قالَ عُمَرُ: وافَقْتُ اللَّهَ في ثَلَاثٍ، أوْ وافَقَنِي رَبِّي في ثَلَاثٍ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفَاجِرُ، فلوْ أمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بالحِجَابِ، فأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ، قالَ: وبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عليهنَّ، قُلتُ: إنِ انْتَهَيْتُنَّ أوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسوله صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَيْرًا مِنْكُنَّ، حتَّى أتَيْتُ إحْدَى نِسَائِهِ، قالَتْ: يا عُمَرُ، أما في رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما يَعِظُ نِسَاءَهُ، حتَّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ؟ فأنْزَلَ اللَّهُ: (عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبَدِّلَهُ أزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ) الآيَةَ وقالَ ابنُ أبِي مَرْيَمَ، أخْبَرَنَا يَحْيَى بنُ أيُّوبَ، حدَّثَني حُمَيْدٌ، سَمِعْتُ أنَسًا، عن عُمَرَ.

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# مناقب وفضائل - عمر بن الخطاب# زينة اللباس - الحجاب# مناقب وفضائل - فضائل جمع من الصحابة والتابعين# تفسير آيات - سورة التحريم
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: أنس بن مالك
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (4483)، ومسلم (2399) مختصراً

الشرح والتوضيح

قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، وافَقْتُ رَبِّي في ثَلَاثٍ: فَقُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِن مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] وآيَةُ الحِجَابِ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، لو أمَرْتَ نِسَاءَكَ أنْ يَحْتَجِبْنَ، فإنَّه يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ والفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ، واجْتَمع نِسَاءُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الغَيْرَةِ عليه، فَقُلتُ لهنَّ: (عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبَدِّلَهُ أزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ)، فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ الراوي : عمر بن الخطاب المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 402 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه أحمد (157)، وابن حبان (6896)، والبزار (220) باختلاف يسير، ومسلم (2399) مختصرًا وجعل الثالثة أسارى بدر.

كان عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه رجُلًا مُلهَمًا، ذا فِراسةٍ حادَّةٍ، وبصيرةٍ متوقِّدةٍ، وكان رُبَّما نطَقَ ببعضِ القُرآنِ قبْلَ أن يَنزِلَ به جِبريلُ، وأحيانًا أخرى كان الوحيُ يَنزِلُ فيُؤيِّدُ رأيَه مِن فَوقِ سَبعِ سَمواتٍ.وهذا الحَديثُ مِن أجَلِّ مَناقِبِ عُمَرَ بن الخطَّاب رَضيَ اللهُ عنه وفضائِلِه، وفيه يقولُ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه: «وافقْتُ ربِّي في ثلاثٍ»، وما أحسَنَ عبارَتَه وألْطَفَها! حيثُ راعَى فيها حُسْنَ الأدبِ؛ فَلَم يَقُلْ: وافَقَني ربِّي في ثلاثٍ؛ لأنَّ الآياتِ إنَّما نَزَلَت مُوافِقةً لرَأْيِه واجتِهادِه، وإنَّما ذَكَر عُمرُ ذلك ليَحسُنَ ظَنُّ السامِعينَ به، ولا يُنازِعوه في حقٍّ يقولُه، ولِكَيْ يَقتديَ به المؤمنونَ في إيثارِه الحقَّ وقولِه الصَّوابَ، ثمَّ ذَكَر هذه الثلاث؛ وهي: الأُولى: أنَّ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه قال: يا رسولَ اللهِ، لو اتَّخَذْنا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى؟ فنزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] ، أي: فاتَّخِذوا أيُّها الناسُ مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصلًّى تُصَلُّون عِندَه؛ عِبادةً منكم للهِ تَعالى، وتَكرمةً لإبراهيمَ عليه السَّلامُ مِن اللهِ سبحانَه، وذلك عَقِبَ الانتهاءِ مِن الطَّوافِ بالكَعبةِ؛ فيَكون المَقامُ بيْنَ البَيتِ وبيْنَ المُصلِّي، ومَقامُ إبراهيمَ هو مَوضِعُ قيامِه، وهو الحَجَرُ الَّذي كان يَقِفُ عليه إبراهيمُ عليه السَّلامُ عندَ بِنائِه لِلكَعبةِ، وفيه أثَرُ قَدَمِه عليه السَّلامُ، ومَكانُه مَعروفٌ الآنَ إلى جانبِ الكعبةِ.الثانيةُ: آيةُ الحِجابِ؛ فقد قال عُمَرُ: يا رسولَ اللهِ، لوْ أَمَرْتَ نِساءَك أن يَحتَجِبْنَ؛ فإنَّه يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ والفاجِرُ، فنزلَتْ آيةُ الحِجابِ، وهي قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا النبيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59] ، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعلمُ أنَّ حَجْبَهُنَّ خَيرٌ مِن غَيرِه، لكنَّه كان يَترقَّبُ الوَحْيَ؛ ويدُلُّ على ذلِك أنَّه لم يُوافِقْ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه حينَ أشارَ عليه بذلِك.

وكان الحِجابُ في السَّنةِ الخامسةِ، أو في ذي القَعْدةِ سنةَ أربَعٍ، أو في السَّنةِ الثَّالثةِ.الثَّالثةُ: أنَّ نِساءَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اجتمَعْنَ في الغَيْرةِ عليه، ولهذه القَضيَّةِ قِصَّةٌ طويلةٌ؛ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان إذا دَخَل على حَفصةَ بنتَ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما مُسَلِّمًا حَبَسَتْه وسَقَتْه مِن عَسلٍ أُهدِيَ إليها، وأنَّ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها أَنكرَتِ احتِباسَه عِندَها، فأمرَتْ جُوَيْرِيةً عِندَها حَبَشيَّةً يُقالُ لها خضرةُ أن تَنظُرَ ماذا تَصنَعُ حَفْصةُ إذا دخَلَ عليها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأخبَرَتْها الخبرَ وشأنَ العَسلِ، فغارَتْ، فأرْسلَتْ إلى صواحبِها أن يُخبِرْنَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّهُنَّ يَجِدْنَ منه رِيحَ مَغافِيرَ - وهو صَمْغٌ حلوٌ له رائحةٌ كريهةٌ- مِن أثَرِ شربِه العسَلَ، وكان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَشتدُّ عليه أن يوجَدَ منه ريحٌ غيرُ طَيِّبٍ؛ لأنَّه يأتيه المَلَكُ بالوحْيِ، فامتنَعَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن شربِ العسلِ الَّذي يُحِبُّه، ثمَّ إنَّ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه لَمَّا بلَغَه ذلك دخَل على نِساءِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فوعَظَهُنَّ وزَجرَهُنَّ، ومِن جملةِ ما قال عُمرُ لهنَّ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ}، فنزلَتْ هذه الآيةُ؛ فهذا مِن جُملةِ ما وافَقَ عُمرُ ربَّه عزَّ وجلَّ ووافَقَه ربُّه، وليس في الآيةِ ما يدُلُّ على أنَّ في النِّساءِ خَيرًا مِنهُنَّ؛ لأنَّ المُعَلَّقَ بما لم يَقَعْ لا يجِبُ وُقوعُه، والآيةُ وردَتْ في الإخبارِ عن القُدرةِ لا عن الكَونِ في الوقتِ؛ لأنَّه تعالى قال: {إِنْ طَلَّقَكُنَّ}، وقد عَلِم سُبحانَه أنَّه لا يُطلِّقُهنَّ، وهذا كقولِه: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38] ؛ فهذا إخبارٌ عن القُدرةِ وتخويفٌ لهم، لا أنَّ في الوجودِ مَن هو خيرٌ مِن أُمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

ويحتملُ أنَّ مَقامَ الخَيريَّةِ لزَواجِهِنَّ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فكلُّ مَن تزَوَّجَها وسيَتزَوَّجُها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَرتَقي إلى هذا المَقامِ، فإنْ طَلَّقها تخلَّتْ عن هذا المَقامِ.وليس في تَخصيصِ عُمرَ العَدَدَ بالثَّلاثِ في هذا الحَديثِ ما يَنفي الزِّيادةَ عليها؛ لأنَّه حصلَتْ له الموافقةُ في أشياءَ غيرِ هذه؛ مِن مَشْهورِها قِصَّةُ أُسارى بدرٍ، وقصَّةُ الصَّلاةِ على المنافِقينَ، وهُما في صحيحِ البُخاريِّ.وفي الحديثِ: دَليلٌ على مشروعيَّةِ الاجتِهادِ في الدِّينِ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (6/ 20) 4483- حدثنا مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس قال: قال عمر : ((وافقت الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه، فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله صلى الله عليه وسلم خيرا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه، حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات})) الآية.

وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني حميد، سمعت أنسا، عن عمر

[صحيح مسلم] (4/ 1865 ) ((24- (2399) حدثنا عقبة بن مكرم العمي.

حدثنا سعيد بن عامر قال: جويرية بن أسماء أخبرنا عن نافع، عن ابن عمر.

قال

قال عمر : وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر))

أحاديث ذات صلة