من نفَّسَ عن مسلمٍ كُربةً مِن كُربِ الدُّنيا نفَّسَ اللَّهُ عنهُ كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ ، ومن يسَّرَ على مُعسرٍ في الدُّنيا يسَّرَ اللَّهُ عليهِ في الدُّنيا والآخرةِ ، ومن سَترَ على مُسلمٍ في الدُّنيا سترَ اللَّهُ علَيهِ في الدُّنيا والآخرةِ ، واللَّهُ في عونِ العَبدِ ، ما كانَ العَبدُ في عونِ أخيهِ
أخرجه الترمذي (1930) واللفظ له، وأخرجه مسلم (2699) مطولاً
مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ له به طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وَما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ؛ إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ، وَمَن بَطَّأَ به عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ.
الراوي : أبو هريرة المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2699 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : من أفراد مسلم على البخاري حَثَّ الشَّرعُ على التَّحلِّي بالفضائلِ ومَحاسنِ الأخلاقِ، مِثلِ قَضاءِ حَوائجِ النَّاسِ والتَّيسيرِ عليهم ونَفْعِهم بِمَا يَتَيَسَّرُ من مالٍ وعِلمٍ أو مُعاونَةٍ أو مُشاورَةٍ.
وفي هذا الحديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَن نَفَّسَ عن مُؤمنٍ كُربةً»، أي: رَفَعَ عن مُؤمنٍ حُزنًا وعَناءً وشِدَّةً، ولو كان يَسيرًا، فيكونُ الثَّوابُ والأجْرُ أنْ يُنَفِّسَ اللهُ عنه كُربةً مِن كُرَبِ يومِ القِيامةِ، وتَنْفيسُ الكُرَبِ إحسانٌ، فجَزاه اللهُ جَزاءً وِفاقًا، «ومَن يَسَّرَ على مُعسِرٍ»، والتَّيسيرُ على المُعسِرِ في الدُّنيا مِن جِهةِ المالِ يكونُ بأحَدِ أمْرَينِ: إمَّا بإنْظارِه إلى المَيسَرةِ، وتارَّةً بالوضْعِ عنه إنْ كان غَريمًا، أي: عليه دَينٌ، وإلَّا فبإعْطائِهِ ما يَزولُ به إعسارُه، وكِلاهُما له فَضلٌ عَظيمٌ، وجَزاؤُه أنْ يُيسِّرَ اللهُ عليه في الدُّنيا والآخِرةِ مُقابلَ تَيسيرِه على عَبدِه؛ مُجازاةً له بجِنسِ عَملِه، «ومَن سَتَرَ مُسلِمًا»، أي: رآهُ على قَبيحٍ فلم يُظهِرْه للناسِ، فيَكونُ جَزاؤُه أنْ يَستُرَه اللهُ في الدُّنيا، أي: يَستُرَ عَوْرتَه أو عُيوبَه، ويَستُرَه في الآخِرةِ عن أهْلِ المَوقِفِ.
وهذا فِيمَن كان مَستورًا لا يُعرَفُ بشَيءٍ مِن المعاصي، فإذا وَقَعَت منه هفْوةٌ أو زَلَّةٌ، فإنَّه لا يَجوزُ هتْكُها ولا كشْفُها ولا التَّحدُّثُ بها، وليْس في هذا ما يَقْتضي تَرْكَ الإنكارِ عليه فيما بيْنه وبيْنه.
وقَولُه: «واللهُ في عَونِ العَبْدِ ما كان العَبْدُ في عَونِ أخيهِ»، أي: مَن أعانَ أخاهُ أعانَه اللهُ، ومَن كان ساعيًا في قَضاءِ حاجَاتِ أخيهِ، قَضى اللهُ حاجاتِه؛ فالجزاءُ مِن جِنسِ العمَلِ.
وأخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ «مَن سَلَكَ طَريقًا يَلتمِسُ فيه عِلْمًا»، وهذا يَشمَلُ الطَّريقَ المَعنويَّ والطَّريقَ الحِسِّيَّ؛ فأمَّا المعنويُّ فهو الطَّريقُ الَّذي يُتوصَّلُ به إلى العِلمِ؛ كحِفظِ العِلمِ، ومُدارستِه ومُذاكرتِه، ومُطالعتِه وكِتابتِه، والتَّفهُّمِ له، بأنْ يُلتمَسَ العِلمُ مِن أفواهِ العُلماءِ ومِن بُطونِ الكُتبِ؛ فمَن يَستمِعُ إلى العُلماءِ، أو يُراجِعُ الكتُبَ ويَبحَثُ فيها -وإنْ كان جالِسًا-؛ فإنَّه قدْ سلَكَ طَريقًا يَلتمِسُ فيه عِلمًا، وأمَّا الطَّريقُ الحِسيُّ فهو الَّذي يَجتهِدُ فيه المرءُ، ويَسيرُ فيه على الأقدامِ؛ مِثلُ أنْ يَأتيَ الإنسانُ مِن بَيتِه إلى مَكانِ العِلمِ، سَواءٌ كان مَكانُ العِلمِ مَسجِدًا، أو مَدرسةً، أو جامِعةً، أو غيرَ ذلك، «سَهَّلَ اللهُ له به طَريقًا إلى الجَنَّةِ»، أي: يَسَّرَ اللهُ له عمَلًا صالحًا يُوصِلُه إلى الجنَّةِ بفَضلِ اللهِ ورِضوانِه عليه، فيُوَفِّقُه للأعمالِ الصَّالِحةِ، أو المُرادُ: سَهَّلَ عليه ما يَزيدُ به عِلمُه؛ لأنَّه أيضًا مِن طُرقِ الجنَّةِ، بلْ هو أقرَبُها؛ لأنَّ العِلمَ الشَّرعيَّ تُعرَفُ به أوامِرُ اللهِ ونَواهيهِ، فيُستَدَلُّ به على الطَّريقِ الَّذي يُرضِي اللهَ عزَّ وجَلَّ، ويُوصِلُ إلى الجنَّةِ، ويكونُ طلَبُ العِلمِ وتَحصيلُه باتِّخاذِ كلِّ الوسائلِ المُستَطاعةِ وإنْ لم يكُنْ هناك سفَرٌ؛ كأنْ يُلازِمَ مَجالِسَ العِلمِ، ويَقتنيَ الكُتبَ النَّافِعةَ المُفيدةَ لأجْلِ دِراستِها والمُذاكَرةِ فيها.
وأخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه «مَا اجْتَمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِن بُيوتِ اللهِ» ويُلحَقُ بها دُورُ العِلمِ ونَحوُها، وبُيوتُ اللهِ في الأرضِ المَساجدُ، وأضافَ اللهُ عزَّ وجلَّ هذه الأماكِنَ إلى نَفسِه تَشريفًا وتَعظيمًا، ولأنَّها مَحَلُّ ذِكرِه، وتِلاوةِ كَلامِه، والتَّقرُّبِ إليه بالصَّلاةِ.
«يَتلونَ كِتابَ اللهِ، ويَتَدارسونَه بَيْنهم»، بأنْ يَقرَأَه بَعضُهم على بَعضٍ، ويَتَدبَّروا مَعانيَه، ويَتَدارَسوا أحكامَه، ويَتَعهَّدوه خَوفَ النِّسيانِ؛ إلَّا مَنَحَهم اللهُ عزَّ وجلَّ الأجْرَ الجَزيلَ فَضلًا منه سُبحانَه وكَرَمًا، ثمَّ يُبيِّنُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَضْلَ الاجتِماعِ عَلى تِلاوةِ القُرآنِ في المَسجِدِ ومُدارسَتِه، وأنَّ اللهَ يَمنَحُ لِمَن جَلَسَ هذه المَجالِسَ أربَعَ مِنَحٍ، أوَّلُها: أنَّ ذلك سَببٌ في نُزولِ السَّكينَةِ عليهم، وهي ما يَحصُلُ به صَفاءُ القلبِ بنُورِ القُرآنِ وذَهابِ ظُلْمتِه النَّفْسانِيَّةِ، مع الطُّمأنينةِ والوقارِ، ومِن ثَمَّ يَكونُ مُطمَئنًّا غَيرَ قَلِقٍ ولا شاكٍّ، راضيًا بقَضاءِ اللهِ وقَدَرِه.
وهذه السَّكينةُ نِعمةٌ عَظيمةٌ مِن اللهِ تَعالَى، قالَ عنها: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] .
والمِنحةُ الثَّانيةُ: «وغَشِيَتْهُم»، أي: غَطَّتْهُم وسَتَرَتْهُم رَحمةُ اللهِ عزَّ وجلَّ.
والمِنحةُ الثَّالثةُ: «وحَفَّتْهُم الملائِكَةُ»، أي: الْتَفُّوا حَوْلَهم؛ تَعظيمًا لصَنيعِهم، واستِماعًا لذِكرِهم اللهَ عزَّ وجلَّ، وليَكونوا شُهداءَ عليْهم بيْنَ يَدَيِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
والمِنحةُ الرَّابِعةُ: «وذَكَرَهمُ اللهُ فِيمَن عندَه» مِن المَلَأِ الأَعْلَى، وهي الطَّبقَةُ الأُولى مِنَ المَلَائِكَةِ، ذَكَرَهم اللهُ تَعالَى مُباهاةً بِهم.
ثُمَّ يَختِمُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الحديثَ بالحثِّ على عُلُوِّ الهِمَّةِ في العِلمِ والعَمَلِ، وعَدَمِ التَّواكُلِ على الحَسَبِ أو النَّسَبِ، أو أيِّ عَرَضٍ مِن أعْراضِ الدُّنيا، فيُبَيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ «أنَّ مَن بَطَّأَ به عَمَلُه لم يُسْرِعْ به نَسَبُه»، مَن كان عَمَلُه ناقصًا، لم يُلْحِقْه نَسبُهُ بمَرْتَبةِ أَصحابِ الأَعْمالِ؛ فَيَنْبَغي ألَّا يَتَّكِلَ على شَرَفِ النَّسَبِ، وفَضيلَةِ الآباءِ، ويُقَصِّرَ في العَمَلِ.
وفي الحديثِ: أنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العملِ.
وفيه: فَضيلةُ إعانةِ الغيرِ.
وفيه: الحثُّ على طَلبِ العلمِ وتِلاوةِ القرآنِ وتَدارُسهِ.
[سنن الترمذي] (4/ 326) 1930- حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد القرشي قال: حدثني أبي، عن الأعمش، قال: حدثت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) وفي الباب عن ابن عمر، وعقبة بن عامر: هذا حديث حسن وقد روى أبو عوانة، وغير واحد هذا الحديث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، ولم يذكروا فيه حدثت عن أبي صالح
[صحيح مسلم] (4/ 2074) 38- (2699) حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن العلاء الهمداني- واللفظ ليحيى، قال يحيى: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا- أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه))