عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: أسْلَمَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ لِبَعْضِ العَرَبِ وكانَ لَهَا حِفْشٌ في المَسْجِدِ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينَا فَتَحَدَّثُ عِنْدَنَا، فَإِذَا فَرَغَتْ مِن حَديثِهَا قَالَتْ: وَيَوْمُ الوِشَاحِ مِن تَعَاجِيبِ رَبِّنَا،...
ألَا إنَّه مِن بَلْدَةِ الكُفْرِ أنْجَانِي فَلَمَّا أكْثَرَتْ، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: وما يَوْمُ الوِشَاحِ؟ قَالَتْ: خَرَجَتْ جُوَيْرِيَةٌ لِبَعْضِ أهْلِي، وعَلَيْهَا وِشَاحٌ مِن أدَمٍ، فَسَقَطَ منها، فَانْحَطَّتْ عليه الحُدَيَّا، وهي تَحْسِبُهُ لَحْمًا، فأخَذَتْهُ فَاتَّهَمُونِي به فَعَذَّبُونِي، حتَّى بَلَغَ مِن أمْرِي أنَّهُمْ طَلَبُوا في قُبُلِي، فَبيْنَا هُمْ حَوْلِي وأَنَا في كَرْبِي، إذْ أقْبَلَتِ الحُدَيَّا حتَّى وازَتْ برُؤُوسِنَا، ثُمَّ ألْقَتْهُ، فأخَذُوهُ، فَقُلتُ لهمْ: هذا الذي اتَّهَمْتُمُونِي به وأَنَا منه بَرِيئَةٌ
أخرجه ابن خزيمة (1332)، وابن حبان (1655)، وابن المقرئ في ((معجم ابن المقرئ)) (803)، بلفظ مقارب.
أنَّ ولِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فأعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ معهُمْ، قالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لهمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أحْمَرُ مِن سُيُورٍ، قالَتْ: فَوَضَعَتْهُ - أوْ وقَعَ منها - فَمَرَّتْ به حُدَيَّاةٌ وهو مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ، قالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، قالَتْ: فَاتَّهَمُونِي به، قالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قالَتْ: واللَّهِ إنِّي لَقَائِمَةٌ معهُمْ، إذْ مَرَّتِ الحُدَيَّاةُ فألْقَتْهُ، قالَتْ: فَوَقَعَ بيْنَهُمْ، قالَتْ: فَقُلتُ هذا الذي اتَّهَمْتُمُونِي به، زَعَمْتُمْ وأَنَا منه بَرِيئَةٌ، وهو ذَا هُوَ، قالَتْ: فَجَاءَتْ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأسْلَمَتْ، قالَتْ عَائِشَةُ: فَكانَ لَهَا خِبَاءٌ في المَسْجِدِ - أوْ حِفْشٌ - قالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِندِي، قالَتْ: فلا تَجْلِسُ عِندِي مَجْلِسًا، إلَّا قالَتْ: وَيَومَ الوِشَاحِ مِن أعَاجِيبِ رَبِّنَا...
ألَا إنَّه مِن بَلْدَةِ الكُفْرِ أنْجَانِي قالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلتُ لَهَا ما شَأْنُكِ، لا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إلَّا قُلْتِ هذا؟ قالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بهذا الحَديثِ.
الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 439 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه ابن خزيمة (1332)، وابن حبان (1655)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (2/ 71) جميعا باختلاف يسير.
ربُّنا سُبحانَه وتعالى رحيمٌ بعِبادِه، وخاصَّةً الضُّعفاءَ والمظلومينَ منهم؛ فإنَّه سُبحانَه يَنصُرُهم على مَن ظلَمَهم، ويُظهِرُ الحقَّ عاجِلًا أو آجِلًا.وفي هذا الحديثِ تَحكي أمُّ المؤمنينَ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّه كان لحيٍّ ولقَبيلةٍ عربيَّةٍ أَمَةٌ سَوداءُ مَملوكةٌ لهم، فأَعْتَقوها وحرَّرُوها مِن الرِّقِّ، ولكنَّها ظَلَّتْ معهم في قَبيلتِهم، فحكَتْ هذه الأَمَةُ أنَّ صَبيَّةً مِن القَبيلةِ خَرَجَتْ وعليها وِشاحٌ أحمَرُ مِن سُيورٍ، جمْع سَيْرٍ، وهو ما يُقطَعُ مِن الجِلدِ، والوِشاحُ نوعٌ مِن الزِّينةِ، وهو خَيْطانِ مِنْ لُؤلؤٍ يُخالَفُ بيْنَهما وتتَوَشَّحُ به المرأةُ، وقيل: يُنسَجُ عريضًا مِن أديمٍ ويُرَصَّعُ باللُّؤلؤِ وتَشُدُّه المرأةُ بيْنَ عاتِقِها وكَشْحِها، فسقَطَ الوِشاحُ مِن هذه الصَّبِيَّةِ، فجاءَتْ حُدَيَّاةٌ؛ وهو طائِرٌ معروفٌ مُؤْذٍ، مأذونٌ في قَتْلِه في الحِلِّ والحَرَمِ، فأخَذَتِ الحُديَّاةُ الوِشاحَ وخطَفَتْه، تَحْسَبُه لحمًا، فبَحَثوا عن هذا الوِشاحِ وطَلَبُوه، وسَأَلوا عنه، فلمْ يَجِدُوه، فاتَّهَموا تلك الأَمَةَ بأنَّها سَرَقَتْه، فجَعَلوا يُفَتِّشونها حتَّى فَتَّشُوا مَوضِعَ عَوْرتِها، ولكنَّ اللهَ سُبحانَه أظهَر بَراءةَ هذه الأَمَةِ، فبيْنَما هم كذلك وهي قائمةٌ معهم، إذ مَرَّت الحُدَيَّاةُ فَوْقَهم وألْقَتِ الوِشاحَ مِن فَمِها؛ لأنَّها لَمَّا لم تَجِدْه لحمًا أَلْقَتْه فوَقَع بيْنَهم، فقالت لهم الأَمَةُ: هذا الذي اتَّهَمْتُموني به، وزَعَمْتُم أنِّي سَرَقْتُه، وأنا منه بريئةٌ، ثمَّ جاءتْ هذه الأَمَةُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأسلَمَتْ، فقالت عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها: وكان لهذه الأَمَةِ خِباءٌ أو حِفْشٌ في المسجِدِ، وهو البَيتُ الضَّيِّقُ الصَّغيرُ، وكانت تأتي عندَ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها وتتحَدَّثُ عندَها، وكانتْ لا تَجلِسُ معها إلَّا قالتْ هذا البَيتَ مِن الشِّعرِ: «ويَومَ الوِشاحِ مِن أَعاجِيبِ رَبِّنا»، جَمْع أُعجوبةٍ، وهي الأمرُ الغريبُ الفريدُ الحُدوثِ، «أَلَا إنَّه مِن بَلْدةِ الكُفرِ أَنْجاني»، ومعنَى البَيتِ أنَّ الفِتنةَ الَّتي تعرَّضَتْ لها مِن اتِّهامِها وإيذائِها كانت سببًا في إسلامِها وهِجرتِها، وكان الوِشاحُ سببًا في نَجاتِها، وكان يَومُ الوِشاحِ مِن الأعاجيبِ؛ لأنَّ ما وقَع فيه مِنِ اختِطافِ الحِدَأَةِ للوِشاحِ، واتِّهامِها به، كان مِن أعاجيبِ الزَّمانِ، وغرائبِ الأيَّامِ، وكان مِن نِعَمِ اللهِ عليها؛ حيثُ كان نُقطةَ تحَوُّلٍ في حياتِها مِن شقاءٍ إلى سعادةٍ، وسببًا في إسلامِها ونجاتِها، وهِجرتِها مِن دارِ الكفرِ إلى دارِ الإيمانِ، على حدِّ المثَلِ القائلِ: «رُبَّ ضارَّةٍ نافعةٌ».
فلمَّا سَألَتْها عائشةُ عن السَّبَبِ، أخبَرَتْها بهذه القِصَّةِ، وظاهِرُ هذا يدُلُّ على أنَّ هذه المرأةَ إنَّما أسْلَمَت بعْدَ قِصَّةِ الوِشاحِ.
وفي الحديثِ: أنَّ اللهَ تعالى قد يُفَرِّجُ كُرُباتِ المكروبينَ ويَخرِقُ لهم العوائِدَ، وإنْ كانوا كفَّارًا؛ فإنَّ عَدْلَ اللهِ يَسَعُ المؤمِنَ والكافِرَ، والبَرَّ والفاجِرَ.وفيه: أنَّ مَن لم يَكُنْ له مَسْكَنٌ ولا مكانُ مَبيتٍ يُباحُ له المَبِيتُ في المسجِدِ -سواءٌ كان رَجُلًا أوِ امرأةً- عندَ حصولِ الأمْنِ من الفِتْنةِ.وفيه: فَضْلُ الهِجرةِ مِن دارِ الكُفرِ، وأنَّ السُّنَّةَ الخروجُ مِن بلدةٍ جَرَتْ فيها فِتنةٌ على الإنسانِ.
[صحيح البخاري] (1/ 95) :
439 - حدثنا عبيد بن إسماعيل قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام ، عن أبيه، عن عائشة : أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب، فأعتقوها فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم، عليها وشاح أحمر من سيور، قالت: فوضعته، أو وقع منها، فمرت به حدياة وهو ملقى فحسبته لحما فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: فطفقوا يفتشون، حتى فتشوا قبلها، قالت: والله إني لقائمة معهم، إذ مرت الحدياة فألقته، قالت: فوقع بينهم، قالت: فقلت: هذا الذي اتهمتموني به، زعمتم وأنا منه بريئة، وهو ذا هو، قالت: فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش، قالت: فكانت تأتيني فتحدث عندي، قالت: فلا تجلس عندي مجلسا، إلا قالت:
ويوم الوشاح من أعاجيب ربنا … ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني
قالت عائشة: فقلت لها: ما شأنك، لا تقعدين معي مقعدا إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني بهذا الحديث.
[صحيح ابن خزيمة] (2/ 286) :
1332 - نا محمد بن عبادة الواسطي، نا أبو أسامة، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة : " أن وليدة سوداء كانت لحي من العرب فأعتقوها، وكانت عندهم، فخرجت صبية لهم يوما عليها وشاح من سيور حمر، فوقع منها، فمرت الحدياة فحسبته لحما فخطفته، فطلبوه فلم يجدوه، فاتهموها به، ففتشوها حتى فتشوا قبلها قال: فبينا هم كذلك إذ مرت الحدياة، فألقت الوشاح، فوقع بينهم، فقالت لهم: هذا الذي اتهمتموني به، وأنا منه بريئة، وها هو ذي كما ترون، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، فكان لها في المسجد خباء أو حفش قالت: فكانت تأتيني فتجلس إلي، فلا تكاد تجلس مني مجلسة إلا قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا إلا أنه من بلدة الكفر أنجاني فقلت لها: ما بالك لا تجلسين مني مجلسا إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني الحديث، قد خرجت ضرب القباب في المساجد للاعتكاف في كتاب الاعتكاف "
[الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان] (4/ 535) :
1655 - أخبرنا عمر بن محمد الهمداني قال حدثنا عبيد بن إسماعيل الهباري قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن وليدة كانت من العرب فأعتقوها فكانت معهم فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور قالت: فوضعته فمرت به حدياة وهو ملقى فحسبته لحما فخطفته قالت فالتمسوه فلم يجدوه قالت فاتهموني به فقطعوا بي يفتشوني ففتشوا حتى فتشوا قبلها قالت فوالله إني لقائمة معهم إذا مرت الحدياة فألقته فوقع بينهم قالت فقلت هذا الذي اتهمتموني به زعمتم وأنا منه بريئة وهو ذا هو قالت فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت قالت عائشة وكان لها خباء في المسجد قالت فكانت تأتيني فتتحدث عندي قالت لا تجلس عندي مجلسا إلا قالت:
ويوم الوشاح من أعاجيب ربنا … ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني
قالت عائشة فقلت لها ما شأنك لا تقعدين معي مقعدا إلا قلت هذا قالت فحدثتني بهذا الحديث.
معجم ابن المقرئ (ص246) :
803 - حدثني حسين، ثنا محمد بن الحجاج، ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: " كانت امرأة تغشانا فتمثلت بهذا البيت:
[[البحر الطويل]]
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا … إلا أنه من بلدة الكفر أنجاني
قالت لها عائشة: ما هذا البيت الذي أسمعه منك قالت شهدت عروسا لها تجلي إن دخلت مغتسلا لها عليها وشاح، ففقدوا الوشاح، فاتهموني به ففتشوني حتى فتشوا قبلي، فدعوت الله تعالى أن ينبئهم ببرائتي، فجاء الحدأة بالوشاح حتى ألقاه بينهم وهم ينظرون
صحيح البخاري (5/ 42) :
3835 - حدثني فروة بن أبي المغراء: أخبرنا علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أسلمت امرأة سوداء لبعض العرب، وكان لها حفش في المسجد، قالت: فكانت تأتينا فتحدث عندنا، فإذا فرغت من حديثها قالت:
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا … ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني
فلما أكثرت، قالت لها عائشة: وما يوم الوشاح؟ قالت: خرجت جويرية لبعض أهلي، وعليها وشاح من أدم، فسقط منها، فانحطت عليه الحديا وهي تحسبه لحما، فأخذت، فاتهموني به فعذبوني، حتى بلغ من أمري أنهم طلبوا في قبلي، فبينا هم حولي وأنا في كربي، إذ أقبلت الحديا حتى وازت برؤوسنا، ثم ألقته، فأخذوه، فقلت لهم: هذا الذي اتهمتموني به وأنا منه بريئة.