بيْنا أنا أسِيرُ في الجنةِ ، إذْ عُرِضَ لِي نهرٌ ، حافَّتاهُ قُبابُ اللؤْلُؤِ المجوَّفِ ، قُلتُ : يا جبريلُ ما هذا ؟ قال : هذا الكوْثَرُ الَّذي أعطاكَهُ اللهُ ، ثمَّ ضَربَ بيدِهِ إلى طِينِه فاسْتخرجَ مِسْكًا ، ثمَّ رُفِعَتْ لِي سِدرةُ المنْتَهَى ، فرأيْتُ عِندَها نورًا عظيمًا
أخرجه الترمذي (3360) واللفظ له، وأحمد (13179) بنحوه
الكَوثرُ مِنْ أنهارِ الجنَّةِ، وقد أخبَرَ به المولى تبارَكَ وتعالى نَبِيَّهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقال له في مُحكَمِ التَّنزيلِ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] ، وفي هذا الحديثِ يَصِفُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نهْرَ الكوثرِ- كما رآهُ في رِحلةِ المِعراجِ- قال: "بيْنا أنا أَسِيرُ في الجنَّةِ، إذ عرَضَ لي نَهرٌ، حافَتاهُ قِبابُ اللُّؤلؤِ المُجوَّفِ"، أي: على حافَتَيهِ قِبابٌ مِن جَوهرِ اللُّؤلُؤِ المُجوَّفِ، والقِبابُ جمعُ قُبَّةٍ، وهو بِناءٌ سقْفُهُ مُستديرٌ، "قلْتُ: يا جِبريلُ، ما هذا؟ قال: هذا الكوثرُ الَّذي أعطاكَهُ اللهُ، ثمَّ ضرَبَ بيَدِه إلى طِينِه، فاستخرَجَ مِسْكًا"، أي: إنَّ طِينَتَه طَيِّبةُ الرَّائحةِ.
وقيل: إنَّ الكوثَرَ معناهُ: الخيرُ الكثيرُ الَّذي جمَعَهُ اللهُ تعالى لنَبيِّه في الآخرةِ.
وقيل: الكوثَرُ حوضٌ أُعْطِيَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الجنَّةِ، وليس نَهرًا، ولكنَّ هذا الحديثَ يَدلُّ على أنَّ الكوثرَ نَهرٌ، ويُمكِنُ الجمْعُ بيْن هذه الأقوالِ والرِّواياتِ المُختلفةِ: بأنَّه نَهرٌ له حوضٌ، ويَجتمِعُ النَّاجون الفائزونَ على حَوضِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيَشْرَبون منه خارِجَ الجنَّةِ، والنَّهرُ يَجْري في الجنَّةِ، ويَشرَبُ منه مَن دخَلَها بفضْلِ اللهِ ورَحمَتِه.
قولُه: "ثمَّ رُفِعَتْ لي سِدرةُ المُنْتهى، فرأَيْتُ عندَها نُورًا عظيمًا،" وهي أعْلى مَنزلةٍ يَنْتهى إليها عِلْمُ الخلائقِ، وهذا القولُ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يُوضِّحْ ما المقصودُ بالنُّورِ: هل هو نُورُ اللهِ؟ أمْ أنَّه رأَى نُورًا لم يُمكِّنْه مِن رُؤيةِ اللهِ سُبحانه وتَعالى، كما وُضِّحَ ذلك في الرِّوايةِ الأُخرى عن أبي ذَرٍّ أيضًا: "نُورٌ أنَّى أراهُ؟"، أي: رأيْتُ حِجابًا مِن نُورٍ، فكيف أَرى اللهَ مع وُجودِ حِجابِ النُّورِ؟ وقد جاء في القُرآنِ قولُه تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35] ، ومعناهُ: صاحِبُ نُورِهما، وربُّ النُّورِ وخالِقُه.
وقيل: نُورُ السَّمواتِ والأرضِ بالهدايةِ.
وقيل: مُنَوِّرُ قُلوبِ عِبادِه المُؤمِنين.
وفي الحديثِ: إثباتُ وُجودِ نَهرِ الكَوثرِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الآخرةِ.
وفيه: بَيانُ مَنزلةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقدْرِه عندَ ربِّه وتَشريفِه لَه.
[سنن الترمذي] (5/ 449) 3360- حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا سريج بن النعمان قال: حدثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بينا أنا أسير في الجنة، إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ، قلت للملك: ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله، قال: ثم ضرب بيده إلى طينة فاستخرج مسكا، ثم رفعت لي سدرة المنتهى فرأيت عندها نورا عظيما)): ((هذا حديث حسن صحيح قد روي من غير وجه عن أنس))
[مسند أحمد - قرطبة] (3/ 207) 13179- حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يونس ثنا شيبان عن قتادة قال حدث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك قال فأهوى الملك بيده فاخرج من طينه مسكا أذفر