إنَّ أمرَكُنَّ ممَّا يهمُّني مِن بعدي وليس يصبِرُ عليكنَّ إلَّا الصَّابرونَ الصِّدِّيقونَ ثمَّ قالت لأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ سقَى اللَّهُ أباكَ من سلسبيلِ الجنَّةِ وكان ابنُ عَوفٍ قد تصدَّقَ على أمَّهاتِ المؤمنينَ بأرضٍ بيعت بأربعينَ ألفًا وقال أبو سلَمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ أوصَى عبدُ الرَّحمنِ بنُ عُوفٍ بحديقةٍ لأمِّهاتِ المؤمنينَ بيعت بأربعمائةِ ألفٍ
أخرجه الترمذي (3749) باختلاف يسير، وأحمد (24485) مختصراً
البِرُّ والإحسانُ له فَضلٌ كبيرٌ، وقد حثَّنا اللهُ سبحانَه وتعالَى عليه، ورغَّبنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيه، وأفضَلُ البِرِّ والإحسانِ ما أوصَى به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن الإحسانِ إلى أهلِ بَيتِه صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وحُبِّهم دُونَ مُغالاةٍ أو خُروجٍ عمَّا أمَر به الشَّرعُ.
وفي هذا الحَديثِ تَحكي أمُّ المؤمنِينَ عائشةُ رَضِي اللهُ عَنها: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يقولُ لأزواجِه رَضِي اللهُ عَنهنَّ: "إنَّ أمْرَكنَّ"، أي: حالَكنَّ وشأنَكنَّ، "ممَّا يُهِمُّني من بَعْدي"، أي: يُوقِعُني في الهمِّ بعدَ موتي؛ لأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يَترُكْ لأزواجِه شيئًا مِن الدُّنيا، وكان ما ترَكه صدَقةً، وأزواجُه رَضِي اللهُ عَنهنَّ اختَرْنَ الآخِرَةَ والدَّارَ الباقيةَ على الدُّنْيا، ثمَّ قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "ولَيس يَصبِرُ عَليكُنَّ"، أي: على بَلاءِ مُؤْنَتِكنَّ وسَدِّ حاجَتِكنَّ، "إلَّا الصَّابِرون الصِّدِّيقُون" الَّذين رزَقَهم اللهُ تعالى الصَّبرَ على طاعتِه وابتغاءِ مَرضاتِه، والصَّبرَ على النَّفسِ وعلى مُخالَفتِها، باختيارِ الإنفاقِ والعطاءِ في سبيلِ اللهِ تعالى، مع ما فيهم مِن حُبِّ التَّصدُّقِ على المُؤمنين، "ثمَّ قالت لأبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ"، أي: قالتْ أُمُّ المُؤمنين عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها لأبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ راوِي هذا الحديثِ، "فسَقى اللهُ أباكَ مِن سَلسَبيلِ الجنَّةِ"، وهي عَينٌ في الجنَّةِ، قيل: سُمِّيَت بذلك؛ لِسَلاسَتِها ولَذَّتِها وحُسنِها، تُريدُ عائشةُ رَضِي اللهُ عَنها بهذا الدُّعاءِ الصَّحابيَّ عبْدَ الرَّحمنِ بنَ عوفٍ رَضِي اللهُ عَنه، "وكان" عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ رَضِي اللهُ عَنه، "قد تصدَّقَ على أُمَّهاتِ المُؤمِنين بأرضٍ بِيعَتْ بأربعينَ ألْفًا، وقال أبو سلمةَ بنُ عبْدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ: أوْصَى عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ بحَديقةٍ لِأُمَّهاتِ المؤمنينَ بِيعَتْ بأربعِ مِئةِ ألْفٍ"، وفي رِوايةٍ أنَّه "وَصَلَ أَزْوَاجَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِمَالٍ بِيعَتْ بأَرْبَعِينَ أَلْفًا"؛ فتكون رِوايَةُ (بأَربعين ألفًا) قُوِّمتْ بالدَّنانيرِ الذَّهبيةِ، و(بأربع مِئة ألف) قُوِّمَتْ بالدَّراهِم.
وفي الحَديثِ: عَظيمُ اهتِمامِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بحالِ أزواجِه مِن بَعْدِه.
وفيه: دُعاءُ الصَّحابةِ رَضِي اللهُ عَنهم بَعضِهم لبَعضٍ.
وفيه: فَضلُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ رَضِي اللهُ عَنه.
سنن الترمذي (5/ 648) :
3749 - حدثنا قتيبة قال: حدثنا بكر بن مضر، عن صخر بن عبد الله، عن أبي سلمة، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إن أمركن لمما يهمني بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون.
قال: ثم تقول عائشة، فسقى الله أباك من سلسبيل الجنة، تريد عبد الرحمن بن عوف، وقد كان وصل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بمال، يقال: بيعت بأربعين ألفا.
هذا حديث حسن غريب.
[مسند أحمد] (41/ 33 ط الرسالة) :
24485 - حدثنا أبو سلمة، قال: حدثنا بكر بن مضر، قال: حدثنا صخر بن عبد الرحمن بن حرملة، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين ، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لهن: " إن أمركن لمما يهمني بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون ".
وقال قتيبة: صخر بن عبد الله.