أَرْسَلَنِي أُسَامَةُ إلى عَلِيٍّ وقالَ: إنَّه سَيَسْأَلُكَ الآنَ، فيَقولُ: ما خَلَّفَ صَاحِبَكَ؟ فَقُلْ له: يقولُ لَكَ: لو كُنْتَ في شِدْقِ الأسَدِ لَأَحْبَبْتُ أنْ أكُونَ معكَ فِيهِ، ولَكِنَّ هذا أمْرٌ لَمْ أرَهُ، فَلَمْ يُعْطِنِي شيئًا، فَذَهَبْتُ إلى حَسَنٍ وحُسَيْنٍ وابْنِ جَعْفَرٍ، فأوْقَرُوا لي رَاحِلَتِي.
أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (4/ 66)، ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (8/ 82) كلاهما بلفظه، والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (1/ 221) باختلاف يسير.
سَفْكُ الدَّمِ الحَرامِ مِن أكْبرِ المعاصي الَّتي قدْ يَلقَى الإنسانُ بها اللهَ تعالَى، وقدْ توعَّدَ اللهُ سُبحانَه وتعالَى القاتلَ بالعذابِ المُقيمِ؛ لذلك فإنَّ بعضَ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اعتَزَلوا الفِتنةَ الَّتي حدَثَتْ بعْدَ مَقتلِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ رضِيَ اللهُ عنه؛ خَشيةَ أنْ يَقَعوا في دَمٍ حرامٍ يَسْألُهم اللهُ تعالَى عنه يوْمَ القيامةِ.
وفي هذا الحديثِ يَحْكي التابعيُّ حَرْمَلةُ مولى أُسامةَ بنِ زَيدٍ رضِي اللهُ عنهما: أنَّ أُسامَةَ رضِي اللهُ عنه أَرْسَلَه من المدينةِ إلى علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ رضِيَ اللهُ عنه بالكوفةِ -وكان خليفةً للمُسلِمين حينَئذٍ-، وقالَ أُسامةُ لحَرمَلةَ: إنَّ عليًّا سيسألُكَ عندما تصِلُ إليه: ما سَببُ تأخُّرِ أسامةَ وتَجنُّبِهِ عنْ مُؤازَرتِي؟ ويَقصِدُ قِتالَه ضِدَّ مُعاوِيةَ رضِيَ اللهُ عنهُ، وتوقَّع أسامةُ ذلك؛ لأنَّه عَلِمَ أنَّ عَلِيًّا كان يُنكِرُ على من تخلَّف عنه، لا سيَّما أنَّ أُسامةَ كان حِبَّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وأمرَ أسامةُ رَضِيَ اللهُ عنه حَرملةَ أن يُخبِرُ عليًّا رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه لو كان في جانِبٍ مِن فَمِ الأسدِ، لأَحبَّ أسامةُ أنْ يكونَ معه في هذا الموقِفِ، والمرادُ أنَّه يُريدُ أنْ يَكونَ معه ولَوْ في حالةِ الموتِ، ولكِنَّ هذا أمرٌ لم يَرَهُ أسامةُ رَضِيَ اللهُ عنه حقًّا أو صَوابًا، يعني الاقتتالَ بين المسلِمينَ لأجْلِ الخِلافةِ، ولعلَّ ذلكَ بسَببِ إنكارِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أُسامةَ في أحدِ المواقِفِ عِندما قَتَلَ رجُلًا نطَقَ بالشَّهادَتَينِ، فظنَّه أُسامةُ نطَقَها خَوْفًا مِن السَّيفِ، فقتَلَه، فأنكرَ عليْهِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلكَ.
فذهب حَرملةُ إلى عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، فبلَّغه رسالةَ أُسامةَ، ولم يُعْطِه عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه شيئًا مِن المالِ، فذَهب حَرملةُ إلى حَسَنٍ وحُسينٍ وإلى عبدِ اللهِ بنِ جَعفرِ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهم، فأوْقَروا له راحِلَته، أيْ: حَمَّلُوها ما تَستطيعُ حَمْلَهُ ممَّا أَرادَه، وكأنَّهم لَمَّا عَلِموا أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنه لم يُعْطِه شيئًا، عوَّضوه من أموالهم من ثيابٍ ونحوِها قَدْرَ ما تحمِلُه راحِلَتُه التي هو راكِبُها، والرَّاحِلةُ: واحِدةُ الإبِلِ التي تصلُحُ للركوبِ، ذكرًا كانت أم أنثى.
وفي الحَديثِ: أنَّ وُجودَ الخِلافِ بيْنَ الصَّحابةِ رضِيَ اللهُ عنهم لم يَمنعْهُمْ مِن مُساعدةِ بعضِهِمْ بَعضًا.
[صحيح البخاري] (معتمد) (9/ 57)
7110 - حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال: قال عمرو: أخبرني محمد بن علي، أن حرملة، مولى أسامة أخبره - قال عمرو: قد رأيت حرملة - قال: أرسلني أسامة إلى علي وقال: إنه سيسألك الآن فيقول: ما خلف صاحبك؟ فقل له: يقول لك: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره فلم يعطني شيئا فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر، فأوقرئوا لي راحلتي
الطبقات الكبير لابن سعد (معتمد) (4/ 66)
4878- أخبرنا علي بن عبد الله بن جعفر، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمر، قال: أخبرني أبو جعفر محمد بن علي، قال: حدثني حرملة مولى أسامة، قال عمر: وقد رأيت حرملة، قال: أرسلني أسامة إلى علي، فقال: أقرئه السلام، وقل له: إنك لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أدخل معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره.
قال: فأتيت عليا، فلم يعطني شيئا، فأتيت الحسن, وابن جعفر، فأوقرا لي راحلتي.
[تاريخ دمشق - لابن عساكر] (8/ 82) أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أحمد بن محمد بن النقور أنا أحمد بن محمد بن عمران نا أبو روق أحمد بن محمد بن بكر نا أحمد بن روح نا سفيان قال قال عمرو بن دينار حدثني محمد بن علي بن حسن أن حرملة مولى أسامة أخبره قال أرسلني أسامة بن زيد إلى علي بن أبي طالب وقال إنه سيسألك الآن ويقول ما خلف صاحبك فقل له يقول لك لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه ولكن هذا الأمر لم أره قال فلم يعطني شيئا فذهبت إلى حسن وحسين وعبد الله بن جعفر فأوقروا لي راحلتي
المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان الفسوي (1/ 221) حدثنا أبو بكر الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عمرو بن دينار عن أبي جعفر أنه أخبره قال: أخبرني حرملة مولى أسامة قال: بعثني أسامة بن زيد إلى علي بن أبي طالب، ثم قال لي : إنه سيسألك عني ويقول: ما خلفه عني؟ فأقرئه السلام، وقل له يقول لك والله لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك، ولكن هذا أمر لم أره.
فأتيت عليا فأخبرته.