- عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ لي ابنُ عَبَّاسٍ ولِابْنِهِ عَلِيٍّ: انْطَلِقَا إلى أبِي سَعِيدٍ فَاسْمعا مِن حَديثِهِ، فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هو في حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فأخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى، ثُمَّ أنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حتَّى أتَى ذِكْرُ بنَاءِ المَسْجِدِ، فَقالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ ، فَرَآهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عنْه، ويقولُ: ويْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إلى الجَنَّةِ، ويَدْعُونَهُ إلى النَّارِ.

قالَ: يقولُ عَمَّارٌ: أعُوذُ باللَّهِ مِنَ الفِتَنِ.

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - إخبار النبي عن المغيبات# مناقب وفضائل - عمار بن ياسر# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم# مساجد ومواضع الصلاة - بناء مسجد مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم# فتن - قتال أهل البغي
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: أبو سعيد الخدري
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه مسلم (2915) باختلاف يسير دون القصة في أوله، من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري

الشرح والتوضيح

كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَريصًا على تَعليمِ أُمَّتِه وتحْذيرِها مِن الفِتَنِ، فالمُسلمُ الحقُّ يَتدبَّرُ أقوالَ النبيِّ وتَعاليمَه، ويُحاوِلُ قدْرَ استِطاعَتِه أنْ يَنجوَ بِنفْسِه ويَنجوَ بِمُجتمعِه المسلمِ مِن الوُقوعِ في مُضِلِّاتِ الفِتنِ.وفي هذا الحديثِ يَذكُرُ التابعيُّ عِكْرَمةُ -وهو مِن تَلامِيذِ ابنِ عبَّاسٍ ومَوالِيه- أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما قال له ولابْنِه علِيِّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ: اذهَبَا إلى أبي سعيدٍ سَعْدِ بنِ مالكٍ الخُدْرِيِّ رَضيَ اللهُ عنه، صاحِبِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فاسْمَعا وتَعلَّمَا منه، وإنَّما أرْسَلَهُما ليَسمَعَا مِن حَديثِه في شَأنِ الخَوارجِ، كما في رِوايةِ الحاكمِ، وهمْ مِن أشدِّ الفِرقِ المُبتدِعةِ الَّتي ابتَلَى اللهُ بهم أهلَ الإسلامِ، ويُكفِّرونَ المسلمينَ ولا يَتورَّعونَ عَن دِمائهِم، مع أنَّهم يَجتهِدونَ في العِبادةِ والصَّلاةِ والصِّيامِ.

فلمَّا ذَهَبا إلى أبي سَعيدٍ رَضيَ اللهُ عنه كان في بُستانٍ له، يَعْمَلُ فيه بيَدِه ويُصْلِحُه، فأخَذَ رِداءَه فاحتَبَى، بأنْ جمَعَ ظَهرَه وساقَيهِ بعِمامتِه، أو بثَوبٍ، أو غَيرِه، وقدْ يَحتبي بِيَدِه، وقيل: قَعَدَ على أَلْيَتَيْه ونَصَبَ ساقَيْه واحْتَوى عليهما بثَوْبٍ ونَحوِه.ثمَّ حَدَّثَهم ممَّا عندَه مِن العِلمِ حتَّى أتَى على ذِكْرِ بناءِ المسجِدِ النَّبويِّ، فحَدَّثَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ الصَّحابةَ رَضيَ اللهُ عنهم كانوا يَحْمِلون مِن اللَّبِنِ الذي يُبنَى منه المسجِدُ لَبِنَةً لَبِنَةً، واللَّبِنُ: هو ما يُصنَعُ مِن الطِّينِ اللَّيِّنِ، ويُجفَّفُ بالشَّمسِ، ثمَّ يُبْنى به مِثلَ الأحجارِ، وكان عمَّارٌ رَضيَ اللهُ عنه يَحْمِلُ لَبِنَتينِ لَبِنَتينِ، فرآهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأخَذَ يُزيلُ التُّرابَ عنه، ويقولُ له: «وَيْحَ عَمَّارٍ»! وهي كَلمةُ رَحمةٍ لِمَن نَزَل به بَليَّةٌ؛ ثمَّ أخْبَرَه أنَّه تَقْتُلُه الفِئةُ الباغِيةُ، وهي الجماعةُ الظالمةُ التي خرَجَتْ عن طاعةِ الإمامِ العادلِ، وهمُ الذين قَتَلوه في واقعةِ صِفَّينَ، «يَدعوهم إلى الجنَّةِ»، أي: إلى سَببِها، وهي الطاعةُ، كما أنَّ سَببَ النارِ هو المَعصيةُ، «ويَدْعُونَه إلى النَّارِ»، أي: أنَّهم كانوا ظانِّينَ أنَّهم يَدْعونه إلى الجَنَّةِ وإنْ كان في الواقعِ دُعاءً إلى النارِ.وقولُه: «يَدْعوهم إلى الجنَّةِ، ويَدْعُونَه إلى النَّارِ» فيه إخبارٌ بأنَّ ذلِك سيَقَعُ له؛ ولهذا تَعوَّذَ عمَّارٌ رَضيَ اللهُ عنه عندَ ذلك مِن الفِتَنِ؛ لأنَّه لا يَدْري أحدٌ في الفِتنةِ أمأجورٌ هو أم مَأزورٌ؟ إلَّا بغَلَبةِ الظَّنِّ، ولو كان مَأجورًا لَما استعاذَ عمَّارٌ مِن الأجْرِ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ عمَّارًا على الحَقِّ مِنْ دونِ مَن خالَفَه.

وفي الحديثِ: حِرْصُ العالِمِ المتَّسِعِ عِلمُه على أولادِه في تَعليمِهم العِلْمَ، حتى يُرْسِلَهم إلى غَيْرِه مِن العُلماءِ، وإنْ كان هو أعْلَمَ وأفْقَهَ؛ لِمَا يُرجَى مِن تَعليمِهم مِن غَيرِه ما ليس عِندَه.وفيه: أنَّ العالِمَ يَتهَيَّأُ للحديثِ ويَجْلِسُ له جِلْسةَ تَأهُّبٍ واستعدادٍ، وألَّا يُحدِّثَ إذا كان مَشغولًا بشَيءٍ حتَّى يَنتهِيَ منه؛ إعظامًا للحديثِ، وهكذا كان السَّلَفُ.وفيه: مِن دَلائلِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.وفيه: فَضيلةٌ ظاهِرَةٌ ومَنقبةٌ لعَمَّارِ بنِ ياسرٍ رَضيَ اللهُ عنه.وفيه: الاستِعاذةُ مِن الفِتَنِ.وفيه: أنَّ التَّعاوُنَ في بُنيانِ المسجدِ مِن أفضَلِ الأعمالِ؛ لأنَّه ممَّا يَجْري للإنسانِ أجْرُه بعْدَ مَوتِه.وفيه: إكرامُ العامِلِ في سَبيلِ اللهِ والإحسانُ إليه بالفِعلِ والقَولِ.وفيه: مَشروعيَّةُ إصلاحِ الشخصِ ما يَتعلَّقُ بأمْرِ دُنياه، كإصلاحِ بُستانِه بنَفْسِه.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (1/ 97) :

447 - حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد العزيز بن مختار قال: حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة: قال لي ابن عباس ولابنه علي: ‌انطلقا ‌إلى ‌أبي ‌سعيد، فاسمعا من حديثه، فانطلقنا، فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا، حتى أتى ذكر بناء المسجد، فقال: كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم، فينفض التراب عنه، ويقول: ويح عمار، [[تقتله الفئة الباغية]]، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار.

قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.

صحيح مسلم (4/ 2235 ت عبد الباقي) :

70 - (‌2915) حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار (واللفظ لابن المثنى).

قالا: حدثنا محمد بن جعفر.

حدثنا شعبة عن أبي مسلمة، قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري قال:أخبرني من هو خير مني؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار، حين جعل يحفر الخندق، وجعل يمسح رأسه ويقول "بؤس ابن سمية.

تقتلك فئة باغية".

صحيح مسلم (4/ 2235 ت عبد الباقي) :

71 - (2915) وحدثني محمد بن معاذ بن عباد العنبري وهريم بن عبد الأعلى.

قالا: حدثنا خالد بن الحارث.

ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور ومحمود بن غيلان ومحمد بن قدامة.

قالوا:

أخبرنا النضر بن شميل.

كلاهما عن شعبة، عن أبي مسلمة ، بهذا الإسناد، نحوه.

غير أن في حديث النضر: أخبرني من هو خير مني، أبو قتادة.

وفي حديث خالد بن الحارث قال: أراه يعني أبا قتادة.

وفي حديث خالد: ويقول "ويس" أو يقول "يا ويس ابن سمية".

أحاديث ذات صلة