَ تَلتجِئُ إلى اللهِ تعالَى أنْ يُجيرَها وأنْ يُثِيبَها، فأحببْتُ أنْ أكونَ مِثلَها.
وفي الحديثِ: فضْلُ طاعةِ الأُمِّ والحذَرُ مِن إغضابِها.
وفيه: أنْ يُحسِنَ العبدُ ظَنَّه برَبِّه في شَدائدِه.
وفيه: أنَّ مَن أهمَّهُ أمرٌ فليَفْزَعْ إلى اللهِ تعالَى، وليُقبِلْ عليهِ بالصَّلاةِ والدُّعاءِ.
وفيه: إثباتُ كَراماتِ الأولياءِ.
وفيه: أنَّ صاحبَ الصِّدقِ مع اللهِ لا تَضُرُّه الفِتَنُ.
وفيه: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَجعَلُ لأوليائِه مَخارجَ عندَ ابتلائِهِم، وإنَّما يَتأخَّرُ ذلك عن بَعضِهم في بَعضِ الأوقاتِ تَهذيبًا وزِيادةً في الثَّوابِ.
[صحيح البخاري] (4/ 165) 3436- حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا جرير بن حازم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي جاءته أمه فدعته فقال: أجيبها أو أصلي فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات وكان جريج في صومعته فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما فقالت: من جريج فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام قال
الراعي قالوا: نبني صومعتك من ذهب قال: لا إلا من طين.
وكانت امرأة ترضع ابنا لها من بني إسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت: اللهم اجعل ابني مثله فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله ثم أقبل على ثديها يمصه قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص إصبعه ثم مر بأمة فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك ثديها فقال: اللهم اجعلني مثلها فقالت: لم ذاك فقال: الراكب جبار من الجبابرة وهذه الأمة يقولون: سرقت زنيت ولم تفعل)).
[صحيح مسلم] (4/ 1976 ) ((8- (2550) حدثنا زهير بن حرب.
حدثنا يزيد بن هارون.
أخبرنا جرير بن حازم.
حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم.
وصاحب جريج.
وكان جريج رجلا عابدا.
فاتخذ صومعة.
فكان فيها.
فأتته أمه وهو يصلي.
فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي.
فأقبل على صلاته.
فانصرفت.
فلما كان من الغد أتته وهو يصلي.
فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي.
فأقبل على صلاته.
فانصرفت.
فلما كان من الغد أتته وهو يصلي.
فقالت: يا جريج! فقال: أي رب! أمي وصلاتي.
فأقبل على صلاته.
فقالت: اللهم! لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات.
فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته.
وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها.
فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم.
قال فتعرضت له فلم يلتفت إليها.
فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها.
فوقع عليها.
فحملت.
فلما ولدت.
قالت: هو من جريج.
فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه.
فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي.
فولدت منك.
فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به.
فقال: دعوني حتى أصلي.
فصلى.
فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه.
وقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: فلان الراعي.
قال فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به.
وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب.
قال: لا.
أعيدوها من طين كما كانت.
ففعلوا.
وبينا صبي يرضع من أمه.
فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة.
فقالت أمه! اللهم! اجعل ابني مثل هذا.
فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه.
فقال: اللهم! لا تجعلني مثله.
ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع.
قال: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فمه.
فجعل يمصها.
قال: ومروا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيت.
سرقت.
وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل.
فقالت أمه: اللهم! لا تجعل ابني مثلها.
فترك الرضاع ونظر إليها.
فقال: اللهم! اجعلني مثلها.
فهناك تراجعا الحديث.
فقالت: حلقى! مر رجل حسن الهيئة فقلت: اللهم! اجعل ابني مثله.
فقلت: اللهم! لا تجعلني مثله.
ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون: زنيت.
سرقت.
فقلت: اللهم! لا تجعل ابني مثلها.
فقلت: اللهم! اجعلني مثلها.
قال: إن ذاك الرجل كان جبارا.
فقلت: اللهم! لا تجعلني مثله.
وإن هذه يقولون لها: زنيت.
ولم تزن.
وسرقت.
ولم تسرق.
فقلت: اللهم! اجعلني مثلها))
صحيح مسلم (4/ 1976) 7 - (2550) حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ، أنه قال: كان جريج يتعبد في صومعة، فجاءت أمه.
قال حميد: فوصف لنا أبو رافع صفة أبي هريرة لصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمه حين دعته، كيف جعلت كفها فوق حاجبها، ثم رفعت رأسها إليه تدعوه، فقالت: يا جريج أنا أمك كلمني فصادفته يصلي، فقال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت، ثم عادت في الثانية، فقالت: يا جريج أنا أمك فكلمني، قال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فقالت: اللهم إن هذا جريج وهو ابني وإني كلمته، فأبى أن يكلمني، اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات.
قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن.
قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، قال: فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها الراعي، فحملت فولدت غلاما، فقيل لها: ما هذا؟ قالت: من صاحب هذا الدير، قال فجاءوا بفئوسهم ومساحيهم، فنادوه فصادفوه يصلي، فلم يكلمهم، قال: فأخذوا يهدمون ديره، فلما رأى ذلك نزل إليهم، فقالوا له: سل هذه، قال فتبسم، ثم مسح رأس الصبي فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضأن، فلما سمعوا ذلك منه قالوا: نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة، قال: لا، ولكن أعيدوه ترابا كما كان، ثم علاه
مسند أحمد (15/ 369) 9602 - حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، قال: حدثنا حميد بن هلال، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ، قال: " كان جريج يتعبد في صومعته، قال: فأتته أمه، فقالت: يا جريج، أنا أمك، فكلمني "، قال: وكان أبو هريرة يصف كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفها، وضع يده على حاجبه الأيمن، قال: " فصادفته يصلي، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت، ثم أتته فصادفته يصلي، فقالت: يا جريج، أنا أمك فكلمني، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فاختار صلاته، ثم أتته فصادفته يصلي، فقالت: يا جريج، أنا أمك فكلمني، قال: يا رب أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فقالت: اللهم هذا جريج، وإنه ابني، وإني كلمته فأبى أن يكلمني، اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات، ولو دعت عليه أن يفتتن لافتتن، قال: وكان راع يأوي إلى ديره، قال: فخرجت امرأة فوقع عليها الراعي فولدت غلاما، فقيل: ممن هذا؟ فقالت: هو من صاحب الدير، فأقبلوا بفؤوسهم ومساحيهم، وأقبلوا إلى الدير، فنادوه فلم يكلمهم، فأخذوا يهدمون ديره، فنزل إليهم، فقالوا: سل هذه المرأة، قال: أراه تبسم، قال: ثم مسح رأس الصبي، فقال: من أبوك؟ قال: راعي الضأن، فقالوا: يا جريج، نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة، قال: لا، ولكن أعيدوه ترابا كما كان، ففعلوا "،
9603 - حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان رجل في بني إسرائيل تاجرا، وكان ينقص مرة ويزيد أخرى، قال: ما في هذه التجارة خير، لألتمس تجارة هي خير من هذه، فبنى صومعة، وترهب فيها، وكان يقال له: جريج " فذكر نحوه
مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (19/ 300) 11121 - حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: كان جريج يتعبد في صومعته، فجاءت أمه فقالت: يا جريج أنا أمك كلمني.
قال أبو رافع: قال أبو هريرة: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف لنا صفتها حين قالت: هكذا: ووضع سليمان يده اليمنى على حاجبه الأيمن، قال: فصادفته يصلي، قال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت، فأتته الثانية، فقالت: يا جريج أنا أمك، كلمني، قال: فصادفته يصلي، فقال اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت أمه ثم أتته الثالثة، فقالت: يا جريج! أنا أمك كلمني، فصادفته، يصلي، فقال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فقالت: اللهم إن هذا جريج وإنه ابني، وإني قد كلمته فأبى أن يكلمني، اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن.
قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره فخرجت امرأة من القرية، فوقع عليها فحملت، فولدت غلاما، فقيل لها: ممن هذا؟ قالت: من صاحب الصومعة، فأقبلوا إليه بفؤوسهم ومساحيهم، وصوتوا به، فصادفوه يصلي، فلم يكلمهم، فأخذوا يهدمون ديره، فنزل فسأل فقالوا: سل هذه، فمسح رأس الصبي، فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضأن، فلما سمعوا منه، ورأوا ما رأوا، قالوا: نبني [[لك]] ما هدمناه من ديرك بالذهب والفضة، قال: لا، ولكن أعيدوه.
[[من هنا لم يخرجاه]].
شعب الإيمان (10/ 279) 7494 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، نا السري بن خزيمة، نا موسى بن إسماعيل، نا سليمان بن المغيرة، ح وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو علي الحسن بن علي الحافظ، أنا أبو يعلى، نا هدبة، وشيبان، قالا: نا سليمان بن المغيرة، نا حميد بن هلال، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ، قال: " كان جريج يتعبد في صومعته، فجاءته أمه، فقالت: يا جريج، أنا أمك، كلمني " قال أبو هريرة: " جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف لنا صفتها حين قالت هكذا، ووضع يده اليمنى على جبينه هكذا "، وقال موسى في حديثه: ووضع سليمان يده اليمنى على حاجبه الأيمن، وأما شيبان فقال في حديثه: ووصف لنا أبو رافع صفة أبي هريرة يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه " حيث دعته كيف جعلت كفها فوق حاجبها، ثم رفعت رأسها تدعوه، فقالت: يا جريج، أنا أمك فكلمني، فصادفته يصلي، قال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت، ثم أتته الثانية فقالت: يا جريج، أنا أمك فكلمني، قال: فصادفته يصلي، قال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، ثم أتته الثالثة، فقالت: يا جريج، أنا أمك، كلمني، فصادفته يصلي، قال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فقالت: اللهم إن هذا جريج، وإنه ابني، وإني قد كلمته فأبى أن يكلمني، اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن، قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما، فقيل لها: ممن هذا؟ قالت: من صاحب هذه الصومعة - وقال موسى: من صاحب هذا الدير - فأقبلوا عليه، قال: فجاءوا بفؤوسهم، ومساحيهم فنادوه وصادفوه يصلي، فلم يكلمهم، فأخذوا يهدمون ديره، فلما رأى ذلك نزل إليهم، فقالوا له: سل هذه، فمسح رأس الصبي، وفي حديث: فتبسم، ثم مسح رأس الصبي وقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضأن، فلما سمعوا ذلك منه ورأوا ما رأوا قالوا: نحن نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة، قال: لا، ولكن أعيدوه ترابا كما كان ".
زاد شيبان في حديثه: قال: " ثم علاه " رواه مسلم، عن شيبان