حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، ولَا لأحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لي سَاعَةً مِن نَهَارٍ، لا يُخْتَلَى خَلَاهَا ولَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، ولَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُعَرِّفٍ فَقالَ العَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: إلَّا الإذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وقُبُورِنَا؟ فَقالَ: إلَّا الإذْخِرَ وقالَ أبو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِقُبُورِنَا وبُيُوتِنَا، وقالَ أبَانُ بنُ صَالِحٍ عَنِ الحَسَنِ بنِ مُسْلِمٍ، عن صَفِيَّةَ بنْتِ شيبَةَ سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِثْلَهُ، وقالَ مُجَاهِدٌ: عن طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهما لِقَيْنِهِمْ وبُيُوتِهِمْ.

الدلالات الموضوعية:# حج - حرم مكة# لقطة - اللقطة في مكة# فضائل المدينة - ما يجوز قطعه من شجر مكة# مناقب وفضائل - مكة شرفها الله تعالى# حج - حرمة مكة والنهي عن استحلالها
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح] [قوله: قال أبان بن صالح... معلق][قوله: قال مجاهد... معلق وصله في موضع آخر]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (1349) وحديث صفية: أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، وأخرجه موصولاً ابن ماجه (3109)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (3143). وحديث مجاهد: أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم.أخرجه البخاري (1349) وحديث صفية: أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، وأخرجه موصولاً ابن ماجه (3109)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (3143). وحديث مجاهد: أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم.

الشرح والتوضيح

أنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِن بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بقَتِيلٍ منهمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بذلكَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عن مَكَّةَ القَتْلَ، أوِ الفِيلَ - قَالَ أبو عبدِ اللَّهِ كَذَا، قَالَ أبو نُعَيْمٍ واجْعَلُوهُ علَى الشَّكِّ الفِيلَ أوِ القَتْلَ وغَيْرُهُ يقولُ الفِيلَ - وسَلَّطَ عليهم رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، ألَا وإنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، ولَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ بَعْدِي، ألَا وإنَّهَا حَلَّتْ لي سَاعَةً مِن نَهَارٍ، ألَا وإنَّهَا سَاعَتي هذِه حَرَامٌ، لا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، ولَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، ولَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ، فمَن قُتِلَ فَهو بخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا أنْ يُعْقَلَ، وإمَّا أنْ يُقَادَ أهْلُ القَتِيلِ.

فَجَاءَ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لي يا رَسولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اكْتُبُوا لأبِي فُلَانٍ.

فَقَالَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ: إلَّا الإذْخِرَ يا رَسولَ اللَّهِ، فإنَّا نَجْعَلُهُ في بُيُوتِنَا وقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إلَّا الإذْخِرَ إلَّا الإذْخِرَ.

الراوي : أبو هريرة المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 112 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (1355) بنحوه كان الناسُ في الجاهليَّةِ يَتعايَشون فيما بيْنهم بضَلالاتِها، مُشرِّعينَ أنواعًا مِن الظُّلمِ وسَفْكِ الدِّماءِ، فجاء الإسلامُ فحرَّمَ كلَّ أنواعِ الظُّلمِ، وشدَّدَ في سَفْكِ الدِّماءِ بغيرِ وجْهِ حقٍّ.وفي هذا الحديثِ يَحكي أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ قَبيلةَ خُزاعةَ قتَلوا رجُلًا مِن بني لَيثٍ بقَتيلٍ منهم قَتَلوه في الجاهليَّةِ، وكان ذلك عامَ فتْحِ مكَّةَ في السَّنةِ الثامنةِ مِن الهِجرةِ، فعَلِمَ بذلك النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فخطَبَ النَّاسَ وهو على راحلتِه -وهي ناقتُه التي يَركَبُها- ووضَّح لهم أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد حبَسَ القَتْلَ أو الفِيلَ عن مكَّةَ يومَ أنْ حاوَلَ أبرهةُ الحَبشيُّ هدَمَ الكَعبةَ قبْلَ بَعثةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأربعينَ سَنةً، والذي جاء ذِكرُه في قولِ اللهِ تعالَى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}، فأرسَلَ اللهُ تعالَى على أصحابِه جَماعاتٍ من الطَّيرِ تَرمِيهم بحِجارةٍ حِين وَصَلوا إلى بطْنِ الوادي بالقُربِ مِن مكَّةَ فأهلَكَتْهم.وإنَّما ذكَّرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أصحابَه رَضيَ اللهُ عنهم بحادثِ الفِيلِ في مَعرضِ خُطبتِه فيهم؛ لبَيانِ حُرمةِ القتْلِ في مكَّةَ، فمعَ كَونِ أهلِ مكَّةَ وَقتئذٍ كُفارًا دافَعَ اللهُ عنها، فحُرمةُ أهْلِها بعدَ الإسلامِ آكَدُ.ولكنَّ اللهَ سلَّطَ على أهلِ مكَّةَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وصَحابتَه رَضيَ اللهُ عنهم، ولم يَحِلَّ في مكَّةَ القِتالُ إلَّا وَقتَ دُخولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إيَّاها فَاتِحًا مع أصحابِه، ثُمَّ عادَتْ حُرْمَتُها كما كانتْ، وأنَّها لم تَحِلَّ لأحدٍ قبْلَه، ولنْ تَحِلَّ لأحدٍ بعدَه؛ لأنَّ تَحريمَ مكَّةَ أمْرٌ قَديمٌ، وشَريعةٌ سالفةٌ ومُستمِرَّةٌ، ليس ممَّا أحْدَثهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أو اختُصَّ بشَرْعِه، وقد عادَتْ إليها حُرمتُها بعْدَ الفتْحِ.ثمَّ حرَّمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُقطَعَ نَباتُها؛ لا الشَّجَرُ الكِبارُ ولا الشَّجَرُ الصِّغارُ، أوِ النَّباتُ الصَّغيرُ الذي هو الحَشيشُ الرَّطبُ، إلَّا نَباتَ الإذخِرِ؛ لحاجةِ النَّاِس إليه، وهو: نَباتٌ عُشبيٌّ عَريضُ الأوراقِ، له رائحةٌ لَيمونيَّةٌ عَطِرةٌ، أزهارُه تُستَعملُ مَنقوعةً كالشَّايِ، وهو نَباتٌ نافِعٌ في حَرْقِه بَدَلًا مِنَ الحَطَبِ، ويَجعَلونَه في أسقُفِ بُيوتِهم، وكذا لِسُقُفِ قُبورِهم، فاستَثناهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ النَّهيِ عن قَطْعِه.والرَّجلُ مِن قُريشٍ الذي طَلَبَ استثناءَ الإذخرِ هو العبَّاسُ رَضيَ اللهُ عنه، كما جاء في الصَّحيحينِ، وسُؤالُه كان على سَبيلِ الضَّراعةِ، وتَرخيصُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان تَبليغًا عن اللهِ تعالَى؛ إمَّا بطَريقِ الإلهامِ، أو بطَريقِ الوحْيِ.

وقولُه: «ولا يُخْتلى شَوكُها»، أي: لا يُؤخَذُ ويُقطَعُ، وذِكرُ الشَّوكِ دَليلٌ على أنَّ غيرَه ممَّا لا يُؤْذي بالأَولى، ولكنَّه يُخصَّصُ بالمُؤذي، فيَجوزُ قطْعُه قِياسًا على حلِّ قتْلِ الفواسقِ الخَمْسِ في الحرَمِ بجامعِ الإيذاءِ.وحرَّمَ أنْ تُؤخَذَ لُقَطَتُها إلَّا لِمَن عرَّفها، فلا يُؤخَذُ شَيءٌ سَقَطَ مِن صاحبِه في مكَّةَ، بلْ يُترَكُ مكانَه حتَّى إذا رَجَعَ صاحبُه وجَدَه، ولا يَأخُذه إلَّا مَن نَوى أنْ يُعرِّفَه ويَحفَظَه حتَّى يَأتِيَ صاحبُه.ثم خيَّر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أولياءَ الدَّمِ بيْن قَبولِ الدِّيَةِ «العقْل» وبيْن القَوَدِ وقَتْلِ القاتلِ قِصاصًا، وذلك في قتْلِ العمْدِ؛ وإلَّا فإنَّ القتْلَ الخطَأَ لا يكونُ فيه إلَّا الدِّيةُ.

والعقْلُ «الدِّيةُ»: هو مِقدارُ ما يُدفَعُ من مالٍ مِن الجاني إلى المَجنيِّ عليه بقَدْرِ ما وقَعَ فيه مِن جِنايةٍ، وسُمِّيَت عقْلًا؛ لأنَّهم كانوا يَعقِلون الإبلَ ويَربِطونها بفِناءِ دارِ المُستحِقِّ للعقْلِ.وفي رِوايةِ أحمَدَ عن أبي شُريحٍ رَضيَ اللهُ عنه: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أعْطى الدِّيةَ في الَّذي قَتلَتْهُ قَبيلةُ خُزاعةَ مِن بني لَيثٍ.

وفي هذا الموقِفِ جاءَ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ -وهو أبو شاهٍ، كما في الصَّحيحينِ- فطلَبَ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَكتُبَ له بَعضَ السُّننِ التي تَنفَعُه، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «اكْتُبُوا لأبِي فُلَانٍ»، وهذا أمرٌ صَريحٌ بالكِتابةِ، وإنْ كان قد سَبَقَ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ النَّهيُ عن كِتابةِ السُّننِ، فقال أكثرُ أهلِ العِلمِ: إنَّ أحاديثَ الأمْرِ بالكِتابةِ ناسِخةٌ لأحاديثِ النَّهيِ عنها؛ فقد كان النَّهيُ لعِلَّةٍ؛ فإنَّه ربَّما اختلَطَ حَديثُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالقُرآنِ، فلمَّا زالتِ العِلَّةُ أُذِنَ في الكِتابةِ؛ لزَوالِ المَحذورِ مِن الكِتابةِ، ويُؤيِّدُ هذا عُمومُ ألفاظِ الأمرِ بالكِتابةِ، وأنَّها مُتأخِّرةٌ في الزَّمنِ، وقيل: إنَّ النَّهيَ إنَّما كان عن كِتابةِ الحديثِ مع القُرآنِ في صَحيفةٍ واحدةٍ؛ لأنَّهم كانوا يَسمَعونَ تَأويلَ الآيةِ، فربَّما كَتَبوه معها، فنُهوا عن ذلك لخَوفِ الاشتِباهِ، وأُذِنَ لهم في كِتابةِ السُّنةِ مُستقِلَّةً، أو لأفرادٍ وفي حوادثَ قَليلةٍ لمُحتاجٍ ونحوِه، فلمَّا كمَل الوحيُ انتفَتْ تِلك العِلَّةُ، وذلك بعدَ أنْ رسَخَتْ مَعرفةُ الصَّحابةِ بالقُرآنِ؛ فلمْ يُخشَ خَلطُهم له بغَيرِه مِن حَديثِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وقيل: إنَّ النَّهيَ كان في حَقِّ مَن يُوثَقُ بحِفظِه مَخافةَ أنْ يتَّكِلَ على الكِتابةِ، وأمَّا الإذنُ فهو في حقِّ مَن لا يُوثَقُ بحِفظِه.

وبعضُ الصَّحابةِ داوَمَ على عدَمِ الكِتابةِ مِن بابِ الحِرصِ والتَّحرُّجِ والتأثُّم الشَّخصيِّ أنْ يَتحمَّلَ بعضَ وِزرِ الخَلطِ بيْنَ القرآنِ وشَيءٍ مِن السُّنَّةِ، أو خَشيةَ أنْ يَنشغِلَ عن كِتابةِ القرآنِ.وفي هذا الحديثِ: تَذكيرُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ النَّاسَ نِعمةَ اللهِ في حبْسِ الفيلِ عن مكَّةَ؛ فإنَّها كانت آيةً شهِدَ بها كلُّ مُحِقٍّ ومُبطِلٍ.وفيه: أنَّ الإنسانَ إذا سَمِعَ الكلامَ الجَزْلَ الَّذي لا يُمكِنُه ضبْطُه حِفظًا؛ فإنَّه يَنْبغي له أنْ يَطلُبَ كِتابتَه، كما فعَلَ أبو شَاهٍ.وفيه: جَوازُ مُراجَعةِ العالِمِ في المصالحِ الشَّرعيةِ، والمُبادرَةُ إلى ذلك في المَجامِعِ والمَشاهِدِ.وفيه: الأمْرُ بكِتابةِ حَديثِه وسُنَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (2/ 92) 1349- حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب: حدثنا عبد الوهاب: حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((حرم الله مكة، فلم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي، أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف.

فقال العباس رضي الله عنه: إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا؟ فقال: إلا الإذخر)).

وقال أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: لقبورنا وبيوتنا؟ وقال أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: مثله.

وقال مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما: لقينهم وبيوتهم.

[سنن ابن ماجه] (2/ 1038 ) ‌3109- حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثنا أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يناق، عن صفية بنت شيبة ، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عام الفتح، فقال: ((يا أيها الناس إن الله حرم مكة، يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لقطتها إلا منشد)) فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه للبيوت والقبور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إلا الإذخر)).

[شرح مشكل الآثار] (8/ 169) ((‌3143- حدثنا محمد بن علي بن داود قال: حدثنا عبيد بن يعيش الكوفي قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا ابن إسحاق قال: حدثنا أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يناق، عن صفية ابنة شيبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الفتح فقال: (( أيها الناس، إن الله عز وجل حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لقطتها إلا منشد))، فقال العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله، إلا الإذخر؛ فإنه لظهور البيوت والقبور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إلا الإذخر)).

3144- حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة قال: حدثني أبو هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته لما فتحت مكة: (( إن الله عز وجل حبس عن أهل مكة القتل هكذا، قال: وإنما هي الفيل، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين، فإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه، حتى إنه لا يعضد شجرها، ولا يختلى شوكها))، فقام العباس فقال: يا رسول الله، إلا الإذخر؛ فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إلا الإذخر)).

3145- حدثنا بكار بن قتيبة قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، غير أنه قال: (( إن الله عز وجل حبس عن أهل مكة الفيل))، غير أنه قال: فقام رجل من قريش مكان ما في الحديث الأول من قول راويه: فقام العباس.

3146- وحدثنا علي بن عبد الرحمن قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا ابن الدراوردي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجون فقال: (( والله، إنك لخير أرض الله عز وجل، وأحب أرض الله إلى الله، ولو أني لم أخرج منك ما خرجت، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي))، ثم ذكر مثله غير أنه قال فيه: (( ولا تلتقط ضالتها إلا لمنشد))، فقال رجل يقال له شاه: يا رسول الله، إلا الإذخر، ثم ذكر بقية الحديث.

فسأل سائل عما أضيف في هذه الأحاديث إلى العباس أو إلى من ذكر سواه، من قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر حرمة شجر مكة وحرمة خلاها: إلا الإذخر، استثناء من ذلك، وأنكر أن يكون ذلك كان من العباس وأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقار أحدا على ذلك.

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن هذه الآثار ثابتة صحيحة المجيء مقبولة كلها، وأن الذي كان من العباس أو ممن سواه فيها غير منكر من مثله، وأن ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكار ذلك عليه غير منكر أيضا، وكيف ينكر عليه ما هو محمود فيه، إذ قد علم من حاجة أهل مكة إلى الإذخر ما هم عليه منها، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، طلب منه مراجعة ربه في ذلك، كما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج ربه عز وجل لما افترض على أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة التخفيف مرة بعد مرة، حتى ردها إلى خمس صلوات، وكما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القرآن على حرف فراجع في ذلك مرة بعد مرة، حتى رد إلى سبعة أحرف، فكان مثل ذلك ما كان من العباس أو من غيره مما ذكرنا، وكان قوله: إلا الإذخر، وقطعه الكلام عند ذلك لعلمه بفهم النبي صلى الله عليه وسلم ما أراده منه، من سؤاله ربه عز وجل عن ذلك، فغني عن الكلام به، كما تستعمل العرب في كلامها للاختصار السكوت عن الكلام به، لعلمها بفهم من تخاطبه بذلك ما خاطبته به من أجله حتى يأتوا ببعض الكلمة، ويتركوا بقيتها.

ومن ذلك قولهم: كفى بالسيف شا، يريدون شاهدا، حتى تعالى ذلك أن جاء القرآن به، فمن ذلك قوله عز وجل: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} [الرعد: 31]، ثم قطع بقية الكلام، وهو مما قد اختلف أهل العلم فيه ما هو، فقال بعضهم: هو: لكفروا به، وقال بعضهم: هو: لكان هذا القرآن.

ومن ذلك قوله عز وجل: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم} [النور: 10] وترك ذكر ما كان يكون لولا فضله ورحمته.

ومن ذلك قوله: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} [الزمر: 9] ثم قال: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] وترك ذكر من ليس هو مثله لغناه عن ذلك بفهم المخاطبين به.

فمثل ذلك قول العباس، أو من قاله سواه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إلا الإذخر)) غني عن استتمام الكلام بما أراد؛ لعلمه بفهم النبي صلى الله عليه وسلم عما أراد.

فقال هذا القائل: فقد كان من النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك الجواب بلا زمان فيما بين السؤال وبين الجواب يكون فيه الوحي لذلك الجواب.

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه قد يحتمل في لطيف قدرة الله تعالى مجيء الوحي في ذلك الوقت من حيث لا نعقل نحن مجيء مثله فيه، ويحتمل أن يكون كان من النبي صلى الله عليه وسلم فيه ما كان بإلقاء جبريل صلى الله عليه وسلم ذلك إليه، كما قال للذي سأله في حديث أبي قتادة: (( أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، يكفر الله عني خطاياي؟)) فقال: (( نعم))، فلما ولى قال له: (( إلا أن يكون عليك دين، كذلك قال لي جبريل صلى الله عليه وسلم)).

فدل ذلك على حضور جبريل صلى الله عليه وسلم جوابه الأول وقوله ما قاله لسائله جوابا ثانيا.

وإذا كنا قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سنذكره فيما بعد من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى من قوله صلى الله عليه وسلم لحسان في وقت مهاجاته المشركين عنه: (( اهجهم وجبريل معك)).

وإذا كان جبريل لمهاجاته قريشا مع حسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه معه في خطبته التي يخبر الناس فيها عن الله عز وجل بشرائع دينهم وبفرائضه عليهم أولى، وبكون جبريل صلى الله عليه وسلم معه في ذلك الوقت أحرى، فبان بحمد الله ونعمته أن لا منكر في شيء مما أنكره هذا الجاهل بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ذكرناه عنه، والله سبحانه وتعالى نسأله التوفيق.

أحاديث ذات صلة